شرح الأصول الثلاثة 41

شرح الأصول الثلاثة 41

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 41، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حكم من أنكر البعث وتكفيره

تطرق المؤلف إلى حكم الإيمان بالبعث وبين أن من كذب أو أنكر البعث فإنه كافر، مستدلا بالآية الكريمة. وأجمعت جميع فرق الإسلام على كفر من أنكر البعث.

تفاوت وتعدد اعتقادات الكفار في الجاهلية

الكفار في الجاهلية لم يكونوا على عقيدة واحدة، فمنهم من كان يقر بوجود الله وينكر البعث، ومنهم من كان يؤمن بالبعث والحساب. وفرق العلماء بين إنكار وجود الله وإنكار البعث.

تنويع في ذكر أقوال العلماء حول اعتقادات الكفار

ذكر ابن كثير أن الكفار كانوا يقرون بوجود الله ويجحدون البعث، بينما ذكر الشهرستاني أن أديان العرب كانت على ثلاثة طوائف مختلفة في اعتقاداتهم.

ختام الموضوع والدعاء بالقبول

يختتم المتحدث الموضوع بجمع أفكاره وتوضيحها، ويدعو الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والدليل قوله تعالى ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾، وقوله تعالى ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا﴾، وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم، والدليل قوله تعالى ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾. هذه المسألة قد مرت معنا فيما يتعلق بمسألة البعث، وأنها من عقائد الإسلام ومن عقائد أهل الإسلام، ويتبع ذلك الحساب. ودلل المؤلف رحمه الله تعالى على ذلك بأدلة شرعية تدل على وجوب الاعتقاد بهذه العقيدة، وتكلمنا عن بعض المسائل المتعلقة بالبعث من حيث النفخة الثانية أم الثالثة، وما يتعلق بالحساب في أول ما يحاسب به العبد. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن كذب بالبعث كفر، والدليل قوله تعالى ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير﴾. في هذا الفقر، إخواني في الله، بعدما أصل المؤلف رحمه الله تعالى إلى عقيدة البعث، تطرق إلى حكم الإيمان بهذه الشعيرة وبهذه الأمارة، وبين رحمه الله تعالى أن من كذب أو أنكر البعث فإنه كافر، وهذا كفره يقيني لا شك في ذلك ولا ريب. بل إن جميع فرق الإسلام قد أجمعت على كفر من أنكر البعث. يقول ابن حزم رحمه الله تعالى: اتفقت جميع أهل القبلة على اختلاف تنابذ فرقهم على القول بالبعث، وعلى تكفير من أنكر ذلك. فلا إشكال في هذا، وهذا أمر مجمع عليه بين جميع الفرق الإسلامية على كفر من أنكر البعث. والدليل هذه الآية الصريحة ﴿زعم الذين كفروا أن لا يبعثوا قل بلى وربي﴾، وهذا قسم من ربنا جل وعلا أقسم بذاته الشريف جل في علاه على الإيمان بالبعث. وهذه آية من ثلاث آيات في القرآن أقسم بها ربنا جل وعلا أقسم بنفسه على مسألة البعث والمعاد، وذلك لأهميتها وأنها من الضروريات التي ينبغي أن يعتقدها المسلم حتى يكمل إيمانه. وهنا مسألة، إخواني في الله، مهمة جدا في هذا الباب يناسب ذكرها في هذه الفقرة، وهي مسألة قد يستدل بها بعض من يستدل على من ينكر على أهل التوحيد وعلى أهل السنة مسألة القول بأن الكفار كانوا يقرون بوجود الله أو يقرون بربوبية الله جل وعلا. أهل السنة والعلماء من المحققين، وكذلك أهل التوحيد، إذا درسوا الناس مسألة العقيدة والتوحيد، فإنهم يقررون في معتقداتهم على أن كفار قريش الذين بعث إليهم نبينا صلى الله عليه وسلم كانوا يقرون بربوبية الله جل وعلا، كما في آيات كثيرة ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾، فهم يعترفون ويقرون بأن الله هو الخالق، وأن الله هو الرازق. لكن يوجد من يشغب على هذه القضية، يقول: أنا ما أستطيع أن أسلم لكم بهذه المسألة، أنا ما أقول بأن الكفار كانوا يقرون بأن الله هو الخالق وأن الله هو الرازق، هذا محال. مما يستدل به من يستدل على ضحض هذه المسألة التي يقررها العلماء هذه المسألة مسألة البعث ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا﴾، فيقول بعضهم: هذه آية صريحة الدلالة على أن الله جل وعلا ذكر أن الكفار ما كانوا يؤمنون بالبعث، فالذي لا يؤمن بالبعث كيف يقال في حقه أنه يقر بأن الله هو الخالق وأن الله هو الرازق؟ قالوا: كيف هذا؟ هذا لا يمكن. رجل تخيّر، رجل أنكر البعث، معنى أنكر البعث أنكر ما بعد ذلك، أنكر البعث أنكر الحساب، أنكر العقاب، أنكر الجنة، أنكر النار، أنكر الثواب، أنكر الجزاء، إذن كيف يقال أنه أقر بوجود الله وبخلق الله ورزق الله؟ هذا محال. فتحمل قال: هذه الآيات على الاستهتار منهم، على التهكم منهم، هذا تحمل. أما نقول: لا، أن الكفار قد أقروا بربوبية الله، فلا. قلنا: نعم لهذه مثلا، هذا مما يذكر في كتب القوم ويدندن بها بعض من يشغب على أهل السنة في تقريرهم لمسألة أن الكفار قد أقروا بربوبية الله جل وعلا، يتمسك بهذه المسألة بمسألة البعث. يقول: إن الله قد صرح بأن الكفار ما كانوا يؤمنون بالبعث، إذن هذا يجعلهم ماذا؟ ملاحدة. يجعلهم ملاحدة، وكيف الملحد وهو ملحد يقول بوجود الله؟ ما يستوي. الرد، إخواني في الله، على هذه المسألة ننبع على أمر ننبع على العلماء، وهو أننا لا نربط بين أمرين، كون أن الكافر ينكر البعث، فإن هذا ليس من اللزوم أنه ينكر وجود الله جل وعلا أو إعطاء الله الربوبية، لا يستلزم من هذا ذاك، لا يستلزم. بل كان الكفار مع إنكارهم للبعث إلا أنهم كانوا مقرين بوجود الله، مقرين بوجود الله وأن الله هو الخالق والرازق. وعلى هذا مشى العلماء، وأحيل إلى ما ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند قوله تعالى ﴿والذين اتخذوا من دون الله أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، عند هذه الآية ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى ما يتعلق بتفسيرها، وكيف أن الكفار كانوا يقرون بوجود الله إلا أنهم كانوا يتخذون الأصنام والآلهة وسطاء وشفعاء بينهم وبين الله جل وعلا. ثم ختم بحثه بقوله: قالوا: إن كانوا جاحدين بالبعث كافرين به، جاحدين بالبعث كافرين به، فأثبت رحمه الله تعالى على أنهم كانوا مع إقرارهم بوجود الله إلا أنهم في مسألة البعث خاصة كانوا يجحدونها وينكرونها. كانوا يجحدونها وينكرونها، إذن لا نربط، فلا يلزمنا أحد منا بهذا اللازم. يقول: بما أن الكفار أنكروا البعث إذن أنكروا وجود الله، يقول: هذا ليس بلازم. بل كان الكفار يقرون بوجود الله وأن الله هو الخالق الرازق، لكنهم في نفس الوقت كانوا يجحدون البعث كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى، بعدما قرر ذلك قال: إلا أنهم كانوا كافرين بالبعث جاحدين به. فهم في مسألة البعث على جحود وعلى نكران وعلى هاتف. نزل آيات ﴿زعم الذين كفروا أن لا يبعثوا﴾. هذه مسألة، إخواني في الله، تجرنا إلى مسألة أعمق من هذه مسألة، وكذلك ناسب ذكرها ونحن في خضم مسألة البعث، وهي مسألة ينبغي أن نتفطن إلى حالة الكفار في جاهليتهم، وأن الكفار، إخواني في الله، في أثماء الجاهلية لم يكونوا على تدين واحد، أو قل: ما كانوا على عقيدة واحدة، فهم يتفاوتون. فمنهم من كان يقر بوجود الله جل وعلا، وفي نفس الوقت كان ينكر البعث. بل منهم من كان يؤمن بالبعث من الكفار، من كان يؤمن بالبعث، بل ويؤمن حتى بالحساب وهو كافر. يقول زهير: كان في معلقته التي كتبها في أيام الجاهلية، هو يتكلم عن الله عز وجل قال: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينتقم. فالرجل في جاهليته، في جاهليته وهو يقرر هذه العقيدة، يؤخر أن الله جل وعلا يؤخر أعمال العباد إن شاء - يعني لا يجازيهم - يؤخر، قال: يؤخر فيوضع في كتاب. وانظر - يعني - يؤمن حتى بمسألة الكتابة، قال: يؤخر فيوضع في كتاب ويدخر ليوم الحساب أو يعجل فينتقم إن شاء ربنا أخر حساب العباد وإن شاء عجل فانتقم من الظلمة. هذا شعر جاهلي، يا عبد الله، شعر جاهلي، وماذا فيه؟ فيه الإيمان بالحساب. فكان يوجد طائفة من الكفار من كان يقر بالحساب، بل كان يوجد من الكفار من كان يقر بالقضاء والقدر. ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في منهاج السنة، قال رحمه الله تعالى: والعرب كانت تقر بالقضاء والقدر في جاهليتها، تقر بالقضاء والقدر في جاهليتها. قال: كما قال ابن قتيبة وغيره: ما زالت العرب تؤمن بالقضاء والقدر في جاهليتها وفي إسلامها. لا زالت العرب تؤمن بالقضاء والقدر في جاهليتها وفي إسلامها. ثم استدل بقول الشاعر الجاهلي: أيا عبل أين من المنية مهرب إن كان ربي في السماء قضاها. تأمل في هذا الشعر: يا عبل أين من المنية - أي الموت - أين من المنية مهرب إن كان ربي في السماء قضاها، قضاء وقدر. هذا شعر جاهلي، فذكر العلماء أن الكفار كانوا يتفاوتون في عقائدهم جاهلية. ذاك يؤمن بعقيدة، بل منهم من كان عقيدة قريبة من الإسلام، قريبة من الإسلام. كما جاء في الصحيح عندما قرأ على نبينا عليه الصلاة والسلام شعر أمي بن أبي الصلت، شعر ماذا؟ قاله النبي بعدما سمع هذه الأبيات: إن كاد ليسلم، إن كاد ليسلم. لماذا؟ قال العلماء: كان في شعره تقرير البعث والمعاد والحساب في شعر جاهلي، حتى قال: إن كاد ليسلم، كاد أن يدخل في الإسلام من هذه الأبيات التي قرر فيها ما يقارب عقيدة أهل الإسلام، إلا أنه لم يدخل في دين الله جل وعلا. فهذا، إخواني في الله، إذن نعلم أن الكفار كانوا يعتقدون عدة اعتقادات، بل حتى على قول من يقول بأن الكفار قد أقروا بربوبية، هذا ليس بالإجماع، بل من الكفار من كان جاحدا، من كان ملحدا، من لم يقر حتى بالربوبية. ذكر ذلك المقريزي رحمه الله تعالى في كتابه تجريد التوحيد، عندما كان يقرر هذه المسألة على أن الكفار أشركوا في توحيد الألوهية. ثم قال رحمه الله تعالى: فأبانا سبحانه وتعالى على أن الكفار كانوا يتوقفون في توحيد الألوهية، لا توحيد الربوبية، وعلى أن منهم من أنكر الربوبية، يوجد كذلك من هم ملاحدة، من أنكر الربوبية. فهذه الصورة العامة، إذن تعطينا مسألة وهو أن الكفار في جاهليتهم كانوا على صور مختلفة. منهم من كان يؤمن بوجود الله، بخلقه، الرازق، المحيي، ويوجد من كان ينكر ذلك. منهم من كان يؤمن بالبعث، ومنهم من كان ينكر ذلك. وهكذا، منهم من كان يأتي بعقيدة، ومنهم لا عقيدة له. وقد قال الشهرستاني رحمه الله تعالى في كتابه الملل، وهو يذكر لنا أديان العرب، فذكر رحمه الله، وهذه فائدة عظيمة، ذكر لنا أن أديان العرب على ثلاثة طوائف. أن أديان العرب كانوا على ثلاثة طوائف، طائفة، وهي الطائفة الأولى، من كان ينكر الخالق والبعث والمعاد، هؤلاء ملاحدة، يوجد من كفار قريش ومن كفار العرب من كان هذه صورته، ينكر الخالق، ينكر ربوبية، يوجد هذا. قال: وهؤلاء أفراد، هؤلاء أفراد، يوجد بعض البيوت من بعض الأشخاص والأعيان من كان هذا صنفه، وهذا هو عقيدته، أنه ينكر الخالق والبعث والمعاد. قال: والطائفة الثانية من كان ينكر البعث والمعاد فقط، يؤمن بربوبية الله جل وعلا إلا أنه كان ماذا؟ ينكر البعث والمعاد. قال: والطائفة الثالثة، وهم عباد الأصنام، عباد الأصنام، ممن يعبد الأصنام، وهؤلاء بعضهم كان يؤمن بوجود البعث وبوجود الحساب والعقاب. فإخواني، بهذه الصورة العامة تنجلي عنا كثير من الشبه التي يدندن بها القوم. فنقول: الأغلب على أن كفار العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وإن كان يوجد من بعضهم، لكنهم قلة، كما ذكر ذلك الشهرستاني، من كان ينكر ربوبية الله، لكن الغالب على كفار العرب أنهم كانوا يقرون بربوبية الله، بأن الله هو الخالق الرازق. إلا أنهم في مسألة البعث فكانوا على طوائف، فمنهم من كان يقر بمسألة البعث، ومن كان ينكر مسألة البعث. وعلى هذا تتنزل هذه الآيات في حقهم ممن أنكر البعث ﴿زعم الذين كفروا أن يبعثوا﴾، فهذه تطلق على من أنكر البعث، وإن كان بعضهم كان يؤمن بالبعث. فبجمع، إخواني في الله، شتات هذا الموضوع تنجلي هذه الشبه. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.