شرح منظومة القواعد الفقهية  20

شرح منظومة القواعد الفقهية 20

الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 20، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في قاعدة الاستعجال

القاعدة الشرعية تنص على أن من يستعجل الشيء قبل أوانه يعاقب بحرمانه، وتطبيقاتها في الشرع تشمل منع الوارث القاتل من الميراث والموصى له القاتل من الوصية والعبد المدبر إذا قتل سيده.

تطبيقات قاعدة الاستعجال في الأحكام الشرعية

تطبق هذه القاعدة في أمور الدنيا والآخرة، وتشمل الأحكام الشرعية والعبادات والطاعات، ومن يسرع في فعل شيء أو يتركه قبل أوانه قد يحرم من النتيجة المرجوة أو الأجر المتوقع.

خطورة الاستعجال في طلب الرزق والعلم والدعوة

الاستعجال قد يؤدي إلى الحرمان في طلب الرزق والعلم والدعوة، ويؤكد على أهمية الصبر والالتزام بالطرق الشرعية، ويستشهد بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

خاتمة والتحذير من الاستعجال

ينصح بعدم الاستعجال ويستشهد بقاعدة فقهية مفاده أن من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه، ثم يدعو الله أن ينفع بما قيل ويختم بالصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وأما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: معاجل المحظور قبل آنه قد باء بالخسران مع حرمانه. قوله رحمه الله تعالى: معاجل، معاجل مأخوذ من العجل، والعجل هي السرعة، واجعاجل هي السرعة، وتعريفها قال علماء: هو استباق الشيء وتحريه قبل وقته. استباق الشيء وتحريه قبل وقته، فهذا الذي يعنيه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله معاجل، أي هو المستعجل، وهو استعجال الشيء قبل وقته وحينه. قال: معاجل المحظور والمحظور اسم مفعول من الحضر، وهو ضد الإباحة، ومن معاني الحضر المنع والتحريم. قال: معاجل المحظور قبل آنه، الآن بمعنى الوقت والزمن، أي قبل وقته وزمنه. قال: قد باء بالخسران مع حرمانه. قوله: قد باء، باء هنا بمعنى رجع، رجع بالخسران مع حرمانه، أي يحرم من أن ينال الذي أراده واستعجل له، يمنع من الذي أراده واستعجل له. إذن، مفهوم هذه القاعدة بهذه الألفاظ أن الذي يستعجل الشيء قبل آنه، أي قبل وقته، فإن ذلك يرجع عليه بالخسارة والحرمان، يرجع عليه بالخسارة والحرمان. وهذه القاعدة هي التي يعبر عنها العلماء بقولهم: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. ومفهوم هذه القاعدة أنه من استعجل الشيء، وقلنا الاستعجال هنا بمعنى الاستباق، الشيء قبل وقته، ويكون قبل وقته أي قبل اتخاذ الأسباب الموصلة إليه، فإن الله عز وجل قد جعل لكل شيء سببا تتخذ الأسباب يا عبد الله التي توصل إلى المقصود حتى تنال بغيتك. لكن لو أن إنسانا أراد أن يستبق النتيجة فتخطى الأسباب، تخطى الأسباب، فتخطيه للأسباب استعجال، تخطيه للأسباب استعجال. فإذا استعجل وترك الأسباب حتى يصل للمراد، فليعلم أن مراده لن يدركه، بل سيحرم منه، حرمان كوني أو حرمان شرعي، كما سيأتي في الأدلة التي سيذكرها العلماء أو التي ذكرها العلماء في هذا الباب. وهذه المسألة كما قال العلماء مفيدة جدا، لأنها تنفعك في كثير من المسائل، تنفعك في المسائل الشرعية، في الأحكام الشرعية، تنفعك كذلك في أمور الآخرة. كذلك تجد لهذه القاعدة نماذج في أمور الآخرة، وأيضا كذلك بل صرح بهذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وأن هذه القاعدة كذلك تدخل في الأمور الدنيوية، تدخل في الأمور الدنيوية. من استعجل شيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. ومن أدلة المسائل الشرعية في هذا الباب ما يذكر العلماء، وهي من أعظم الأدلة في هذا الباب ما جاء: أن الذي يقتل مورثه لا يرث منه شيء. من قتل مورثه لا يرث منه شيء. مثل رجل وارث ينتظر أن يموت المورث حتى ينال منه المال، فهذا الرجل طال به العمر وما مات، وهذا الرجل الوارث ينتظر موت هذا المورث حتى ينال منه المال، فقام واستعجل فقتله، فقتله حتى يوزع المال فينال من الميراث. هذا الذي فعل هذه المصيبة عندما قتل، فإنه يحرم من الميراث، لأنه استعجل الشيء قبل أوانه، فعقوبته أن يحرم من ذلك. ولهذا صحت الأخبار عن نبينا عليه الصلاة والسلام بأن القاتل لا يرث شيئا، بأن القاتل لا يرث شيئا. وهذه مسألة قد أجمع عليها الفقهاء، قد أجمع عليها الفقهاء. قال أبو الخطاب رحمه الله تعالى: اتفق أهل العلم على أن الوارث القاتل عمدا محروم من الميراث، محروم من الميراث. لأن هذا الوارث مستعجل، مستعجل أراد أن تقسم التركة بأقصى سرعة، فاستعجل ذلك بقتل مورثه، فهو لا ينال من ميراث شيئا. وهكذا الموصى له إذا استعجل موت الموصي فقتله، فكذلك ليس له من الوصية شيء. مثاله ما لو أن رجلا أوصى - وهو موص - أوصى لفلان، يقول: أنا إذا مت أعطوا لفلان كذا كذا بيت أو عقار مما تباح له الإعطاء. فهذا الموصى له لما سمع بهذا الخبر ينتظر مرور الأيام والأزمان والشهور، وهذا الموصي ما مات، فماذا فعل؟ قال: هذا لابد أن يفارق الحياة غصبا حتى تقرأ الوصية وأخذ من هذا المال، فقام واستعجل فقتل الموصي، إذا عقوبة هذا الذي فعل هذه الجريمة أنه لن ينال من الوصية شيئا، يعاقب على نقيض فعله. أراد أن يقتل الموصي حتى تقرأ الوصية فينال شيء من مالها، يمنع لأنه استعجل الشيء قبل أوانه. أوان الوصية تمر الأيام فيموت هذا الموصي الموت الطبيعي أو بأي سبب من الأسباب التي يقدرها الله جل وعلا، وبعد ذلك تنال ما يا عبد الله شيء من الوصية، لكن لم تنتظر حتى تتخذ الأمور أو تسير على مجراها، فاستعجلت بهذا الأمر فحيل. والعقوبة أنه يمنع هذا القاتل من أن ينال من الوصية شيئا. وهكذا العبد المدبر، وهكذا العبد المدبر إذا قتل سيده استعجالا. العبد المدبر وهو الذي صورته أن يقول السيد: ويشهد على ذلك يا فلان فلان، هذا عبدي تحت يدي مملوك، إذا أنا مت إذا أنا مت فهو حر لوجه الله. لكن بما أنا على قيد الحياة يبقى عندي يخدمني طيلة مدتي ودومي وحياتي، لكن إذا أنا مت فإنه يعتق. هذا يسمى عبد مدبر، أي ماذا يعتق عن دبر. طيب هذا العبد المدبر سمع بالخبر وينتظر، ينتظر الأيام تنقضي وهو ينتظر بفارغ الصبر الحرية، لكن هذا السيد أطال الله في عمره ما فارق الحياة بسهولة، مرة الأيام، مرة الأسابيع، مرة الشهور. وهذا السيد وهذا العبد يقول: ليش هذا يا سيد حاول تفارق الدنيا بأسرع وقت حتى أذهب وأتمتع بحياتي. فوجد العبد بنفسه أن الأيام تمضي والشهور تمضي بل السنوات تمضي وهو لا زال في الرق، يقول: إذا ما في لي طريقة واحدة وهو أني أستعجل بموت السيد، فيتفق هو بنفسه أو مع غيره فيقوم بقتل السيد، لماذا؟ حتى يعتق. فما الحال إذا فعل هذه الفعلة؟ تأتي القاعدة: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. فماذا حكم العبد؟ يبقى في الرق لا يعتق، يبقى في الرق. ماذا يعامل؟ على نقيض فعله، يعامل على نقيض فعله. فهذه القاعدة لها نماذج كثيرة وكثيرة جدا، هذه في الأحكام الشرعية، وهذه في الأحكام الشرعية. وأيضا كذلك حتى في أمور الآخرة، في أمور الآخرة. تجد أن الشرع عامل الناس بهذه المعاملة. فمثال ما في الآخرة، قال عليه الصلاة والسلام: «من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة». من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، هذا استعجل صح أو لا؟ هناك خمر في الجنة لذ للشاربين، فهذا المسلم ينبغي أن ينتظر حتى يفارق الدنيا ثم ينتقل إلى الجنات التي وعد بها ربنا عز وجل عباده الصالحين. لكن هذا الرجل ويتمتع بتلكم الأشربة التي جعلها ربنا سبحانه وتعالى لأهل الجنان، لكن هذا استعجل الطيبات فاستعجل الشهوات والملذات، فشرب الخمر في الدنيا، فحينئذ عقوبة له لن يذوق خمر الآخرة. من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. وهكذا صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسها في الآخرة». من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسها في الآخرة، لماذا؟ لأن هذا استعجل الشيء، استعجل الشيء وأراد أن يتمتع بهذه الملذات التي نهى عنها شرع في الدار الدنيا، فعقوبته أن يحرم منها في الآخرة، أن يحرم منها في الآخرة. فأنت يا عبد الله تجد أن هذه القاعدة تسري على أشياء كثيرة جدا، بل كما قلنا سلفا أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكر أن هذه القاعدة كذلك تدخل في أمور الدنيا، تدخل في أمور الدنيا. قال رحمه الله تعالى: معاجل المحظور قبل آنه قد باء بالخسران مع حرمانه. وأيضا كذلك مما يذكر من هذه المسائل، وهذه المسائل الكثيرة كذلك في العبادات والطاعات، في العبادات والطاعات. فإن استعجل العبادة تجد أن بعض الناس مثلا يستعجل في أمر الصلاة، يستعجل في أمر الصلاة، يقال له: صل جماعة يا عبد الله حتى تنل الأجر الجماعة، يقول: الجماعة ما شاء الله صلاة فيها تأني، يقرؤون القرآن على تؤدة، وركوع وسجود وخشوع وخضوع، أنا ما يأتي هذا عندي، أنا مستعجل، أنا أريد عندي أعمال، فيصلي منفردا. ما الذي يفعل؟ فيصلي بخبب، يصلي على عجلة، فينقر الصلاة نقر الديك، ينقر الصلاة نقر الديك. فهذا فيما حكم الصلاة؟ صلاة باطلة، صلاته باطلة. ويدلك على هذا البطلان ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة الذي ساء في صلاته، المسيء في صلاته عندما صلى تلكم الصلاة، فقال له نبينا: ارجع فصلي فإنك لم تصلي، المرة الأولى والثانية والثالثة، كررها نبينا عليه الصلاة والسلام في إعادة الصلاة لهذا الرجل، لهذا المصلي، أنه كان لا يتأدب فيها، بل كان يصليها على عجلة، فلا يطمئن بها. فهكذا الذي يفعل هذه العبادة، يصليها على خبب، من الذي أراد من الخبب أن يخرج بسرعة، فيقال له: ارجع فصلي، صلى بسرعة يريد أن يخرج، ارجع، يعامل على نقيض ما أراد. لا تستعجل، لا تستعجل، صلي الصلاة بتؤدة، بطمأنينة، بخشوع، بخضوع، هذا الذي أمرت به. فمن استعجلها فإنه يعاقب بحرمانها، بحرمان ماذا؟ الأجر. وكذلك بإعادة الصلاة، فتبقى في الذمة، تبقى في ذمته لأنه أخل بها. وهذا يا عبد الله ما يتعلق من ذلك في أمر الدعاء، في أمر الدعاء. الدعاء يحتاج كذلك إلى استبطاء، يحتاج إلى تأني. ومن التأني في أمر الدعاء أنك تنتظر، وأنك تصبر، وأنك تلح على الله بالدعاء. لكن تجد أن من الناس من عنده عجلة حتى في باب الدعاء. ووجه العجلة في باب الدعاء أنه ماذا يفعل؟ أنه يدعو مرة، المرة الثانية، المرة الثالثة على مضض، المرة الرابعة يترك الدعاء. ما لك يا عبد الله والدعاء؟ يقول: يا أخي دعوت، ما في تلك الإجابة. المرضى هم المرضى، والفقر لا زال واقع فيه، والهموم والغموم متراكمة عليه، وأنا دعوت، دعوت، فأرضا ما لأي استجابة؟ نقول: إذا فعلت ذلك، إن استعجلت في أمر الدعاء على هذا النحو، فإن الله عز وجل يحرمك الإجابة، لا تستعجل. قال عليه الصلاة والسلام: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل». يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي، إذن هذا لما استعجل في أمر الإجابة، يمنع منها. من استعجل شيء قبل أوانه لا يعرضوا، أدعوا الله، فإن الله يحب الملحين في الدعاء، كما صحت بذلك الآثار، وإن كان فيها مقال، لكن المعنى صحيح. يلح على الله بالدعاء يا عبد الله، في ليلك، في نهارك، في قيامك، في أدبار الصلوات، في أيام السجود، في أطراف الليل، تدعو الله عز وجل حتى تأتيك الإجابة، لكن بقدر الله عز وجل، لكن تستعجل القدر، تستعجل الإجابة، فتنقطع حينها، اعلم أن الله لن يعطيك ما تريد أو ما تؤمل. من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. وهكذا يا عبد الله في أمر الرزق، في أمر الرزق. فبعض الناس لربما يعمل ويشتغل، يمن الله عليه بمهنة وحرفة لا شبهة فيها ولا غبش ولا غموض ولا حرج فيها، مهنة، حرفة سليمة، حلال مئة في المئة. لكن يرى أن هذه المهنة ليس من ورائها الرزق الوفير الذي يبنى به الدور والقصور والعقارات والسيارات والعمارات. فإذا به يخرج عن الخط، فيشتغل بالحرام، يشتغل بالحرام، ببيع المسكرات والممنوعات والمخدرات والتعامل بالأرباح المحرمة، لماذا؟ هذا الفعل يفعله حتى تفتح عليه أبواب السماء وخزان السماء. من فعل هذا الفعل وهو الاستعجال الرزق بهذه الصورة، جزاؤه في ظل هذه القاعدة: من استعجل شيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. فإذا استعجل الرزق بأنه اتخذ السبل الغير صحيحة واللا شرعية، فإن الله عز وجل ماذا؟ يمنع عنه البركة. ولهذا صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن روح القدس - وهو جبريل - نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها». فيا عباد الله اتقوا الله وأجملوا بالطلب. «ولا يمنعنكم استطاعة الرزق أن يطلبه أحدكم بمعصية الله، فإنما عند الله لا ينال بمعصية الله». إيش الذي تريد من عند الله؟ تريد البركة، أنما الخير أن الله يوزع في رزقك، وأن يبارك في هذا المال الذي بين يديك. فإن كان هذا المال استعجلت به وجئت به من حرام، لأن كما قال: «ولا يمنعنكم استطاعة الرزق أن يطلبه أحدكم بمعصية الله، فإنما عند الله لا ينال بمعصية الله». فلما استعجلت يا عبد الله في الرزق وأخذت من مال الحرام، فماذا؟ فإن الله لن يبارك لك في رزقك، لأنه من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. الأصل أنك لا تستعجل، وإنما تأخذ بالرزق الحلال ولو كان ببطء، فإن الله عز وجل يجعل فيه البركة. وهكذا في العلم، وفي طلب العلم، إياك يا عبد الله هو العجل في هذا الباب، وفي هذا المضمار. ويا كم نرى من كثير من طلبة العلم من ابتلي بهذه الآفة وبهذه الدسيسة المميتة، والتي متى نخرت في طالب العلم، حينها لا تسأل عن سرعة هلاكه وانحرافه. هو العجل، لا يا عبد الله لا تستعجل. قال ربنا جل وعلا: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ ﴿إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾. علق ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب التبيان في أقسام القرآن، قال رحمه الله تعالى: قال من آداب الرب - هكذا قال - التي أدب بها نبيه، أمره بترك الاستعجال عند تلقي الوحي، ترك الاستعجال عند تلقي الوحي. وهذا ليس خاص بنبينا، بل كذلك يعم كل من كان على هذا الباب، من باب تلقي العلوم الشرعية، فهي من وحي السماء. فأنت يا عبد الله لا تستعجل، لا تستعجل. ولهذا لله در الزهري، الإمام الفذ الحبر، قال: من رام العلم جملة ذهب عنه جملة. من رام، من أراد من طالب العلم، تجد أن طالب العلم إذا دخل في مبادئ العلم، يغفز من مبادئ إلى النهايات. إذ به في المغني، إذ به في طرح التثريب، إذ به تدريب الراوي، إذ به في كتب النكاح والعيلة، في كتب الجرح والتعديل، إذ به بالأمهات. وما أخذ الأصول، ما أخذ الأصول في العلوم. فهذا الذي يدخل في اليوم له عشر حلقات هنا وهنا وهنا وهنا وهنا، فهم أنه خلال شهر في رأسه، خلال شهر يكون مرجعا للناس، مرجعا لأمته، ما يمكن هذا. هذا الذي وقد يوجد، صح يوجد أن بعضنا سيفعل هذا، يدخل بكل همة، لكن انتظر يا عبد الله، ما هي الفترة وجيزة؟ إذ هذه العلوم التي تزاحمت عليه تنذهب عليه ما يستطيع. كقصة ذاك الرجل التي تلاطمت عليه الضباء، فما يدري خراش ما يصيب. هنا علم، هنا علم، هنا علم، أصول تفلت عليه، يمسك بالأصول، ذهب المصطلح عليه، مسك المصطلح، ذهب عليه الفقه، ما يستطيع. مر كما قال الزهري: من رام العلم جملة ذهب عنه جملة، لما من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. لا تستعجل. ولهذا قال الزهري: وإنما ينال العلم مع مرور الأيام والليالي، مع الأيام، هنا فائدة ثم فائدة ثم فائدة. الناس أخذوا العلم، انظر يا عبد الله المرجعية من كان مرجعا للأمة، كم عمر في باب العلم؟ ليست أيام ولا ليالي ولا أشهر، بل شابت اللحى وذهبت الأعمار وهم في موائد العلم حتى أصبحوا من أهل العلم، بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. وأخيرا يا إخواني، فيما يتعلق في أمر الدعوة وعدم الاستعجال الداعية للثمرة، وكم نرى من كثير من الجماعات من ربع يؤمل أنه إذا خاض باب الدعوة أن الناس يستسلمون لدعوته، لا يا عبد الله، بل عليك الصبر. ولهذا عاب نبينا على خباب عندما أراد النصر، فقال: «ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر الله لنا؟» قاله عليه الصلاة والسلام: «والله لا يتمنى الله هذا الأمر، الأمر سيكون بك أو بغيرك، لكنكم تستعجلون». فلا تستعجل يا عبد الله، فالعجل يا عبد الله كما قال علماء هذه القاعدة، عبد النفع بك في أمور الدين والدنيا والآخرة. من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.