شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 47

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية الصبر ومراتب المؤمنين

الصبر على أقدار الله جزء من الإيمان، وهناك مراتب للمؤمنين في التعامل مع المصائب وهي الصبر والرضا والشكر. المؤمن يتعامل مع المصائب بدرجات متفاوتة من هذه المراتب.

معنى الشكر ومظاهره

الشكر هو إظهار النعم المتبقية بعد المصيبة، وليس الضحك وقت المصيبة. يجمع الشكر بين الرضا بقضاء الله والحزن المباح الذي هو رحمة من الله.

أحكام الصبر على المصائب

المصائب تكون بسبب الذنوب وتكون كفارة إذا صبر الإنسان، وقد تكون ابتلاءً من الله. يجب الصبر على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقدار الله المؤلمة.

مسائل متعلقة بالرضا والصبر

السخط على أقدار الله محرم، والرضا بالبلاء يؤدي إلى رضا الله عز وجل. العبد يُثاب على رضاه وصبره على البلاء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. وقول الله جل وعلا: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم﴾. قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. علقمة هذا صاحب عبدالله بن مسعود، علقمة بن قيس النخعي. هذا الباب: باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله، يعني الشيخ رحمه الله حريص أن يأتي بكل باب يتعلق بالاعتقاد. وإن كان لا شك أن الإنسان ما يستطيع يحصر الأبواب التي تتعلق بالاعتقاد، لكن الشيخ اجتهد رحمه الله وأتى بأشياء كثيرة مما تتعلق بالاعتقاد. ومن ذلك الصبر على أقدار الله، فمن الإيمان بالقضاء والقدر يدخل في الإيمان بالقضاء والقدر الصبر على أقدار الله جل وعلا. فإن التسخط والجزع من يكون خللا في الاعتقاد ويؤثر على الإيمان بالقضاء والقدر. ولهذا الصبر واجب عند عامة العلماء، الصبر واجب عند عامة العلماء على أقدار الله. بخلاف الرضا، الرضا عند الجمهور مستحب، لكن الصبر واجب، والجزع محرم. والجزع والتسخط محرم. والمراد بالجزع هو أن يعترض على قدر الله أو يتسخط على قدر الله، يقول مثلا: هذا مسكين ليش؟ هذا مات ليش؟ كذا لماذا؟ هذا الذي أخذ عني، من هذه الألفاظ التي فيها اعتراض على قدر الله وفيها التسخط. وكذلك أيضا ما يكون فيه أيضا الجزع والتسخط: لطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية: يا ويلي، يا ويلاه، لما يموت مثلا أب أو كذا أو زوج، تجد المرأة تقول: يا ويلاه، كيف أفعل؟ وكيف أعيش؟ وكيف كذا؟ وكأن عيشها متعلق بها بعيش من مات عليها. وهذا يعتبر من التسخط والجزع الذي لا يجوز، وهو يعتبر اعتراضا على قدر الله. البكاء جائز، وأيضا حزن القلب جائز. وأما هذه الأشياء من لطم الخدود وشق الجيوب ونتف الشعر والصياح، فجاء في حديثها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بريء من الحالقة والصالقة والشاقة. الحالقة والصالقة والشاقة: الصالقة هي التي تصيح ترفع صوتها بالبكاء، وهي النائحة. يعني النائحة تكون بالبكاء، والصالقة تكون بالصوت تصيح وترفع صوتها، فهذه تكون صالقة. وهذا كله يعتبر من فعل الجاهلية ومن التسخط على أقدار الله. فلهذا المؤمن يصبر، ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾. قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. ومن يؤمن بالله لا يريد الرضا بقضاء الله وقدره. والرضا بقضاء الله وقدره، والرضا كما قلنا مستحب. وهناك أيضا مرتبة أخرى، مرتبة ثالثة في المصائب. المصائب يتلقاها المؤمن بثلاث مراتب. إذا جاءت مصيبة تلقاها المؤمن بثلاث مراتب: الصبر والرضا والشكر. فأما الصبر فهو حبس النفس على عدم الجزع والتسخط، هذا يعتبر صبر. مع دمع العين وحزن القلب، هذا ما لا يعد في التسخط، ولا ينافي الصبر. ولا ينافي الرضا. ولهذا بعض الناس خلطوا بين هذه الحقائق الثلاث، خاصة أهل التصوف أو بعض العباد لم يستطع أن يجمع بين الصبر والرضا، فلهذا ظنوا أن الصبر لا بد أنك تظهر أو عدم إظهار الحزن. يظنون أن الصبر عدم إظهار الحزن. فلهذا يرى في بعض عند بعض العباد أنه في يوم مات ولده وهو يضحك، يضحك أمام الناس في موت ولده، يظن أن هذا رضا بقضاء الله والقدر. والرضا يحصل بغير هذا. الرضا هو أن المؤمن يطمئن ويعلم أن هذا من عند الله، فهذا رضا مع الصبر. لأن الرضا ما سيأتي إلا مع الصبر، إذا عدم الصبر ذهب الرضا. فأما هذه ثلاث المراتب مراتب المؤمن في المصائب مثل مراتب الإسلام، مثل مراتب الدين: الإسلام، والإيمان، والإحسان. فالإحسان ما يحصل إلا بالإسلام والإيمان، والإيمان ما يحصل إلا بالإسلام، لكن قد يحصل الإسلام بدون إيمان، وقد يحصل الإيمان بدون إحسان. وهكذا هذه المراتب، فلا يحصل الشكر إلا بالرضا والصبر، ولا يحصل الرضا إلا بالصبر، لكن قد يحصل الصبر بدون رضا وشكر. والشكر: هو أن يحمد الله عز وجل العبد على ما أعطاه الله عز وجل، ما أخذ منه وقد أعطاه غيره. هذا شكر. مثل ما قال بعضهم: لما عُرض على عروة بن الزبير أن يُقطع رجله، قال: الحمد لله الذي جعل لي رجلا أخرى. أو مثلا الإنسان تحصل له مصيبة يقول: الحمد لله أبقى الله عز وجل لي ما فيه خير. مثل أيضا ما جاء في أثر عروة أنه قطعت رجله ومات ولده في نفس اليوم، مات ولده وقطعت رجله في نفس اليوم، وكان عند عبد الملك بن مروان، فرأى عبد الملك بن مروان أن عروة حزن، وهذا حزن عادي معناه لا ينافي الصبر. وإلا فعروة قال: قد ذهبت هذه الرجل، فبقي أبقى الله عز وجل لي أخرى. وقال: قد ذهب هذا الولد وأبقى لي أولادا غيره. فالمهم أن الشكر هو إظهار النعمة عند المصيبة، إظهار النعمة أو التحدث بالنعمة عند المصيبة. وليس معناه كما قلنا أن اللسان يضحك وقت المصيبة. لهذا ليس صحيحا. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن هؤلاء ذكروا عن بعضهم قال: هؤلاء لم يستطيعوا أن يجمعوا بين حزن القلب الذي يحصل في الإنسان وهو الرحمة التي تكون في الإنسان، وبين الرضا بقضاء الله وقدر. ما استطاعوا أن يجمعوا، يظنون أن هذه الحالة أكمل من كثرة الرضا، قام ومعناه صاروا يضحكون، يظنون أن هذا إظهار للرضا، وهذا ليس صحيحا. لأن أكمل المقامات هو ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، النبي صلى الله عليه وسلم بكى وحزن قلبه لما مات ابنه إبراهيم، وأخذ هو نفسه تقاقع ثم مات وهو في يده، فحزن. فقال له عبد الرحمن بن عوف: حتى أنت يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». فأظهر النبي صلى الله عليه وسلم الرضا وكذلك الصبر، وكذلك أيضا بالمقابل الحزن الحزن المباح الذي هو رحمة جعلها الله عز وجل في قلوب عباده. ولهذا لما زار النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة، بكى. فقالوا له: أتبكي يا رسول الله؟ قال: «هذه رحمة جعلها الله عز وجل في قلوب عباده». فهذه رحمة الإنسان لما يحزن على أبيه على أمه على ابنه، هذا شيء رحمة جعلها الله عز وجل في قلوب عباده. فهذه الرحمة لا تنافي الصبر ولا تنافي الرضا. فلهذا أعلى المقامات كما قال شيخ الإسلام هو ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام. قال في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت». وجاء في رواية: «والفقر والأحساب». قال ولهما أي للبخاري ومسلم عن ابن مسعود مرفوعا: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية». والنائحة إذا لم تتب يقام عليها بسربال من قطر ودرعا من جرب. ويقام عليها يوم القيامة في النار بسربال من قطران أو قال من قطر. القطر هو لباس بسرعة يشعل النار، ودرعا من جرب. الجرب هو النحاس الذي معناه يكون أشد اشتعالا. وجاء في صحيح مسلم: «أربع من أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن». فبعد ما ذكر هذه الأربع قال: «والنائحة إذا لم تتب يقام عليها يوم القيامة بسربال من قطران ودرعا من جرب». وقوله هنا في حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود»، ليس منا بعض العلماء رأى أنها لا تفسر تكون على ظاهرها ليس منا. فبعضهم يقول: ليس على ملتنا، وليس على طريقتنا، وليس كذا. فالأفضل أنها لا تفسر، معناه هو تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء. «ليس منا من ضرب الخدود»، أنه يضرب خدوده لأجل المصيبة. «وشق الجيوب»، الجيوب معناه مكان الثوب الذي يكون محل الصدر فيشقه هكذا، هذا شق الجيوب. ليس الجيوب التي تكون في القميص، الجيوب هو ما يكون على الصدر، فكانت النساء تشق ثوبها لأجل المصيبة. قال: «ودعا بدعوى جاهلية»، معناه من الويل والثبور. قال: «وعن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد بعبد الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة». وقول: عجل له العقوبة في الدنيا، معناه أصابه بمصيبة. وهذا إذا أراد الله عز وجل بعبده الخير. فلهذا الواجب هو الصبر على هذه المصائب التي تقع. ﴿ما أصاب من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾. ﴿وما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير﴾. فهذه المصائب التي تقع هي مكتوبة عند الله عز وجل وتكون بكسب العبد. ﴿فبما كسبت أيديكم﴾. ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس﴾. فالمصائب بسبب الذنوب، وأيضا قد تكون بسبب الذنوب وتكون أيضا تطهيرا وتكفيرا وتكون أيضا عقوبة مع التطهير. قال: وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن أعظم الجزاء مع أعظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط». حسنه الترمذي، جاء من حديث عائشة أو غيرها أو المغيرة بن شعبة. وظهر أنه حسن. «إن أعظم الجزاء مع أعظم البلاء»، كلما زاد البلاء زاد الجزاء. وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي سعيد: «أشد الناس بلاء الأنبياء فالأمثل فالأمثل». يبتلى الرجل على قدر دينه، إن كان في دينه صلابة زيد في بلائه. إذا كان عنده صلابة في الدين زيد في بلائه. قال: «وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط». فهذه بعض الأحاديث التي في هذا الباب أن الإيمان بالله يدخل فيه الصبر على طاعة الله أو الصبر على أقدار الله. لأن الصبر على ثلاث أقسام: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله المؤلمة. قال فيه مسائل: الأولى تفسير آية التغابن، وهي قول الله عز وجل: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾. الثانية: أن هذا من الإيمان بالله. الثالثة: طعن في النسب، أي أنه من الأمور المنكر والأمور التي هي من أمر الجاهلية. الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية، فقد تبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم. الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له العقوبة. ولهذا جاء أيضا في حديث أبي هريرة أو غيره أن رجلا من الصحابة كان يبيع تمرا فجاءت عنده امرأة فقال: هذا التمر، وإن أردت تمرا آخر فبالداخل. فلما دخلت فالرجل ما صبر وقبل هذه المرأة، ثم تندم. ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحكى له ما فعل، فقال: «أنت عبد أراد الله بك خيرا». ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد بعبد الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة». نفس الحديث هذا: إذا أراد به الخير عجل له العقوبة في الدنيا. وهذه العقوبة تختلف، ممكن حتى الابتعاد عن الطاعة هي عقوبة، بل هي من أشد العقوبات أن الله عز وجل يمنعك عن الطاعة أو تبتعد عن الإيمان ينقص إيمانك، فهذا أيضا عقوبة. فليست العقوبة بمعنى أنه يحصل فيك شيء لا، بعضهم يظن أن العقوبة هكذا لابد أن يحصل فيك شيء، يحصل لك حادث، يحصل لك كذا. لا، بل من أعظم العقوبات أنك تسلب شيء من الإيمان، تسلب شيء من الطاعة، تسلب شيء من التعظيم، فهذا أيضا من أعظم العقوبات. الآن قد يكون الإنسان ما يحس بهذا، لكن إذا كبر يحس بمثل هذه الأشياء، يحس أنه بعيد عن الله، لماذا؟ بسبب الذنوب التي أبعدته. قال أيضا: خامسة علامة إرادة الله بعبد الخير. السادسة: إرادة الله به شر إذا لم يعاقبه. السابع: علامة حب الله للعبد. قال: الثامنة: تحريم السخط أو تحريم السخط أن تسخط على أقدار الله. التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء. أن إذا رضي العبد في المصيبة تحصل على رضا الله عز وجل، إذا صبر على البلاء. فهذه المسائل التسعة التي ذكرها المؤلف هنا.