شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 4

شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 4

الدرس في شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين

يبيّن هذا المحور أن من أصول السنة الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وفتنة الميت بسؤال الملكين منكر ونكير عن ربه ودينه ونبيه، مستدلاً بالقرآن والسنة المتواترة. ويؤكد أن إنكار ذلك بدعة، مع ذكر الإيمان بشفاعة النبي وإخراج أقوام من النار.

الإيمان بالشفاعة وأنواعها وخروج المسيح الدجال

يشرح المحور أنواع شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم العظمى والخاصة والعامة لأهل الكبائر وشروطها، ويرد على منكريها من الفرق المخالفة. ثم ينتقل لبيان الإيمان بخروج المسيح الدجال ووصفه الخَلْقي.

فتنة المسيح الدجال ونزول عيسى عليه السلام وأحداث الساعة الكبرى

يصف المحور فتنة المسيح الدجال وخوارقه، ونزول عيسى عليه السلام لقتله، ثم خروج يأجوج ومأجوج وإهلاكهم. ويذكر عودة البركات في الأرض قبل قبض أرواح المؤمنين وقيام الساعة.

خاتمة الدرس والدعاء والصلاة على النبي

يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى قيام الساعة على من سبق ذكرهم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. ثم ينهي المجلس بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال إمام أحمد محمد رحمه الله في رسالته "أصول السنة": "قال: والإيمان بعذاب القبر، وأن هذه الأمة تفتن في قبورها، وتسأل عن الإيمان والإسلام، ومن ربه، ومن نبيه، ويأتيه منكر ونكير، كيف شاء الله عز وجل وكيف أراد، والإيمان به والتصديق به". فمن أصول السنة: الإيمان بعذاب القبر، وأن الإنسان يعذب في قبره أو ينعم، وكذلك أنه يفتن في قبره بهذه الأسئلة. والأدلة على ذلك كثيرة، ومنها قول الله جل وعلا في آل فرعون: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾. فقوله جل وعلا: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ﴾ أي: هذا في الحياة البرزخية، بدلالة قوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ﴾. وكذا قوله عز وجل: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾، وفسر العذاب الأدنى بعذاب القبر. وهكذا أيضًا قوله جل وعلا: ﴿ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾، قيل: في الحياة البرزخية ثم يوم القيامة. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الآية في سياق الضرب]، وقوله: ﴿ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾، أي: هذا عند نزع أرواحهم، فيكون هذا أيضًا من العذاب في الحياة البرزخية. والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متواترة في إثبات عذاب القبر، كحديث ابن عباس في الصحيحين: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير» الحديث، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صاحب القبرين يعذبان. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «استعيذوا بالله من عذاب القبر». وقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، فليقل: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». وهكذا أيضًا قوله عليه الصلاة والسلام: «اليهود تعذب في قبورها»، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومن أحاديث البراء الطويلة فيما يحصل للمؤمن وللكافر في القبر من العذاب والفتنة وسؤال الملكين. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار». وأن هذه الأمة تفتن في قبورها، يعني: تسأل وتختبر بالسؤال: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ كما جاء في حديث البراء أن الملكين جاء تسميتهما في خارج الصحيح بـ "منكر ونكير". قيل: سُمِّيَا بذلك لأن من رآهما أنكرهما. ومن أنكر هذين الاسمين، يعني: أنكر أن يكون اسم الملكين منكرًا ونكيرًا لتضعيفه للحديث، هذا لا يخرجه عن دائرة السنة، والخلاف معه لفظي. إذا هو يثبت سؤال الملكين، لكن لا يثبت اسميهما لضعف الحديث عنده. هذا الخلاف معه لفظي، لأن بعض أهل السنة لا يثبت الحديث الذي فيه تسمية الملكين، لكنه يثبت سؤال الملكين. هذا الخلاف معه لفظي. أما من أنكر سؤال الملكين للميت في قبره، فهذا هو المبتدع الظال. فيسألان الميت في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالمؤمن يثبته الله جل وعلا، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو سؤال العبد في قبره». فحينئذ يُسَع له في قبره، وتفتح له نافذة من الجنة، ويأتيه من نعيمها ومن ريحها الطيب، فيقول: رب أقم الساعة، فيقال: نم، وفي رواية: «نم نوم العروس». وأما الكافر والفاجر، إذا سئل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته. فيقال له: «لا دريت ولا تليت». فيضرب بمطرقة من حديد، أي: مطرقة لو ضرب بها جبل لصار ترابًا من قوتها، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين، أي: الإنس والجن، ولو سمعا لصعقا، أو لو سمعوا لصعقوا، يعني: هلكوا من شدة، يعني: هول هذا الأمر. فإذا هذه الفتنة للإنسان في قبره أمر ثابت، من أنكر ذلك فهو مبتدع ظال. من أنكر ذلك فهو مبتدع ظال. وأنكر عذاب القبر بعض المعتزلة والعقلانيين والملاحدة، قالوا: نحن ما نسمع شيئًا في القبور من عذاب أو صياح أو نار أو كذا، ولهذا أنكروا عذاب القبر؛ لأنهم قدموا عقولهم على شريعة الله سبحانه وتعالى. فيقال لهم: هذا الأمر غيبي، أمر عذاب القبر ونعيمه من الأمور الغيبية التي لا يدركها الإنسان بحواسه، الواجب أننا نؤمن ونصدق. ومما يدل على ذلك، بما يدل على ذلك كما ذكر أهل العلم: أن النائم في نومه قد يرى ما يفرحه، فيجد الفرح والسرور، وقد يشعر بما يؤلمه ويحزنه، ويجد أثر ذلك وهو في نومه، والذي بجانبه ما يشعر بشيء. الذي بجانب هذا النائم ما يشعر بحال هذا النائم. هو إذا استيقظ يقول: حصل لي كذا وكذا وكذا، أشياء ربما من النعيم والفرح، أو من الحزن والألم، وهذا بجانبه ما يشعر بشيء. إذا كان مثل هذا يحصل مع النائم ومن بجانبه مستيقظ، فكيف بالحياة البرزخية وحياة الإنسان في قبره؟ فالمقصود أن الواجب هو الإيمان والتسليم، وأن هذه أمور غيبية لا نخوض فيها. قال رحمه الله: "والإيمان بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وبقوم يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحماً، فيؤمروا بهم إلى نهر على باب الجنة، كما جاء في الأثر، كيف شاء الله وكما شاء الله، إنما هو الإيمان به والتصديق به". نعم، كذلك أيضًا الإيمان بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم: الشفاعة العامة، والشفاعة العظمى التي هي من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم في أرض المحشر، يوم أن يتبرأ الأنبياء، كل يقول: نفسي، نفسي، نفسي، حتى يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول: «أنا لها»، فيأتي فيسجد تحت العرش، ويحمد الله جل وعلا بمحامد يفتحها الله عز وجل عليه، فيقال له: «ارفع رأسك، وسل تعطَ، واشفع تشفع». هذه الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي يؤتاه عليه الصلاة والسلام. هذه من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة. وأيضًا من شفاعته عليه الصلاة والسلام الخاصة: شفاعته لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب، بدل من أن يكون في الدرك الأسفل من النار، هو في ضحضاح من نار. قال عليه الصلاة والسلام لما قال له العباس: ما أغنيت عن عمك؟ فإنه كان يحوطك وينصرك. قال: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». هذه أيضًا شفاعة خاصة. وأما بقية الشفاعات ك الشفاعة لأهل الكبائر، والشفاعة لمن استحق العذاب أو النار أن لا يدخلها، والشفاعة لمن دخلها في الخروج منها، هذه عامة لكل المؤمنين، ولجميع الأنبياء، كلهم يشفعون في ذلك. ومن هذه الشفاعة: الشفاعة لأهل الكبائر. الشفاعة لأهل الكبائر إذا دخلوا النار وعذبوا فيها، فإن الله عز وجل يأذن بأهل الشفاعة لهم، يأذن بأهل الشفاعة لهم وبإخراجهم من النار. وقد جاء في الحديث: «أنهم يخرجون من النار، فيؤخذ بهم وقد احترقوا وصاروا فحماً، فيلقون في نهر في باب الجنة، يقال: نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يدخلون إلى الجنة، ويسمون بالجهنميين، يسمون بالجهنميين». وفي حديث أبي سعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يقال: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم مثقال نصف دينار من إيمان، ثم مثقال نواة، ثم مثقال ذرة من إيمان». ثم من يمتلك من الإيمان أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، يعني عنده، يعني أقل شيء من الإيمان يخرج من النار. ما يبقى في النار إلا الكافر كفرًا أكبر، هذا الذي يخلد في النار. أما المؤمن العاصي الذي عنده ذنوب ومعاصي وكبائر، هذا وإن دخل النار فإنه ما يخلد فيها، فإنه يخرج ويكون مآله إلى الجنة. ولا يخلد في النار إلا الكافر، إلا الكافر. هذا النوع من الشفاعة، وهي الشفاعة لأهل الكبائر، أنكرها المعتزلة والخوارج والرافضة. أنكرها المعتزلة والخوارج والرافضة. لماذا؟ لماذا أنكروها؟ عندكم هذا السؤال: لماذا أنكروا هذا النوع من الشفاعة، الشفاعة لأهل الكبائر؟ لأنهم يعتقدون بأن صاحب الكبيرة كافر، يعتقدون بأن صاحب الكبيرة كافر، وإذا كان كافرًا فلا شفاعة له. فأنكروا هذا النوع من الشفاعة، وقالوا: من دخل النار فإنه لا يخرج منها أبدًا. فظلوا في هذا الباب ضلالاً عظيماً. ثم إن الشفاعة كما ذكروا العلماء تنقسم إلى قسمين: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية. شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية. فالشفاعة المثبتة: ما توفرت فيها شروط الشفاعة، وهي: رضا الله عز وجل عن الشافع وعن المشفوع له، رضا الله عن الشافع وعن المشفوع له، وإذن الله جل وعلا بالشفاعة، وإذن الله عز وجل بالشفاعة. والدليل قول الله جل وعلا: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾. وقول جل وعلا: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾. وجمعت هذه الشروط في قول الله عز وجل: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾، إلا من بعد أن يأذن الله، هذا الإذن بالشفاعة، ويرضى، أي: عن الشافع وعن المشفوع له. والله جل وعلا لا يرضى إلا التوحيد، لا يرضى إلا التوحيد. وأحق الناس بالشفاعة هم أهل التوحيد. ولهذا لما سأل أبو هريرة النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وقد علمت أن لا يسألني عن ذلك أحد غيرك، لما علمت من حرصك على العلم، قال: أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه». أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه. أي: هذا الموحد. فالموحد أسعد الناس بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا الشفاعة ما تطلب من النبي صلى الله عليه وسلم، هذا من الشرك. ما تقول: يا رسول الله اشفع لي. لا تطلب الشفاعة من الله، قل: يا رب شفع في نبيك، يا رب اجعلني من شفعاء نبيك. لأن الشفاعة هي ملك لله، ﴿ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ﴾. هذه الشفاعة المثبتة. إن اختل شرط من هذه الشروط فهي الشفاعة المنفية. إن اختل شرط من هذه الشروط فهي الشفاعة المنفية، وهي المراد في قول الله جل وعلا: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾. هذه شفاعة المشركين الذين يزعمون أنهم يشفعون لعابديهم ولأتباعهم، هذه شفاعة نفاها الله سبحانه وتعالى، وأنها لا تنفعهم. فالمقصود أن الشفاعة ثابتة، وأن الشفاعة لأهل الكبائر هذه أنكرها أهل البدع من المعتزلة والخوارج وكذلك الرافضة، لأنها تخالف معتقدهم في تكفير صاحب الكبيرة. والأدلة في الكتاب والسنة تدل على ثبوتها، فهذا أصل من أصول أهل السنة، من خالفه فهو معتد ضال. قال: "والإيمان أن المسيح الدجال خارج، مكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن". كذلك أيضًا الإيمان بخروج المسيح الدجال. سُمِّي الدجال المسيح الدجال بهذا الاسم، قيل: لأنه يمسح الأرض في مدة يسيرة، أي: يدور الأرض كلها في مدة يسيرة. وقيل: لأنه ممسوح العين، ممسوح إحدى العينين، فإن عينه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كأنها عنبة طافية». فسمي لأجل ذلك بالمسيح. وفتنة المسيح الدجال فتنة عظيمة، والأحاديث فيه كثيرة تبلغ حد التواتر، تبلغ حد التواتر المعنوي في ثبوت خروجه. ومنها حديث أبي هريرة في الاستعاذة من أربع بعد التشهد، ومنها: «ومن شر فتنة المسيح الدجال». وكذلك حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي إلا وأنذر أمته المسيح الدجال». وقال عليه الصلاة والسلام: «أخوف ما أخاف عليكم المسيح الدجال». وقال عليه الصلاة والسلام: «غير الدجال أخوفني عليكم، غير الدجال أخوفني عليكم». وكذلك أيضًا قوله عليه الصلاة والسلام: «إن المسيح الدجال أعور العين، كأن عينه عنبة طافية». وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه مكتوب بين عينيه: كافر، مكتوب بين عينيه: كافر، كافر. يقرأه كل مؤمن، قارئ وغير قارئ. كل مؤمن يقرأ ما كتب بين عينيه أنه كافر، يعني: دلالة كفره واضحة ظاهرة. هو يدعي الربوبية، ويدعي الألوهية، وهو عاجز أن يصلح نفسه، عينه الطافية هذه الخارجة من محجرها لا يصلح أن يردها ويصلحها، كيف سينفع غيره؟ مع هذا جعل الله عز وجل في يديه من خوارق العادات ما هو فتنة للناس، ما هو فتنة للناس. ومن فتنته أنه يمر على الخرابة، خرابة، يقول: «أخرجي كنوزك»، فتتبعه كيعاسيب النحل، تتبعه الكنوز كيعاسيب النحل. يأتي إلى قوم فيقول للسماء: أمطري، فتمطر، وللأرض: أنبتي، فتنبت. ومن اتبعه أصبحت في مواشيهم البركة، يعني: تصبح مواشيهم مليئة باللبن. ومن كذبه تكون مواشيهم مُحْلَة، ما فيها شيء، ناشفة يابسة. ويأتي إلى الرجل فيقول له: «أرأيت إن أحييت لك والديك فتؤمن بي؟» يقول: نعم. فيأتي شيطانه فيتمثل لوالديه، فيقوم فيقولان له: اتبعه. منظر الفتنة العظيمة. ويأتي ومعه جنة ونار، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: معه جنة ونار، فجنته نار، وناره جنة. جنته نار، وناره جنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم ذلك فاقعوا في الذي ترونه نارًا، فإنه جنة، أو بارد، نعيم بارد». وكما قال عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم بما مع الدجال منه، إني لأعلم بما مع الدجال منه». الدجال ما يدري أن ناره جنة، وأن جنته نار، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك. ولهذا أخبر بأن من رأى أو فتن به إنه يقع في الذي يراه نارًا. يأتيه رجل من أهل الإيمان فيذبحه، فيقشقه نصفين، ويمشي بين نصفيه، يمشي بين نصفيه، ثم يقول له: قم، فإذا به حي. يقول: تؤمن بي؟ فيقول: لا، ما ازددت بك إلا بصيرة، ما ازددت بك إلا بصيرة، أنت الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيأتي يريد أن يقتله، فيأمر حرسه بقتله، فيجعل الله سبحانه وتعالى ما بين ترقوته إلى حلقه نحاسًا. يأتون يريدون أن يقتلوه، يذبحوه، ما يستطيع. ثم يقول: «اللهم لا تسلط على أحد بعدي، اللهم لا تسلطه على أحد بعدي». فبعده ما يستطيع أن يقتل أحدًا من الناس. فالمقصود أن فتنة الدجال فتنته عظيمة. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخروجه، وأنه خارج لا محالة في آخر الزمان، وخروجه من علامات الساعة الكبرى. فأهل السنة والجماعة يؤمنون بالأحاديث الواردة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام في خروج المسيح الدجال. وبعده يخرج عيسى عليه السلام. قال: "وأن عيسى ابن مريم، ابن مريم عليه السلام، ينزل فيقتله بباب لد". أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كذلك بخروج عيسى عليه السلام. بل أخبر ربنا عز وجل في قول: ﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾، وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته. أي: قبل موت عيسى، إذا نزل في آخر الزمان، آمن به جميع أهل الكتاب، آمن به جميع أهل الكتاب. وكذلك في قول الله جل وعلا: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ﴾، وإنه لعلم للساعة. أي: نزول عيسى عليه السلام، وقرأ: ﴿ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ﴾، يعني: علامة على قرب الساعة، خروج عيسى عليه السلام. والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن عيسى عليه السلام سينزل آخر الزمان، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويضع الجزية. ينزل عيسى عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، وهذه المنارة ما زالت موجودة إلى اليوم، كما ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله في تاريخه، وستبقى إلى يوم القيامة، ستبقى إلى يوم القيامة. ينزل عيسى بين الأذان والإقامة، فيقول له الناس: تقدم صلِّ، فيقول: «إمامكم منكم»، تكريمًا، تكريمًا لهذه الأمة. فيتقدم المهدي فيصلي، ويصلي المسيح خلفه. ثم يخرج فيرى المسيح الدجال، فإذا رآه المسيح ذاب، كاد أن يذوب كما يذوب الملح، فيطعنه عيسى عليه السلام بحربة في يده، حتى يرى الناس دمه في حربته. ثم يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيأمر الله عز وجل عيسى أن يصعد إلى الطور، ومن معه من المؤمنين، فيعثون في الأرض فسادًا، ثم يتضرع عيسى عليه السلام إلى الله جل وعلا أن يهلك يأجوج ومأجوج، ومأجوج، فيرسل الله عز وجل عليهم النغف، فيهلكهم الله سبحانه وتعالى. فينزلون وقد امتلأت الأرض من نتنهم وزهمهم، فيرسل الله سبحانه وتعالى طيرًا أمثال البخت، فتأخذهم وترمي بهم. ثم ينزل الله سبحانه وتعالى مطرًا، فيطهر الله سبحانه وتعالى الأرض منهم. ثم تعود البركات إلى الأرض كما كانت، فيأكل الجماعة من الناس من الرمانة، ويظللون بقحفها، ويشرب الفئام من الناس من اللقحة من الإبل، والجماعة من اللقحة من البقر، ويأكل أو يشرب البطن من الناس من الشاة. وتعود البركات إلى الأرض. ويحكم عيسى، ويعيش أربعين سنة، يحكم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام. ثم يرسل الله جل وعلا ريحًا طيبة تقبض روح كل مؤمن، فلا يبقى إلا شرار الخلق، يتهارجون كتهارج الحمر، يعني: يأتي بعضهم بعضًا أمام الناس كالبهائم. فعليهم تقوم الساعة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.