الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مفهوم الرياء وأقسامه وتأثيره على صحة الأعمال، حيث يميز بين الرياء الأصلي والرياء المدخول. الرياء الأصلي يحبط العمل بينما الرياء المدخول قد يؤثر أو لا يؤثر على العمل حسب نوعه ودرجة تأثيره على نية الإخلاص.
النية التي تطرأ على العمل أثناء أدائه قد تؤثر على الأجر، لكنها لا تحبط العمل إذا كانت النية الأصلية مخلصة لله. هناك خلاف بين العلماء حول تأثير الرياء على العمل.
يناقش المقطع حديث أبي هريرة حول تأثير الشرك على العمل الصالح، ويبين أن الرياء يمكن أن يبطل العمل إذا دخل عليه. النبي صلى الله عليه وسلم حذّر من الرياء وأثره على الأجر والعمل.
المؤلف ذكر مسائل معينة في هذا الباب، وهذه المسائل تم استعراضها هنا بشكل مختصر. يشمل هذا الاستعراض النقاط الرئيسية التي تمت مناقشتها في المقاطع السابقة.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، ومن والاه. بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: باب ما جاء في الرياء. وقول الله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. هذا الباب جعله المؤلف في باب الرياء، ولأن الرياء من الأمور التي تؤثر على التوحيد؛ لأنها مؤثرة في الإخلاص، فلهذا شاءت الأحاديث في تسمية الرياء أنه شرك. الرياء يعتبر من الشرك، لكنه ليس من الشرك الأكبر. لكن هناك من الرياء ما هو كفر ومخرج من الملة، وهو رياء المنافقين الذين لا يعملون أعمالهم لله أصلا، كما قال الله عز وجل: ﴿والذين ينفقون أموالهم رياء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾، فأعمالهم كلها رياء، يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا، فهم يصلون ليس لله، ويصومون ليس لله، ويتعبدون أيضا ليس لله؛ لأجل أن يراهم الناس. بخلاف المؤمن، وإن حصل له رياء في أعماله، لكنه رياء مدخول، رياء مدخول مع نية، ومع إخلاص، ليس مثل رياء المنافقين. رياء المنافقين من أصله، بدون إخلاص. ولهذا فرق العلماء بين الرياء الذي يكون من أصل العمل، وبين الرياء الذي يكون مدخولا. فالرياء الذي من أصل العمل، لا شك في إحباط العمل، هذا بدون خلاف، أنه يحبط العمل الذي يكون من أصل العمل. مثلا: إنسان تصدق لأجل أن يراه فلان، تصدق أو صلى أو فعل فعل خير لأجل أن يراه فلان، فهذا عمل، معنى بداية عمله كان رياء، بداية عمل، فهذا لا شك أنه يحبط العمل. وهذا يتنزل عليه قول الله عز وجل: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. فهذا الرياء الذي يكون من بداية العمل. وهناك رياء مدخول، رياء مدخول يدخل على العمل، وهذا ينقسم لأقسام. هناك رياء يشارك النية، يشارك الإخلاص، فهذا مما يحبط العمل كذلك. وهذا يتنزل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته هو شركه». من عمل عملا معنى فيه إخلاص، لكن دخله الرياء وشاركه الرياء، صار مشاركا في أصل العمل، وإن كان هو طارئ، لكن طرأ في أصل العمل، فهذا الرياء لا يقبله الله عز وجل. وهناك رياء لا يؤثر في الإخلاص، لكنه يضطر على العمل، يضطر على العمل. وهذا الذي اختلف فيه العلماء: هل يؤثر على العمل كله أم يؤثر على بعض العمل؟ وكذلك من هذا الباب أيضا النيات التي تدخل مع نية الإخلاص. النيات التي تدخل مع نية الإخلاص، هناك نيات قد الإنسان لا يستطيع أن يحرر نيته من الأغراض الأخرى. فمثلا: يطلب العلم لله، ويطلبه كذلك لأجل الشهادة. يطلب العلم لله مثلا، وأيضا يطلبه لأجل أن يرضي والديه. يطلب العلم لله، وأيضا أن يكون مثلا له. مثلا بعضهم يقول: أنا أطلب العلم أريد طلب العلم، لكن أيضا لأجل أن طلب العلم فيه تأتي أموال وتأتي كذا. أو يكون مثلا عنده عمل يريد مثلا بطلب العلم أنه يعمل عند هؤلاء الذين يطلب عندهم العلم. بعضهم مثلا معهم جمعيات، معهم كذا، فيجعلونه يعمل أو في مسجد أو في كذا. المهم هو مثلا أشرك نيته. فهذه النية هل تؤثر على الأمل؟ فهذا فيه خلاف بين أهل العلم. إن كانت هذه النية دخلت من أول العمل، فهذا مثل الذي تقدم. لكن إذا طرأت طرأت على العمل. مثلا على سبيل المثال: إنسان مثلا يعمل أو يدرس مثلا لله، فقال له إنسان آخر مثلا أو صحاب المسجد قال له: سنعطيك مبلغ من المال يعينك. فلما رأى المبلغ التزم أكثر مما كان. يعني لما عطوه المبلغ التزم أكثر مما كان كان قبل يفرط مثلا، لكن لما قالوا له نعطيك مبلغ التزم بالدروس أكثر. أو مثلا إمامة مسجد، أن بعض الناس مثلا يأخذ إمامة مسجد، تجده إذا كان بدون راتب يفرط في الإمامة، لكن إذا قالوا له نعطيك راتب وكذا تجده ملتزم بالإمامة. فهل هذا يؤثر في النية؟ هذه المسألة إن كان النية فيها أمعنى مخلصة لله، وهذا الفعل طرأ على نيته ولم يؤثر على إخلاصه، فهنا هذا العمل أو هذا النية الثانية التي دخلت، الصحيح أن لا تحبط العمل؛ لأن العمل أصلا مخلص؛ لأن العمل أصله مخلص لله، لكن طرأ عليه شيء من النيات الأخرى. فلهذا جاء حديث جاء في صحيح مسلم أنه يعطى ثلث أجره، أو يعجل له ثلث الأجر، أنا من دخلت نية من دخلت نية على نيته يعطى ثلث الأجر، ما يعطى الأجر كله، فهي ما تحبط عمله، لكن تؤثر على أجره. هذه النية المدخولة تؤثر على أجره. وكذلك أيضا بعض الرياء يؤثر على الأجر، ولا يؤثر على العمل. أن بعض أنواع الرياء ما تؤثر على العمل كله، لكن تؤثر على أجر العمل، تؤثر على أجر العمل. لكن هذا متى يكون هذا؟ إذا كان أصل النية مخلصة، ثم طرأ عليها هذا الطارئ. وبعض العلم يقول: لا، الرياء ليس فيه كذلك، الرياء كله يحبط العمل؛ لأنه قد جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من رأى رأى الله به، من سمع سمع الله به». وجاء في الحديث أنه تجد الرجل يصلي لله، ثم يراعي، ثم يراعي، معنى يرى إنسان أو كذا فيحسن صلاته لعجل هذا مثلا. طالب رأى شيخه حسن صلاته لعجل أن شيخه يراه، أو مدرسه يراه، أو أباه يراه فيحسن الصلاة لعجل أن أباه يراه. وإلا الأصل النية مخلصة، أسعى النية مخلصة لله عز وجل. فهذا بعضها العلم يقول أن هذا رياء يؤثر على أصل النية وعلى أصل العمل. ومنهم من قال: لا يؤثر على أصل العمل، وإنما يؤثر على الأجر، يؤثر على الأجر؛ لأن العمل مخلص، العمل مخلص لله عز وجل، ثم طرأت عليه هذه النية التي هي نية الرياء. وكما قلنا: كثير من أهل العلم أخذ بظاهر النصوص أن الرياء يعتبر شركا. الرياء يعتبر شركا. طيب قال: وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة. طيب قالوا: عن أبي هريرة مرفوعا قال: قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». رواه مسلم. وعن أبي سعيد مرفوعا: «لا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى. قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل». رواه أحمد. يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل، أن هذا الذي يكون فيه الطرأ لنية أخرى تطرأ نية أخرى على نية الصلاة. فحديث أبي هريرة: «أنا أغنى شركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». هذا لا شك أنه يحمل على بداية العمل، هذا يحمل على بداية العمل، أنه أشرك في بداية العمل. والحديث الثاني فيه أنه يشرك أو يطرأ على العمل، يطرأ على العمل. والشيخ كأنه يرى أن الرياء يبطل العمل، ولو كان تطرأ على العمل، يبطل أجر العمل ويبطل العمل كل. ولهذا ذكر هذا الحديث أن الشرك الخفي: «يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل». أنه صلى لله، لكن لما رأى آخر ينظر إليه، مدرسة مثلا، كما قلنا أبا أو صديقا له أو كذا، فيقوم ويزين صلاة. فإذا صلى لنفسه صلى بسرعة، وإذا صلى عند الناس صلى بتؤدة وطمأنينة، فهذا أيضا يؤثر على النية. قال: فيه مسائل. الأولى: تفسير آية الكهف: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾، أي: لا يرائي في عبادة ربه. الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله. رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله. وهذا يدل كما قلنا على أن الشيخ يرى أن النية التي تدخل خاصة رياء إذا دخل على عمل أفسده. الرياء إذا دخل على العمل أفسده. وأما النيات الأخرى، فكما ذكرنا في الخلاف فيها. مثلا نية كما قلنا شهادة، نية كذا، نية كذا، ليس رياء، وإنما تدخل نية أخرى تدخل نية أخرى في العمل. فإن كان أصل النية مخلصا، فهذا العمل يؤثر في الأجر، أو هذه النية تؤثر في الأجر، ولا تؤثر في العمل، هذا هو الصحيح. الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغنى. معنى أن الله عز وجل غني لا يحب أحدا يشاركه. ولأن هذا الأمر لا يستحق هو أحد غير الله جل وعلا، وهو العبادة، فلهذا قال: «تركته وشركه». الله عز وجل غني عن عمل العبد إذا أشرك معه غيره تركه مع الذي أشرك. كما جاء في بعض الألفاظ: فقال الله عز وجل: «تركته مع الذي أشرك». أنا وكلته للذي أشرك، هو يعطي أجر، أنا كأنه معنى كذا، أنا هو يعطي أجر ويتيب هو الذي يتيب. الرابع من الأسباب: أنه تعالى خير الشركاء، أنا خير الشركاء. وجاء في رواية معنى يقصد الشيخ الرواية الأخرى: «أنا خير الشركاء». خير الشركاء، ليس من باب أن هناك شركاء آخرين يجوز أن يصرف لهم، لا، وإنما خير الشركاء، أي: الذي لا يقبل أو لا يقبل شريك، خير هم، معنى هنا أعظمه. الخامسة: قوف النبي صلى الله عليه وسلم على أصحاب من الرياء. لما قال: «ألا أخبركم ما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» وهذا الحديث يحسنه بعض أهل العلم، وجاء له شاهد من حديث عبد الرحمن بن شبل. السادس: أنه فسر ذلك بأن الرجل يصلي لله، لكن يزينها لما يرى من نظر الرجل إليه. وهذا يدل كما قلنا على أن الرياء ليس فيه ما يؤثر على الأجر فقط، بل الرياء كله يؤثر على العمل، بخلاف النيات الأخرى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى رأى الله به، ومن سمع سمع الله به». فالذي يرائي لا يقبل الله عز وجل عمله، وإنما يوكله إلى هذا الذي رأى. وكأنه أشرك مع الله عز وجل هذا الشخص. طيب هذه المسائل التي ذكرها المؤلف في هذا الباب.