الدرس في شرح الأصول الثلاثة 42، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين لإقامة الحجة على الناس وتبيين الطريق إلى الله. جاءوا بالبشارة لمن أطاع والإنذار لمن عصاه.
يبلغ عدد الرسل ثلاثمائة وخمسة عشر والأنبياء مائة ألف وأربع وعشرون ألفًا وفقًا للأحاديث النبوية الصحيحة. تم تصحيح هذه الأعداد من قبل علماء مثل شيخ مقبل وشيخ الألباني.
نوح عليه السلام هو أول رسول، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو آخرهم وخاتم النبيين. استدل بالآيات القرآنية والأحاديث على ذلك وناقش مسألة أنبياء قبل نوح.
يختتم الرسالة بمحمد ويشير إلى موضوعات قادمة حول إخوان الله في الله. يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين، والدليل قوله تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾، وأولهم نوح عليه السلام، وأخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خاتم النبيين. والدليل على أن أولهم نوح قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾. وكل أمة بعث الله إليها رسولا من نوح إلى محمد يأمرهم بعبادة الله وحده وينهاهم عن عبادة الطاغوت. هذه المسألة إخواني في الله، وهي من الملحق بهذه الرسالة المتعلقة بأصول الدين. وقد مر معنا ما يتعلق بمسألة البعث، ونبهنا إلى مسألة مهمة ينبغي أن يتأمل فيها، وخاصة مع بعض المدعين والمناوئين لدعوة أهل السنة ولدعوة التوحيد، أنهم يذكرون أو يربطون التلازم أن من أنكر البعث فهو بالضرورة قد أنكر الربوبية. وذكرنا الدليل على ذلك، وأنه لا تلازم، فإن من العرب من كان ينكر البعث وهو مع ذلك يقر بربوبية الله سبحانه وتعالى. وذكرنا ما يتعلق بأديان العرب قبل البعثة في أيام الجاهلية، وأنهم كانوا على طوائف ثلاث. ثم قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين. أرسل ربنا جل وعلا الرسل، وهم على هذا الوصف وعلى هذا الحال أنهم مبشرين ومنذرين. والبشارة معناها الإخبار بأمر سار، البشارة هو الإخبار بأمر سار، جاءك رجل بخبر، وهذا الخبر فيه مسرة يسمى هذه بشارة. وأما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ومنذرين﴾، فمؤخذ من النذارة، والنذارة هو إعلام مع تخويف، إعلام مع تخويف. فالرسل يأتون في رسالتهم بما يسر المكلف ومن بعث إليهم بما يسرهم، وذلك بما أعده الله جل وعلا من النعيم المقيم ومن الفلاح والنجاح لمن وحد الله جل وعلا وأخلص له بالعبودية. وهكذا جاءوا بالنذارة، بالتخويف من عذاب الله ومن غضب الله ومن سخط الله، وما أعده للكافرين الجاحدين الماريقين، ولمن أعرض عن دينه وملته، وما أعده الله في الآخرة من نار تلظى. فهم أتوا بالبشارة وجاءوا كذلك بالنذارة. وهذه الآية التي ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيها بيان لمقام أهمية الرسالة، قال ربنا جل وعلا: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾. فمن الأغراض المهمة التي من أجلها أرسل ربنا جل وعلا الرسل والأنبياء هي أنه لا يحتج بعد ذلك أحد، فيحتج بأنه لا علم لي، وما أخبرني أحد، وما لدي دراية بدين الله. فربنا جل وعلا حتى تنقطع الحجج فأرسل الرسل والأنبياء لكي يقيموا الحجة، لكي يقيموا الحجة على الناس، فلا يعتذر بعد ذلك أحد بجهله في الكفر والشرك بحجة أنه لا حجة عليه. لا يا عبد الله، بل ربنا جل وعلا أرسل الرسل. يقول نبينا كما جاء ذلك في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «لا أحد أحب إليه العذر من الله، لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الأنبياء والرسل». فكان ذلك من أعظم مزايا ومن أهم وظائف الأنبياء والرسل أن الله جل وعلا بعثهم إلى هذه البسيطة لكي يقيموا الحجة على الخلائق، فلا يحتج أحد بعد ذلك. وهذه من أعظم وظائفهم، وكذلك هناك وظيفة مهمة، والأدلة العامة تدل عليها، وكذلك الخاصة، أن من وظيفة الأنبياء تبيين الطريق الموصل إلى الله جل وعلا. قد يوجد أناس من الكفار من قد أقر بوجود الله، أن الله هو الخالق، أن الله هو الرازق، بل ربما قد يوحد الله من كان من العرب، من كان بعضهم يوحد من الحنفاء، من كان يوحد الله جل وعلا. لكن الطريق التفصيلية لكي يتصل إلى الله جل وعلا هذا لا يمكن لأحد قط أن يدرك ذلك إلا عن طريق الأنبياء والرسل. الطريق التفصيلي الذي يدرك إلى الله جل وعلا ما يكون إلا عن طريق الرسالة، فهم الواسطة بين الخلق وبين الخالق. وقد ألف شيخ الإسلام رحمه الله تعالى الرسالة الماتعة المسماة بالواسطة بين الحق والخلق، وأثبت رحمه الله تعالى أن الوساطة على قسمين، وساطة شرعية محمودة، ووساطة شركية لا تجوز. وأثبت أن الوساطة الشرعية أن يتخذ أناس يعلمونك ويدلونك إلى الله كالأنبياء والرسل، وأن أحدا لا يمكنه أن يصل إلى الله جل وعلا بغير الأنبياء. ما يمكن أبدا، وما نسمع من بعض الناس يقول: حدثني قلبي عن ربي، وهو يزعم ويدعي أنه بإمكانه أن يصل إلى الله بنفسه. فقال العلماء: هذه كلمة كفر، هذه كلمة كفر، ومن اعتقد صحة ذلك فهو كافر، إذا ظن من نفسه أنه يصل إلى الله بغير شريعة الأنبياء والرسل، فهم الواسطة بين الحق والخلق. إذن فربنا جل وعلا أرسل أنبياء لهذه الخلائق لغايات حميدة، ومنها أهمها ما جاء تصريحا في هذه الآية بين أيدينا لإقامة الحجة على الناس، وأيضا كذلك لكي يدلونهم على الطريق التفصيلي إلى الله سبحانه وتعالى. قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: وأولهم نوح عليه السلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خاتم النبيين. أولهم نوح، وآخرهم محمد، هذا الترتيب الأولوي والآخر يدل على أنهم أعداد، وهم كذلك أعداد، الأنبياء وأعداد رسل كثر. لكن هل جاءت النصوص في تحديد عدد الأنبياء، وفي تحديد عدد الرسل؟ نعم، جاءت هناك أدلة فيها التحديد لهذه العدة. أول ما يتعلق بعدد الرسل فقد ذكر ذلك شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في كتابه الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، من حديث أبي أمامة الباهلي صديق بن عجلان رضي الله تعالى عنه، في حديث طويل أن نبينا في هذا الحديث سئل عن عدد الرسل، عن عدد الرسل. فقال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثمائة وخمسة عشر»، «خمسة عشرة ألفا»، «ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا»، أي عدد الرسل بنص هذا الحديث ثلاثمائة وخمسة عشر رسولا. وذكر كذلك شيخنا مقبل رواية أخرى بنفس السياق، لكن بالذكر ثلاثمائة وثلاثة عشر، إذن ثلاثمائة وخمسة عشر، وثلاثمائة وثلاثة عشر، هؤلاء عدد الرسل. وهذا كما قلنا ذكره شيخنا مقبل في الصحيح المسند، هذا ما يتعلق بعدد الرسل، ثلاثمائة وخمسة عشر رسولا بعثهم ربنا جل وعلا للناس. وما يتعلق بعدة الأنبياء جاء كذلك في مسند الإمام أحمد من حديث أبي ذر، وحسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى، وصححه كما في كتابه مشكاة المصابيح، وفيه كذلك أن نبينا سئل. قال أبو ذر: قلت يا رسول الله كم عدة الأنبياء؟ كم عدة الأنبياء؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «مائة ألف وأربع وعشرون ألفا»، مائة ألف وأربع وعشرون ألفا، أي كم مئة وأربع وعشرين ألفا، هؤلاء من الأنبياء، هؤلاء الأنبياء. هذا الذي أقضى الذي جاءت به كتب السنة، وعليها تصحيح علماء الأول، بتصحيح شيخ مقبل رحمه الله تعالى، والثاني بتصحيح شيخ الألباني، على أن عدد الرسل ثلاثمائة وخمسة عشر رسولا، والأنبياء مائة وأربع وعشرين ألف نبي، هؤلاء هم الذين بعثهم ربنا جل وعلا لهذه الدنيا من أول الخليقة إلى محمد عليه الصلاة والسلام، وخاتم الأنبياء والرسل صلوات ربي وسلامه عليه. ثم قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: وأولهم نوح عليه السلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وخاتم النبيين. قولوا: رحمه الله تعالى، وأولهم نوح عليه السلام، نوح عليه السلام هو أول رسول، دليل على ذلك الآية التي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى، وهي قوله جل وعلا: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾. فهذا الدليل من القرآن، ومن السنة كذلك ما جاء في حديث الشفاعة الطويل، عندما تذهب الأمم من نبي إلى نبي، علّى وعسى أن الله يفرج عنهم ما هم فيه، فيأتون إلى نوح عليه السلام، يقول نوح: أنت أول رسول، أنت أول رسول أرسله الله إلى الأرض، فهذا إقرار من الأمم، وإقرار من نوح عليه السلام بأنه أول رسول بعثه ربنا جل وعلا إلى الأرض. ومنهم من ادعى الإجماع في هذه المسألة، هذه المسألة إخواني في الله فيما يتعلق بحق ما يسمى الرسالة، لكن ما يتعلق بأمر النبوة، أمر النبوة، إذا قلنا: لا رسول قبل نوح، وهذا كما قلنا جماهير الأمة، ومنهم من دعا إلى الإجماع على هذا، لا رسول قبل نوح. لكن هل يوجد نبي قبل نوح؟ الصحيح نعم، يوجد نبي قبل نوح، وهذا بنص السنة، من ذلكم حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله، أنبي كان آدم؟ أنبي كان آدم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، معلم مكلم، نعم، معلم مكلم. ففي هذا إثبات على أن آدم نبي من أنبياء الله. قال سائل: يا رسول الله، أنبي كان آدم؟ قال: نعم، معلم مكلم، ففيه دلالة على أن آدم كان من الأنبياء، وهو قبل نوح. إذن فتحمل الأولوية لنوح عليه السلام في باب الرسالة، وهذا يؤيد إخواني في الله الفرق بين الرسالة وبين النبوة، فرق بين الرسول وبين النبي. وأن من ظن أن الرسول والنبي بمعنى واحد، لا، الأمر يختلف، اختلاف المبنى، اختلاف النصوص، اختلاف العدد، اختلاف البعثة، اختلاف الوظائف، يدلك على أن هناك فرق بين الرسول وبين النبي، كل بأمر. لكن كيف أوجه الاختلاف؟ قد مر ذلك معنا في دروس قد مضت. فالشاهد أن هناك من هو قبل نوح من الأنبياء، كذلك تنازع العلماء في إدريس عليه السلام، إدريس هل هو قبل نوح أم لا؟ من أهل العلم من يرى أن إدريس كان قبل نوح، وأنه من الأنبياء، فصرح بذلك الطبري رحمه الله تعالى في تاريخه، ووافق ابن كثير رحمه الله تعالى على أن إدريس من الأنبياء كان قبل نوح. ومنهم من نازع، ومنهم من يرى كالشيخ العثيمين رحمه الله تعالى لا يوافق على ذلك، يرى أن إدريس ما هو إلا نبي من بني إسرائيل متأخر من بني إسرائيل، وما كان سابقا لنوح. وعندنا ما يسمى نبي آخر اسمه شيث، شيث النبي من أنبياء الله، صرح بنبوته جماعة من العلماء كابن كثير، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أنه كان قبل نوح. الحاصل أن هؤلاء في مسألة النبوة، هل نوح سبق بنبوة أم لا؟ لكن على الصحيح الذي جاء به النص الصريح، نعم سبق بآدم عليه السلام، فآدم بنص السنة على أنه نبي، وكان قبل نوح. أما الرسالة فلا أحد سبق نوحا بالرسالة، وبهذا إذن كلام المؤلف لا غضاضة فيه، وأنه كلامه في محله، واستدلاله بالأدلة صحيح، أن نوح يعتبر أول رسول أرسله ربنا جل وعلا إلى الأرض. قال رحمه الله تعالى: أولهم نوح عليه السلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خاتم النبيين. ما يقع إخواني في الله بختام الرسالة بمحمد، تحتها مباحث وتحتها مسائل تترك إن شاء الله في درس غد، في معرفة من هؤلاء، وكم عددهم، وصفاتهم، وحكمهم، ويأتي ذلك إن شاء الله في درس قادم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.