الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 21، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع تعريف العرف ودوره في تحديد الأحكام الشرعية غير المحددة. العرف يلعب دورا هاما في الرجوع إلى العادة في تفسير الأحكام الشرعية.
يشترط في العرف أن يكون أغلبيا وظاهرا وغير مخالف للشرع. يتم الرجوع إلى العرف عند عدم وجود نص شرعي محدد لتحديد الأحكام.
توجد أمثلة عديدة على تطبيق العرف في الفقه الإسلامي مثل صلة الأرحام والقبض في البيوع والحرز في السرقة. فهم عرف الناس مهم في مختلف المجالات الفقهية.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فيقول إمام السعدي رحمه الله تعالى في هذه المنظومة، وهي القواعد الفقهية، قال رحمه الله تعالى: والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحد. قوله رحمه الله تعالى والعرف، في تعريف العرف عند أهل اللغة يرجع إلى أمرين اثنين، كما ذكر ذلك ابن فارس رحمه الله تعالى في معجم مقاييس اللغة، ذكر أن العرف إما أن يرجع إلى إدراك الشيء على حقيقته، وهو الذي يقال في حقه المعرفة، فتقول: عرفت الشيء. والاشتقاق الثاني لهذه الكلمة هو تتابع الشيء، ومنه قيل للضبع عرفاء، وهذا الحيوان من ألقابه أنه يلقب بالعرفاء، والسر في هذه التسمية لأن شعر رقبته متتابع، الشعر يبدأ من رقبته ويتسلسل إلى نهاية جسده، فلوجود هذا التتابع للشعر من رقبته على طوله سمي بالعرفاء. أما الذي عليه العلماء، ما معنى العرف الذي ذهب إليه ابن رجب رحمه الله تعالى كما في شرح القواعد، وهكذا غير واحد من العلماء على إثر ابن رجب في تعريف العرف بأنه هو كل قول وفعل اعتاد عليه الناس، كل قول أو فعل اعتاد عليه الناس. قال رحمه الله تعالى: والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحد، هذه القاعدة من القواعد العظيمة والمهمة، بل عدها العلماء من القواعد الخمس الكبرى، والتي ينطوي تحت هذه العبارة المئات من الضوابط والقواعد الفرعية. وسميت هذه القاعدة بأسماء عدة، لكن مما اشتهر قولهم: العادة محكمة، العادة محكمة، هكذا يعبر طائفة من العلماء عن هذه القاعدة. ومعنى العادة محكمة أي أنها يرجع إليها في كل حكم، والمقصود في قول المؤلف رحمه الله تعالى: والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحد، ضابطه وهو إذا كان هناك حكم شرعي أو اسم شرعي من الأسماء الشرعية ولم نجد تفسيره في الشريعة، فإننا نرجع إلى العرف. فمثلاً الصلاة، أما ربنا جل وعلا بالصلاة، ما هي الصلاة التي أمرنا بها؟ ليس موكل لنا لأن الصلاة قد عرفت ما هي، جاء في القرآن والسنة ما يتعلق بتحديد الصلاة من حيث الشكل، من حيث الكيفية، من حيث الوقت والزمان والمكان، فما في إشكال في مسألة الصلاة. لكن إذا جاءتنا أدلة شرعية ولم توضح المقدار ولا المعيار، فحينها نلتجئ إلى العرف، ويحكم هنا العرف. وسيأتي معنا في أمثلة كثيرة ما يتعلق بهذا المقام. والعادة محكمة وهو أننا نرجع إلى العرف في المسائل التي لم يتضح أمرها في الشرع، نرجع إليها حتى نتفق على تحديدها بما جرى عليه عرف الناس. مثل في قول تعالى: ﴿وعاشرهن بالمعروف﴾، أما ربنا جل وعلا معاملة الزوجات بالمعروف، بقي هذا أمر شرعي، وعاشرهن أمر شرعي، طيب كيف نأتي بالعرف؟ كيف نأتي بعشرة الزوجات والنساء بالمعروف؟ ما هو ضابط المعروف؟ فإنك لن تجد ضابطا في الشرع يوضح كيفية التعامل، فهذا يرجع إلى عرف الناس. فما اعتاد الناس عليه أن هذا من الإحسان ومن المعروف به، وما كان من عادة الناس أن هذا ليس من المعروف فيترك. فيكون يحكم ماذا؟ العرف. مثل هذه المسائل الشرعية. وهل لهذه القاعدة أدلة؟ نعم لها أدلة استنبطها العلماء من الكتاب والسنة، بل وكذلك من إجماع الأمة على صحة هذه القاعدة التي مفادها أنه يرجع إلى العرف في بيان الأسماء الشرعية التي لم توضح في الشريعة. من هذه الأدلة ما جاء في قوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾، على قول طائفة من العلماء في تفسير العرف ها هنا بما اعتاد عليه الناس. قال إمام السيوطي رحمه الله تعالى في بيانه والاستفادة من هذه الآية، قال رحمه الله تعالى: وهذه الآية قاعدة شرعية تدل على اعتبار العرف الذي لا يخالف أصلا شرعيا. وأيضا من السنة، الكثير من الأصوليين يستدلون بهذا الحديث: «ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن»، لكن من باب النظر في صحة هذا الحديث، هذا لم يثبت عن نبينا كحديث مرفوع، بل منهم من قال: هذا حديث لا أصل له. لكن ثبت هذا من قول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن»، وهو قلنا هذا هو الذي ثبت، ورواه إمام أحمد في مسنده. وأصرح من هذا الحديث وأوضح منه في الدلالة على إرجاع المسائل الشرعية إلى عرف الناس، ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، يتلك المرأة عندما شكت لنبينا صلواته ربي وسلامه عليه ما تجده من شحة زوجها عليها وعدم الإنفاق عليها وعلى ولده، أنه أمسك النفقة عليها، فما الذي تعمل؟ أمرها نبينا أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي ولدها، لكن ماذا؟ بالمعروف. ما هو المعروف؟ بما تعارف عليه الناس. أي أنت الآن بهذه الصورة صعب أن تبقي بلا مال، بحيث ما عندك شيء تتصرفين به لا عليك ولا على ولدك، هذا لا يمكن. إذا خذي ولو لم يردك، لكن بشرط ماذا؟ أن يكون هذا الأخذ بالمعروف. بقي ما هو ضابط المعروف؟ هل نلزم هذه المرأة أو من كان على شاكلتها أن نلزمها بسعر معين، بكذا دينار أو بكذا درهم؟ ما يمكن أن نضبط لنا الشرع ما أعطانا سعر أو أعطانا حد محدد في أخذ المرأة التي لا تجد من زوجها النفقة الكافية أن تأخذ من ماله، لكن الشرع أعطاها إذن أن تأخذ بالمعروف. فما هو المعروف؟ المعروف هذا لا ينضبط عندي، إذا ما الذي نرجع؟ نرجع هذه المسألة إلى عرف الناس. فإذا جاءت امرأة مثلا من بلدة معينة تريد أن تأخذ مالا من زوجها الذي لا ينفق عليها، نقول: خذي من ماله، كم تأخذين يا حضرة القاضي؟ إذن القاضي ينظر في عرف الناس. إذا علم أن النساء في هذه البلدة يحتجن إلى قدر معين، يقول مثلا: خمسة آلاف، خذي هذا الذي ينفعك، خذي خمسة آلاف تحت يدك فيه نفقة عليك وعلى ولدك. طيب لكن في قرية ثانية أو بلدة ثانية ما تكفي خمسة آلاف لها، تحتاج إلى عشرة آلاف، وخاصة بلدة فيها الغلاء الفاحش، وزوجها عنده سعة في النفقة، وهنا تختلف الفتوى. يأتي تسعير أخرى أو امرأة كذلك في بلدة دون ذلك من الفقر والضيق، وزوجها ما عنده المال الكافي، هنا يتقلص المال. فتجد أن المال يختلف لماذا؟ بعراف الناس، بعادة الناس، بالمجتمع الذي تعيش فيه مثل هذه الحالات. وهذا الذي استدل به النووي رحمه الله تعالى عندما ذكر هذا الحديث كما في شرح مسلم، وذكر من فوائده، قال رحمه الله تعالى: من فوائد هذا الحديث اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي. يعني يستفاد من هذا الحديث: «خذي من مالك ما يكفيك وولدك»، قال فيه اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي. وهذا الذي يذكر كذلك الإجماع، ذكر الإجماع أكثر من واحد من العلماء من أهل أصول الفقه على صحة هذه القاعدة، وأنه من القواعد الكلية القاضية بالعمل بما فيها. وأن المسلم إذا أمره شرع بأمر شرعي ولم يعلم ما هو التحديد لهذا الأمر الشرعي، فحينها يرجع ذلك إلى عرف الناس، فما تعارف عليه الناس في مثل هذه الأحكام، فالقول قول العرف التي جرت بها العادة. لكن بقي كذلك هناك قيود لهذه المسألة، قيود للعمل بالعرف، وهذه القيود مهمة. أشار إليها أهل الأصول وأشار الأصوليون في كتبهم من هذه الأصول أو من هذه القواعد والضوابط المهمة في صحة هذه القاعدة أن يكون هذه العادة أو هذا العرف مضاف أو أغلبي. أن يكون هذه العادة أو العرف أن يكون أغلبي، فإذا كانت العادة الموجودة في مجتمع ما ليست مشهورة، وليست مشتهرة، بل وليست متفق عليها أصلا، فحينها لا يعمل بهذه العادة والعرف إذا لم يكن هناك أمر أغلبي أو كلي، فحينها لا يعمل. وهذا شرط مهم في هذه المسألة، ولهذا قال الشاطبي رحمه الله تعالى: العرف غير الأغلبي أو المضطرد لا يعول عليه، العرف الغير مضطرد، الغير أغلبي لا يعول عليه. ما نعول على إذا كان هناك أعراف الرجل يريد أن يرجع اسم شرعي أو حكم شرعي إلى عرف ما، وتجد أن هذا العرف ليس أغلبي، ليس هو المعتاد الجاري في العرف في الناس، يقول: والله هذه من عاداتنا. تجد أن هذه العادة الذي يدعي أنها عادة القوم ليست كذلك. إذا أنا لست بشيء أغلبي، وليس بكلي، وإنما هذه عادة موجودة عند بعض الناس، فلا نرجع هذا الاسم الشرعي أو الحكم الشرعي إلى هذه الحالة التي تسمى غير مضطردة. فلا نرجع الاسم الشرعي إلى هذه العادة على هذا الوصف، وإنما إرجاع الأحكام الشرعية التي لم تحدد في الشرع ترجع إلى العرف إذا كان أغلبيا أو كليا، إذا كان أغلبيا أو كليا، فهذا قيد مهم لمثل هذه المسألة. وهكذا أن يكون ظاهراً لا خفية، أن يكون ظاهراً، أي هذه العادة ظاهرة وليست خفية، أي كثير من الناس لا يعرف صحة هذه العادة التي تدعى كذلك. وهذا قيد مهم أن لا تكون مخالفة للشرع، لا تكون هذه العادة مخالفة للشرع، سواء كانت تخالف الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة. وكم هي العادات التي وجدت في مجتمعات المسلمين وتخالف الشريعة؟ فهذه كذلك لا يعول عليها. هذه القاعدة كما قلنا مفيدة ومفيدة جدا، وكم استفاد العلماء، وكم أرجع العلماء الكثير من الأحكام الشرعية والأسماء الشرعية إلى عرف الناس. والقول ما يقوله الناس في فهمهم لهذا الحكم أو الاسم الشرعي. مثاله كما قلنا تلكم الآيات التي أمر ربنا جل وعلا بالعشرة بالمعروف، «وعاشرهن بالمعروف»، كيف تعاشر المرأة بالمعروف؟ وعاشرها بما جرى عليه عرف الناس. كيف الناس يعاشرون أزواجهم بالمعروف؟ وعاشر المرأة بما فإذا جاءت امرأة وأخبرت أن الزوج لا يعاشرها بالمعروف، فنسأل الزوج: أأنت تعاشر المرأة كما يعاشرها الناس؟ أم أنك دون ذلك؟ فيرجع أمره إلى أمر الناس. وهكذا في قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾، أما ربنا جل وعلا الإحسان للوالدين، ما هو ضابط الإحسان؟ ضابط الإحسان يختلف يختلف من عرف إلى عرف. فهناك من عادات الناس في بعض السلوكيات يعدونها عرفا عندهم، يعدون إحسانا عندهم. فإذا تمشي على عرف الناس، مثل اعتاد الناس مثلا في بعض العادات، القوم يعتادون على أن من باب الاحترام والمحبة للأب أن يتبادل الأب والابن أطراف الحديث. مثلا إذا وجد أن الأب والابن ما يتكلمان في مجلس، أصبح الناس يقولون: هؤلاء هذا ابن ليس بمحسن مع والده. انظر إلى عدم الكلام وعدم المجالسة وعدم المؤانسة، فإذا هذا لابد أنه ماذا؟ أن يتكلم حتى تكون مؤانسة. لكن في بعض الأعراف عندهم لا، أن من الكمال الأدب مع الأب أن لا تتكلم معه، تبتعد عنه، هذا الاحترام والصيانة لمقام الوالد. فتجد أن الأعراف تختلف، الأعراف تختلف، إذا كل إنسان ينظر إلى عرفه الذي في بلده كيف هو الإحسان مع الوالدين؟ وهكذا في أمر صلة الأرحام، صلة الأرحام مما أمر الله جل وعلا به، فكيف تكون الصلة؟ كيف تكون صلة الرحم؟ هل هناك زيارة معينة في الأسبوع يوم أو يومان أو هناك في شهر أو أنها فصلية في السنة مرة؟ كيف تكون صلة الأرحام؟ قال علماء: صلة الرحم هذه يرجع إلى عرف الناس، العرف عرف الناس هو الذي يحدد لنا من هو الواصل لرحمه ومن هو القاطع لرحمه. فعرف الناس تختلف، فكل مكان وكل زمان له عرف خاص. فبعض الناس مثلا عندهم من عرفهم في بعض البوادي أن من صلة الأرحام أنك تزور الأقارب والأرحام في الأسبوع والسبوعين مرة، هذا أقل شيء. وعندهم أن الذي يأخذ شهرا كاملا وما زار أقاربه، فهذا عاق وهذا قاطع. بينما في بعض البلدان عندهم عادي، كونك لا تزور أكثر في شهر مرة، هذا عند اعتدنا في ذلك المجتمع اعتاد على أن زيارة الأرحام في شهر مرة، هذا اعتيادي. بينما هذا العرف في بلدة ثانية لا، هذا قطيعة. إذا ما الذي تعمل؟ اعمل بالذي جرى به العرف. فإن كان في عرفك على أن زيارة الأرحام تطول أكثر من أسبوعين، إذا لا بد أن تكون زيارة خلال هذه المدة. وإن كان في عرفك أنه متاح لك ولو طال المدة، حكم أن الناس قد انشغلوا بدنياهم، ابتعدت البيوت عن بعضها، انشغل الناس بأنفسهم. فكل العرف له حكمه وله ماذا؟ وله شأنه. وهن تأتي ما دائما المسائل التي يسأل بها كثير من الناس. وعلى هذه فإجابة العلماء عندما يسألون عن حول قطيعة الأرحام، كيف أكون قاطعا للرحم؟ قالوا: انظر إلى عرف الناس، انظر إلى عرف الناس، فما تعارف عليه الناس. فبعض بلدان قال: بل كان يا شيخ ابن باز رحمه الله تعالى يرى أن إذا كان في عرف الناس أن من صلة الأرحام الاتصال، فهذه الصلة. إذا كان في عرف الناس في عرف الناس أن يكفي في صلة الأرحام أنك ترفع السماعة وتتصل عليهم وتسعى أخبارهم، فهذه الصلة. ومن الناس من لا يرى أعظم من ذلك، يرى الناس أن صلة الأرحام إنما تنظر في الحالة التي هم عليها. فإن كانوا في فقر وضيق، فمن صلة الأرحام ليس فقط أنك تتصل عليهم، وليس فقط أنك تسلم عليهم، وليس فقط أنك تزورهم، لا، من صلة الأرحام أنك تنفق عليهم. إن كان الله قد فتح عليه، تقف معهم في أزمتهم، هذه صلة الأرحام. فعرف الناس يختلف من مكان إلى مكان. وهكذا مسائل كثيرة. وكذلك ما يتعلق حتى في باب البيوع والعقود، في باب القبض، الأحكام كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر وغيره من الصحابة، على أبي هريرة، في أن النبي نهانا أن تبتاع أنك من بائع طعاما فلا يبعك حتى يقبضك. فمن شرط أنك تبيع الذي اشتريته لا تبيعه حتى تقبض، هذا المشتري إذا اشتريت هذا الشيء عليك أن تبيعه، لكن بشرط أنك تشتري شيئا ثم تقبض، يكون في قبضتك، ثم تبيعه، لا تبيع ما ليس عندك. إذا لابد من القبض. طب ما هو ضابط القبض؟ ما هو ضابط القبض؟ القبض على الشيء يختلف، ليس له حكم واحد. فأحيانا يكون القبض على الشيء أنك ورقة إذا أنضيت عليه وختمت عليه، أصبح هذا القبض لك أن تبيعه من بعد اللحظة. ومن الأشياء أنه لا يتم بورقة، بل لابد أنك تسلم القفل، مفاتيح الشيء إذا كانت المفاتيح بيدك، هذه علامة على القبض، فلك أنك ماذا؟ تبيع الشيء، ولو اليوم لم يكن ذات الشيء عندك، لكن المفاتيح عندك، فهذا إن جرى في عرف الناس أن هذا شيء من القبض، فيعتبر هذا قبضا كأنك قبضته لنفسك. فلك أن تبيعه. وهكذا الطعام، الطعام اشتريت كما قال: شيء من الطعام جزافا، يعني مكيل زاد من الخضار الذي موجود في مكان، فاشتريته من هذا التاجر، وأنت صعب أن تحوله من مكان إلى مكان، فكيف القبض؟ القبض أن صاحب المشتري الأول يبتعد، يبعد عماله ويبعد موازينه، ثم أنت تأتي بميزانك وتبيع في نفس المكان، هذا ليس فيه شيء. لأن هذا قبض في عرف الناس. فالقبض يختلف. فهذه مسألة في البيوع. ومع ذلك ما ردها إلى مسألة القبض. وهكذا الحرز، الحرز، السارق تقطع يده إذا سرق شيئا من مكان محروز. طيب ما هو ضابط الحرز؟ يختلف، هذا شيء المحروز. فبعض الأشياء حرزها يكون بإقفال الباب، إذا أقفل الباب عليها، معنى هذا: شيء قد حرز. فأخذك من هذا الشيء الذي أغلق عليه الباب، فقد كسرت الحرز. فإذا قبض عليك فإن يدك تقطع. وبعض الأشياء ما تحتاج إلى إغلاق الباب، بل بعض الأشياء لو ربما يجعل فيها أسلاك شائكة، أسلاك فقط، هذه الأسلاك عبارة عن حرز عن حرز لهذا المكان. فكونك تتعدى أسلاك هذه وتأخذ شيئا، تعتبر سارقا، تقطع يدك. فإذا الحرز الذي يحرز به شيء يختلف من عرف الناس من مكان إلى مكان، منهما يجعل بابا على الشيء، ومنهما يجعل سورا أو جدارا على الشيء. ومنهما يجعل أسلاكا شائكة على الشيء، ومنهما يجعل علامات، أخشاب، علامات يعني يجعل على أرضية ما: أن هذه أرضية تابعة لفلان. وهذا في عرف الناس أن هذه اللواح تكفي إثبات الملكية لفلان. فكونك تتعداها، اعلم أنك تعديت على شيء محروز، ماذا تستحق به؟ ماذا؟ أن تقطع يدك. إن أخذت شيئا بالأمور بالشروط الشرعية المبيحة لقطع اليد. فالحاصل إخواني في الله، فهذه القاعدة في قول المؤلف رحمه الله تعالى: والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحد، إذا جاء حكم شرعي وهذا الحكم الشرعي لم يحدد أمره في الشرع، حينها نعمل بالعرف، نعمل بالعرف. وهكذا أنشد بعض المشايخ أبياتا شبيهة بهذه الأبيات في قولهم: وكل ما أتى ولم يحدد بالشرع كالحرز فبالعرف حدد. قال قائل شاعر: وكل ما أتى ولم يحدد، أي كل ما أتى من الشريعة ولم يحدد، أي لم نعلم الضابط، كما في قول تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾، ضابط الإحسان ما عندي. ﴿وعاشرهن بالمعروف﴾، كيف المعروف ما عندي؟ ضابط معين حتى ألتزم به. فمثل هذه الأشياء قال المؤلف رحمه الله تعالى أو شاعر وقال: وكل ما أتى ولم يحدد بالشرع كالحرز فبالعرف حدد. ومر معنا الأمثلة عن الحرز، الحرز، من أخذ شيئا من مال محروز، فإن يده تقطع. طب ما هو ضابط الحرز؟ نقول: ارجع إلى العرف في الناس، ارجع إلى العرف في الناس. فما كان ما تعارف عليه الناس أن هذا أخذ شيئا من مكان محروز، فإنه ماذا؟ تقطع يده. وأما إذا كان في عرف الناس أن هذا شيء أصلا ما حرز، وأن هذا الذي مثل مثاله تعارف الناس مثلا على أن السيارة في مثل هذه الأزمان ينبغي ماذا؟ أن تؤمن، وكيف تؤمن السيارة؟ هل فقط بأنك تأخذ القفل؟ لا، تأخذ القفل وتقفل المرأة وتؤمن الأبواب، هذا الحرز. فلو أن الإنسان من الناس وأوقف السيارة في مكان عام وأخرج القفل وجعل في مفتوح وخرج وجعل الأبواب مفتوحة والمرأة منخفضة، هل هذا الحرز؟ فلو أن رجل أخذ وقفز وسرق السيارة، هل أخذ هذا السيارة من شيء محروز؟ يقول: هذا ليس حرزا. فيقول: أحب السيارة يا أخي، أنا أقفلت المفتاح وأخذته في كيسي. يقول: هذا ليس حرزا. وما تعرف أن هذا الحرز مثل هذه الأزمان وهذه المجتمعات، الحرز الأكبر إقفال السيارة، رفع النوافذ وتأمين الأبواب، هذا الحرز. إذا كان سيارة بهذه الصورة، وكسرت إذن كسرت من شيء محروز. لابد أنك تفهم عرف الناس، لابد أن يفهم عرف الناس. وهكذا قس في هذه الأبواب الكثيرة المتكاثرة. طب إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم صل على نبينا محمد.