التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 42

الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 42، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بدعة اتخاذ القبور عيدا وزيارتها في أيام معينة

يناقش الشيخ مسألة اتخاذ القبور عيدا ويفسر الحديث "اللهم لا تجعل قبري عيدا"، مبينا أن زيارة القبور في أيام معينة بدعة. يشرح معنى العيد ويستدل بأحاديث نبوية لبيان عدم مشروعية إتيان القبور في يوم معلوم.

أنواع زيارة القبور ومشروعيتها

يشرح أن زيارة القبور ثلاثة أنواع: شرعية وغير شركية وشركية، مبينا أن الزيارة الشرعية مشروعة وتتضمن تذكير الآخرة والدعاء للميت واتباع السنة.

حكم شد الرحال لزيارة القبور وتطبيقاته

يتناول حكم شد الرحال لزيارة القبور، مبينا أنه بدعة لعدم ورود دليل من النبي أو الصحابة على ذلك، ويستدل بحديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد".

خاتمة وتأكيد على أهمية اتباع السنة

يختتم الدرس بالإشارة إلى تفاصيل أخرى ستذكر لاحقا، مؤكدا على أن الله تعالى أعلم بكل شيء، ويشير إلى أهمية اتباع السنة في التعامل مع القبور وزيارتها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. قال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله: وأما قوله - أي هذا المعتذر - قال: فلكل شيخ يوم معروف في شهر معلوم، يؤتى إليه من النواحي، وقد يحضر بعض العلماء فلا ينكر، لا يستدل بمثل هذه الأمور على حضور أو بجواز ما يفعل عند القبور بحضور بعض العلماء كما يسميهم هؤلاء. فيستدل على جواز مثل هذه الأمور أن من هؤلاء العلماء من يحضر ولا ينكر، قال: فنقول: أما قوله: فلكل شيخ يوم معروف في شهر معلوم، فقد قدمنا الجواب على ذلك، وبينا أن ذلك من اتخاذها عيدا، وأنه مما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، فهذا الذي ذكره جعل يوما معلوما لزيارة القبر الفلاني، وأيضا يوما معلوما لزيارة القبر الفلاني أو شهر معلوم، فهذا يعتبر عيدا، هذا العيد يعاد، وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تجعل قبري عيدا»، أي: تعتادونه في يوم معين أو في شهر معين، فهذا قبره عليه الصلاة والسلام نهى أن يعتاد، فمن باب أولى قبر غيره ممن يعظمه أولى. قال: فإن العيد، قال: فالزمان كقوله: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منه - أي أيام التشريق - «عيدنا أهل الإسلام»، رواه أبو داود وغيره، هذا حديث عقبة بن عامر، وهو حديث صحيح، ففيه أن هذه الأيام لما أعتاد الناس لتعظيمها فصارت عيدا: يوم عرفة، ويوم النحر، أيام منه - أيام التشريق - «عيدنا أهل الإسلام». قال: وعم المكان، فكما روى أبو داود في سننه أن رجلا قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحر إبلا بموضع كذا وكذا، فقال: «أفيها وثن من أوثان الجاهلية أو عيد من أعيادهم؟» قال: لا، قال: «فأوف بنذرك»، فبينا المكان إذا اعتاد الناس على مكان معين فيعتبر عيدا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أو عيد من أعيادهم»، أي: في هذا المكان يأتون، هل هذا الذي أنت نذرت أن تذبح عنده؟ لماذا؟ هل هناك وثن من أوثان الجاهلية؟ قال: لا، قال: هل فيه عيد من أعيادهم؟ قال: لا، قال: «فأوف بنذرك»، فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك - أو هذا النذر - نذر مباح، وليس فيه شيء من المحظور؛ لأنه لم يندر لأجل اعتقاد شيء معين. قالوا: في قول: «لا تجعلوا قبري عيدا»، فالعيد ما اعتاد من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسما للمكان، فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وإتيانه للعبادة أو لغيرها، كما جاء في حديث ثابت: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم»، كما أن المسجد الحرام، ومزدلفة، وعرفة - المشاعر - جعله الله عز وجل عيدا للحنفاء - أي للمسلمين - كما جعل أيام التعبد فيها عيدا. قال: فإتيان القبور في يوم معلوم من شهر معلوم، والاجتماع لذلك بدعة لم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يفعلها الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان، سواء كان ذلك في البلد أو خارجه، أن الذي يجعل يوما معلوما لزيارة قبر أو في شهر معلوم، فهذه بدعة، فهذه بدعة في هذه الزيارة، وإن كانت الزيارة مثلا فيها استغاثات، وفيها شركيات، فهذه زيارة شركية، فالزيارة - زيارة القبر - كما هو معلوم تقسم إلى ثلاثة أقسام: زيارة شرعية، وزيارة بدعية، وزيارة شركية. قال: وَأَمَّا قَوْلُهُ: يُؤْتَى إِلَيْهِ مِنَ النَّوَاحِي - أي يؤتى إلى هذا القبر من النواحي - أي: النواحي المراد الأماكن البعيدة، قال: فنقول: هذا أيضا بدعة مذمومة لم يفعلها الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان، أنا عندهم قبر أشرف الناس وأفضل الناس - النبي عليه الصلاة والسلام - في المدينة، لم يكونوا يعتادون أن يأتوه، ولو كان هناك فضل لكان قد تسابق عليه الصحابة رضي الله عنهم، وإنما كان يفعل ابن عمر أنه إذا جاء من سفر جاء وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه، ولم يفعل ذلك غير ابن عمر رضي الله عنهما، وهذا اجتهاد منه، فمن فعل اقتداء بابن عمر فهو - إن شاء الله تعالى - مأجور، وإن لا، فقد كان الصحابة يجلسون في المدينة الساعات الكثيرة، بل الأيام والأشهر، ولا يأتي أحدهم إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فهل معنى ذلك أنهم لا يحبون النبي عليه الصلاة والسلام؟ حاشا وكلا، بل هم أشد الناس محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهذا فقوله: أنهم يؤتى إليه من النواحي، فهذا أيضا بدعة مذمومة لم يفعلها الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان. وبين ذلك أن زيارة القبور نوعان: زيارة شرعية، وزيارة بدعية شركية، أن الأفضل أن يقال: ثلاثة أنواع؛ لأن أحيانا تكون زيارة بدعية ليس فيها شيء من الشرك، وهو مثلا كما تقدم أن يجعل يوما معلوما لهذه الزيارة، فإذا خلت من الشركيات فهي زيارة بدعية، أن بعضهم يذهب إلى هذه القبور لأجل فقط أن يدعو الله عندها، يقول: أن هذه القبور يستجاب عندها الدعاء، وبعضهم يذهب لأجل مثلا أن يتذكر الآخرة، لكنه يذهب إلى قبر معين، فهذا أيضا بدعة الذهاب إلى قبر معين، وليس الذهاب إلى القبور جميعا، فالزيارة الشرعية يذهب إلى القبور ويسلم عليهم جميعا، ليس أنه يترك السلام على المقابر ثم يسلم على رجل مثلا أو قبر يعتقد أنه ولي أو كذا. قال: فالزيارة الشرعية مقصودها ثلاثة أشياء: أحدها: تذكير الآخرة والاتعاظ والاعتبار، والثاني: إحسان إلى الميت، أن لا يطول عهده به فيهجره ويتناساه، فإذا زاره وأهدى إليه هدية من دعاء أو صدقة، سر الميت بذلك، كما يزور الحي من يزوره ويهدي له، والزيارة مشروعة، أن زيارة قبر معين إذا كان مثلا من أهله، فلا بأس، لا يصحب اعتقاد، وقد استأذن النبي عليه الصلاة والسلام أن يزور قبر أمه، فلا بأس أنه يزور، لكن الأفضل أن لا يجعل زيارة خاصة، يجعل زيارة عامة: زيارة القبور، يسلم عليهم ويدعو لهم جميعا، فهذا الذي كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام خص قبرا بعينه زيارة له، لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه خص قبرا بعينه زاره من دون القبور الأخرى، وإنما كان يزور أهل البقيع، وهي مقبرة أهل المدينة. قال: والثاني: أن يدعو لأهل القبور بالمغفرة والرحمة، معنى الثاني: هذا الإحسان للميت، أنك تدعو له بالرحمة والمغفرة، ويأتي بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: السلام عليكم أهل ديار قوم مؤمنين، نسأل الله عز وجل لنا ولكم العافية، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، قالوا: لهذا شرع النبي عليه الصلاة والسلام للزائر أن يدعو لأهل القبور بالمغفرة والرحمة، ولم يشرع أن يدعوهم ولا يدعو بهم ولا يصلي عندهم. الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة والوقوف عند ما شرعه الرسول عليه الصلاة والسلام، فيحسن إلى نفسه وإلى المزور، فهذه الثلاثة الأشياء يقول أنها لأجلها شرعت الزيارة: للاتعاظ وللإحسان إلى الميت والإحسان إلى نفسه، إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة والوقوف عند معنى ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا أيضا من الإحسان إلى النفس، ويدل على ذلك أيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «زوروا القبور فإنها تذكر الآخرة»، ولا تقول هجرا، والمراد أن الإنسان يأتي بالألفاظ الشرعية، يختار الألفاظ الشرعية في زيارته إلى المقابر. قال: وأما زيارة البدعية الشركية، فأصلها مأخوذ من عبادة الأصنام، وهو أن يقصد قبر صالح في الصلاة عنده أو الدعاء عنده أو الدعاء به أو طلب الحوائج منه أو الاستغاثة به ونحو ذلك من البدع التي لم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه بدع شركية، ولا فعلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، كما تقدم بيانهم. قال: ثم أعلم أن الزيارة هي التي لا تشد لها الرحال، فإن كانت تشد أو كانت بشد رحل فهي زيارة بدعية، الزيارة المشروعة إذا كانت بشد رحل تكون زيارة بدعية، كذلك لم يأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فعلها الصحابة، أنا ما ثبت عن أحد من الصحابة أنه زار قبرا من منطقة كذا إلى منطقة كذا، مثلا من مكة إلى المدينة لأجل أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم، لم يحصل شيء من هذا، ولم يثبت عن الصحابة شيء من هذا، يذكرون مثلا أن الشافعي رحمه الله إذا جاء أو يأتي إلى الكوفة ويزور قبر أبي حنيفة، وهذه قصة مكذوبة، قصة مكذوبة لم تثبت عن الإمام الشافعي رحمه الله، ولم يكن السلف رحمه الله يتعلقون بمثل هؤلاء الذين تعلقوا بالقبور، لا الشافعي ولا أحمد ولا أبو حنيفة ولا غيرهم من الأئمة، ما كانوا يتعلقون مثل هذه الزيارات أو يتعلقون بالمقبورين، فشد الرحال - أي: السفر إلى زيارة القبور - فهو بدعة، ليس عليها دليل، بل جاء ما ينهى عنها، وفعل الصحابة رضي الله عنهم كاف في ذلك. وأما القصص التي يذكرها القبورية فهي أكثرها قصص واهية، وأكثرها عن أناس مجهولين، ليسوا معروفين، حتى قصة مالك الدار التي ذكرها عن رجل مجهول، الذي جاء إلى القبر، وأيضا هي رؤية، والرؤية كما تقدم لا يؤخذ بها حكم عند عامة أهل العلم. قال: بل وقد نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا»، قال: وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به، فلو نذر رجل أن يصلي في المسجد أو يعتكف فيه أو يسافر إليه، لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة؛ لأن هذا النذر باطل، وهو داخل في حديث عائشة: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه»، وهذا النذر معصية، نذر معصية، ولهذا لا يجوز أن ينفذ هذا النذر. قال: حتى نص بعض العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء؛ لأنه ليس من الثلاثة، مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان في المدينة، على من كان في المدينة يستحب له أن يزور قباء، وصلاة ركعتين كعمرة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لم تشرع زيارته من مكان بعيد، قال: لأن ذلك ليس بشد رحل، كما في الصحيح: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه، كان كعمرة». قال: لأن السفر لزيارة الأنبياء وقبور الصالحين بدعة، لم يفعله أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يستحسنها أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة، وإنما اختلف العلماء - أتباع الأئمة - في الجواز بعد اتفاقهم أنه ليس مشروعا ولا مستحبا، أنا هل هو جائز أو لا؟ أما أنه مستحب فلم يقل أحد، لكن قال بعض المبتدعة المتأخرون - بعض المتأخرين من أهل المذاهب - قالوا بأنه مستحب، لكن الصحيح الذي قاله الأئمة، وليس هناك نقل عن أحد من السلف وعن الأئمة - سواء كان شافعي أو غيره - أنه قال باستحباب السفر إلى قباء، السفر إلى قباء. قال: فالمتقدمون منهم قالوا: لا يجوز السفر إليها، ولا تكثر الصلاة في هذا السفر؛ لأنه معصية، هذا مذهب الحنابلة، وهذا قول أبي عبد الله بن بطة العكبري صاحب كتاب الإبانة، وأبي الوفاء بن عقيل صاحب كتاب الفنون الذي يقال أنه أكبر كتاب في الدنيا، ووصل مؤلفه إلى ما بعد الثمانمائة جزء أو أكثر، قالوا: ذهب طائفة من متأخري أصحاب أحمد والشافعي إلى جواز السفر إليها، كأبي حامد الغزالي، وابن عبدوس، وأبي محمد المقدسي، أنا ابن القدامة - طيب إن شاء الله تعالى - هذه المسألة نذكرها في درس لاحق، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.