الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 19، ألقاها
الشرك الأكبر يشمل اعتقاد النفع أو الضر في غير الله أو التوسل إلى الله بغيره، ويعتبر من أكبر الذنوب. يُبين أن هذا الشرك يتنافى مع توحيد الله تعالى.
النذر لغير الله يعتبر عبادة لغيره وهو محرم وقد يصل إلى درجة الشرك بالله، حيث يشمل تقديم الأموال والأولاد لغير الله طلبًا للحماية أو العافية. يُبين أن هذه الأفعال تتعارض مع تعاليم الإسلام.
يظهر بعض الناس مظاهر الشرك عند زيارة الأضرحة، مثل التذلل والتخشع ودعاء الأموات والتوكل عليهم. يُبين أن هذه الأفعال تتنافى مع تعاليم الإسلام التي تنص على التوكل على الله وحده.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا في درسنا السابق عند قوله رحمه الله تعالى: «فصل قد عرفت من هذا كله أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع ويضر وأنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل به إلى الرب تعالى إلا ما ورد في حديثٍ فيه ما قال في حق نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم بخصوصه أو نحو ذلك، فإن هذا أشرك مع الله غيره». ما تقدم ذكره أو قراءة تقدم بحمد الله جل وعلا التعليق عليه، وقوله رحمه الله تعالى: «فإن هذا أشرك مع الله غيره»، أي الشرك الأكبر، وقد تقدم وجه ذلك. قال: «واعتقد ما لا يحلُّ اعتقاده»، أي اعتقد في غير الله جل وعلا ما لا يجوز اعتقاده إلا في الله جل وعلا، من أنه ينفع نفعًا مطلقًا ذاتيًا أو يضر ضرًا مطلقًا ذاتيًا، وهذا لا يكون إلا لله رب العالمين جل وعلا. فمن اعتقد في غير الله جل وعلا هذه العقيدة فقد أشرك بالله جل وعلا، وكذلك من تقرَّب إلى غير الله جل وعلا بنوعٍ أو أنواعٍ من القربات من الطاعات من العبادات، معتقدًا أن ذلك الغير يتوسَّط له عند الله أو يجفع له عند الله جل وعلا، فإن هذا شركٌ أكبر بالله جل وعلا، الأول شركٌ في الربوبية، والثاني شركٌ في الألوهية، إذ أنه اعتقد أن غير الله يستحق العبادة مع الله جل وعلا والتقرَّب إليه مع الله جل وعلا. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، فلا يجوز أن يشرك بالله جل وعلا شيئًا، فمن وقع في الشرك فقد أشرك، ولو كان ذلك الشريك الذي جعله ذلك المشرك الشريكًا لله جل وعلا، ولو كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو وليًا صالحًا أو شجرًا أو حجرًا أو قمرًا أو شمسًا أو غير ذلك، كل ذلك شركٌ بالله جل وعلا، لأن الله جل وعلا لا يرضى بأي نوع من أنواع الشرك. إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، إنه من يشرك بالله فقد حرَّم الله عليه الجنة ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار. قال رحمه الله تعالى: «فإن هذا أشرك مع الله غيرهم واعتقد ما لا يحلُّ اعتقاده كما اعتقد المشركون»، أي الأولون في الأوثان. وهذا فيه إشارة إلى أن كلامه السابق كلامٌ عام للمشركين الأولين والآخرين، أي ممن أشرك بالله جل وعلا ممن ينتسب إلى هذه الأمة، فكلامه عام، لذا قال: «فإن من أشرك مع الله غيره»، هذا حكمٌ، «واعتقد ما لا يحلُّ اعتقاده كما اعتقد المشركون»، أي الأولون، فدل على أنه أراد أن يربط الحكم بالحكم بجامع العلة، علة جامعة، ما هي العلة الجامعة؟ الشرك بالله جل وعلا. المشركون أشركوا بالله جل وعلا أو ثانًا، أي المشركون الأول، وأشركوا مع الله جل وعلا أناسًا صالحين وملائكة وأنبياء، والمتأخرون كذلك وقع منهم الشرك، فأشركوا بالله جل وعلا بأناس قد يكونون صالحين، وقد يكونون عند أولئك صالحين، وفي حقيقة الأمر ليس كذلك، وقد يكون أي تلك العباد الألهات ليس لها حقيقة ولا وجود، والكل يجمعه أنهم صرفوا شيئًا من العبادات لغير الله جل وعلا، وأنهم اعتقدوا أن النفع المطلق أو الضر المطلق الذاتي في غير الله جل وعلا، وهذا شرك بالله، شرك بالله جل وعلا في الربوبية والأول في الألوهية. قال رحمه الله تعالى: «كما اعتقد المشركون في الأوثان»، فضلًا عمن ينذر بماله وولده لميت، ينذر بماله بماله وولده، إما بأن ينذر ولده بأن يكون خادمًا لذلك السيد، أي لقبر ذلك السيد، أن يجعله وقفًا خادمًا قائمًا بأمور ذلك السيد، من الإسراج النيران وكسوة ذلك الضريح وما شابه ذلك، وهذا هو الظاهر المعلوم في جزيرة العرب. وبلغنا، بل أخبرنا من أثق به من أفاضل الدعاة إلى الله جل وعلا في بعض البلاد الإفريقية، أن بعضهم ربما نذر لغير الله جل وعلا بذبح ولده، ليس بمجرد أن يقوم وأن يكون سادنًا، بل يتقرب إلى ذلك الغير بذبح ولده إذا بنى بيتًا أو فعل شيئًا يخشى أن يحصل لذلك البيت أو ذلك المكان، يخشى أن يحصل له شيء، فينظر بأنه إذا بنى بيته أن يذبح ولده لأجل أن يحفظ ذلك البيت، هذا والعياذ بالله قمة في السفه وقمة في الكفر والشرك بالله جل وعلا. إذا كان ذبح البهيمة ولو دجاجة شركًا بالله جل وعلا وأمره عظيم، فكيف بمن يذبح ولده لغير الله جل وعلا متقربًا إليه؟ نعوذ بالله من انتكاس الفطر. قال رحمه الله تعالى: «فضلا عن من ينذر بماله وولده لميت أو حي يطلب من ذلك ما لا يطلب إلا من الله تعالى من الحاجات»، ينذر بماله وولده. انظر هذا تقربٌ لغير الله جل وعلا بنذر، لأن النذر عبادة، ولا يجوز أن يتقرب بالنذر لغير الله جل وعلا، لأنه من العبادات التي لا تجوز أن تكون إلا لله جل وعلا. وإن كان ابتداء النذر في ابتدائه كلام وخلاف بين العلماء، أي هل هو مشروع؟ هل هو ممنوع؟ أم فيه تفصيل؟ خلاف مذكور في كتب الفقه. ولكن الشاهد أن من نذر لغير الله جل وعلا تقربًا لذلك الغير، فإنه متعبدٌ لذلك الغير بهذه العبادة، بعبادة النذر، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعهم ومن نذر أن يعصي أو فلا يعصه»، فهذا نذرٌ نذرًا لغير الله جل وعلا، نذرٌ لغير الله جل وعلا، فصرف عبادة لغير الله جل وعلا، ومن صرف شيئًا من العبادات لغير الله جل وعلا فقد وقع في الشرك بالله. قال رحمه الله تعالى: «فضلا عن من ينذر بماله وولده لميت أو حي»، سواء كان ذلك المنذر له حيًا أو كان ميتًا، لا يجوز، سواء كان مقربًا إلى الله جل وعلا أو كان مبعدًا من الله، أو كان حاجرًا أو كان شاجرًا أو غير ذلك، لا يجوز، لأن العبادة حق لله، فلا يجوز صرفها لغير الله جل وعلا كائنًا من كان ذلك الغير. قال رحمه الله تعالى: «فضلا عن من ينذر بماله وولده لميت أو حي يطلب من ذلك»، يعني انظر نذر في مقابل يطلب من ذلك ما لا يطلب إلا من الله تعالى من الحاجات، يطلب من ذلك الغير، من ذلك الولي، من ذلك الضريح، من ذلك المقبور، يطلب منه أشياء لا يقدر عليها إلا الله. قال: «من عافية مريضه»، يطلب العافية من غير الله، والله جل وعلا يقول عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي رب العالمين جل وعلا هو الذي بيده شفاء. قال: «أو قدوم غائبه أو نيله لأي مطلب من المطالب»، هذا تعميم بعد تخصيص، أو نيله لأي مطلب من المطالب، أي كان ذلك المطلب دنيويًا كما أشار إليه، أو طلب رزق أو رئاسة أو ما شابه ذلك من غير الله جل وعلا، أو كان أخرويًا، كمغفرة الذنوب أو رفع الدرجات أو دخول الجنة أو الخروج من النار أو ما شابه ذلك. كل ذلك لا يجوز أن يطلب من غير الله جل وعلا، بل ولو كان ذلك الغير حيًا قادرًا، لا يجوز أن يطلب منه شيء يقدر عليه بعد أن ينظر له متقربًا إليه، لأنه في هذه الحالة يكون مشركًا بالله جل وعلا بنذره، وفي الحالة الأولى يكون مشركًا بالله جل وعلا من جهتين، من جهة النذر ومن جهة الدعاء وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا. فهو في كل الحالتين فعل الشرك بالله جل وعلا، إما بنذر مع دعاء لغير الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو نذر لغير الله جل وعلا وطلب منه ما يقدر عليه المخلوق، كل ذلك شرك بالله جل وعلا، لأنه نذر لذلك الغير. قال: «قال رحمه الله تعالى: فإن هذا هو الشرك بعينه»، شرك بالله جل وعلا الذي كانت عليه عباد الأوثان والأصنام، أي الأول الذي كان عليه المشركون الأول. قال: «والنذر بالمال على الميت ونحوه والنحر والنحر على قبره والتوسل به»، أي توسل بذلك الغير، وطلب الحاجات منهم، أي من ذلك الغير، دعاءً والاستغاثة به، هذا كله من الشرك بالله جل وعلا، أن يدعى ميت وأن يستغاث بميت، هذا شرك بالله جل وعلا، لأنه يدعو ميتًا، وما يدعو الميت إلا لاعتقاده بأنه عنده سمع يسمع الأصوات، سمع موحيط يسمع الأصوات، وعنده قدرة على إجابة داعيه وسماع أصواتهم وكشف كربهم وغير ذلك من المعاني التي لا يمكن أن تكون إلا في الله رب العالمين جل وعلا. فهذا شرك بالله، هذه العقيدة الفاسدة. قال رحمه الله تعالى: «قال واتوسل به وطلب الحاجات منه»، وبعينه التي كانت تفعله الجاهلية، وإنما يفعلونه لما يسمونه وثنًا وصنمًا، وفعله القبوريون لما يسمونه وليًا وقبرًا ومشهدًا. ما الفرق؟ قال: «والأسماء لا أثر لها»، الفرق في ماذا؟ في الأسماء، لا في الحقائق والمسميات، إذ الكل أشرك مع الله جل وعلا غيره، فهم مشتركون في المعنى، وفي الحقيقة مختلفون في اللفظ، ولا أثر للفظ إذا اتحدت المعاني. قال رحمه الله تعالى: «والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني»، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية. فإن من شرب الخمر وسماه ماءً ما شرب إلا خمرًا، لو أن إنسانًا أخذ كأسًا من الخمر وقال: «هذا ماء»، وهو خمر، هل يقال: «صدقت»؟ الجواب: «لا»، بل يقال: «كذبت وأنت شارب للخمر»، وعقابه عقابه شارب الخمر، ولعله يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية. وهكذا من أشرك بالله جل وعلا وقال: «أنا ما أشركت بالله جل وعلا وإنما أنا أحب الصالحين»، أنا كذلك أحب الله تبارك وتعالى، ومن محبة لله جل وعلا أتقرب للصالحين، أذبح لهم، أنذر لهم حبًا لله جل وعلا، فيقال: «هذه الأسماء لا تغير المسميات»، أنت وقعت في شرك بالله جل وعلا شئت أم أبيت. قال رحمه الله تعالى: «وقد ثبت في الأحاديث أنه يأتي أقوام يشربون الخمر يسمونه بغير اسمها»، كما في حديث أبي مالك الأشعري وغيره، قال: «وصدقها صلى الله عليه وسلم»، قال: «قد أتى طوائف من الفسقة شربوا الخمر وسموها نبيدًا»، وأول من سمى ما فيه غضب ما فيه غضب الله وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين إبليس، إبليس لعنه الله. فإنه قال لأبي البشر آدم عليه السلام: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾، فسمى الشجرة التي نهى الله تعالى آدم عن قربانها شجرة الخلد، هذا من باب تغيير الأسماء، لكن هل تغيرت المسميات؟ تغيرت الحقائق والمعاني؟ الجواب: «لا». قال: «فسمى الشجرة التي نهى الله تعالى آدم عن قربانها شجرة الخلد، جذبا لطبعه إليها وهزًا لنشاطه إلى قربانها وتدليسًا عليه بالاسم الذي اخترعه لها»، كما سمى إخوانه المقلدون له الحشيشة بلقمة الراحة، وكما يسمي الظلمة ما يقبضونه من أموال عباد الله ظلمًا وعدوانًا أدبًا، فيقولون: «أدب القتل»، «أدب السرقة»، «أدب التهمة»، بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب. أي يأخذون أموال الناس ظلمًا ويسمونه أدبًا. قال: «كما يحرفون في بعض المقبوضات إلى اسم النفاعة وفي بعضها إلى اسم السياقة وفي بعضها أدب المكاييل والموازين»، وكل ذلك اسمه عند الله ظلم وعدوان، كما يعرف من شم رائحة الكتاب والسنة. وكل ذلك مأخوذ عن إبليس حيث سمى الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد، فكذلك تسمية القبر مشهدًا ومن يعتقدون فيه وليًا لا تخرج عن اسم الصنم والوثن، إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بها طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويلتمسون التماسهم لأركان البيت. وهذا لعله قد رؤي من المشركين من القبرية إذا طافوا حول أضرح الساداتهم وكبرائهم، عاملوهم كما يعاملون من يحج بيت الله تبارك وتعالى، تجدهم متذللين متخشعين باكين مقبلين لأركان ذلك الضريح ساجدين، واضعين جبهتهم عليه، ويطوفون حوله، ودعاء الصغاثة، نعوذ بالله من الخذلان. قال: «ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية من طولهم على الله»، «وعليك أي توكلت على الله وعليك»، والله جل وعلا يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، معناه: «فلا تتوكلوا إلا على الله»، والله جل وعلا يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. قال: «ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد ونحوها»، وكل قوم لهم رجل ينادونه. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.