التعليق على كتاب التوحيد 80

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 80، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تعريف التوكل وحقيقته والفرق بينه وبين التواكل

يوضح المقطع أن التوكل هو اعتماد القلب على الله في جلب النفع ودفع الضر مع الأخذ بالأسباب المشروعة، ويميزه عن التواكل الذي يترك الأسباب زاعماً التوكل. ويبدأ الكلام في أقسام التوكل مبيناً أن التوكل العبادي الخالص لله وحده، وصرفه لغيره يعد شركاً أكبر.

أقسام التوكل وحكم الاعتماد على الأسباب

يستعرض المقطع ثلاثة أقسام: التوكل المطلق على غير الله وهو شرك أكبر مخرج من الملة، الاعتماد على الأسباب مع ضعف التوكل على الله وهو شرك أصغر خفي، والوكالة الشرعية في الأمور الدنيوية وهي جائزة. ويبين أن تقديم الجار والمجرور في ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ يفيد الحصر بأن التوكل لا يكون إلا لله.

التوكل على الله وحده دليل الإيمان وعبادة قرينة

يؤكد المقطع أن التوكل على الله وحده شرط للإيمان وعبادة لا تصح إلا به، مستدلاً بآيات تأمر بالتوكل وتجعله صفة للمؤمنين الصادقين. ويوضح أن التوكل قرين العبادة كما في ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، وأن من توكل على الله كفاه الله حسب قوله ﴿مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

خاتمة الدرس واستكمال لاحق

يعلن المحاضر انتهاء الجلسة الحالية ويؤكد عزمه على استكمال بقية الباب في الدرس القادم إن شاء الله. ويختتم بالتأكيد على مواصلة الشرح في اللقاء المقبل.

  • 26 جمادى الأولى 1438هـ - 22/02/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

وعلى آله وصحبه وسلم. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال الشيخ العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله في كتابه "كتاب التوحيد": باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. عقد المؤلف هذا الباب وأراد ذكر التوكل. فالتوكل عبادة قلبية لا يجوز صرفها إلا لله سبحانه وتعالى. ومعنى التوكل: هو الاعتماد على الله سبحانه وتعالى في حصول المطلوب ودفع المكروه مع الثقة به وفعل الأسباب المأذون فيها. هذا أجمع ما قيل في معنى التوكل: هو الاعتماد على الله سبحانه وتعالى في حصول المطلوب ودفع المكروه مع الثقة به. وبعضهم يختصر ويقول: هو صدق الاعتماد على الله سبحانه وتعالى في حصول المطلوب ودفع المكروه وفعل الأسباب المأذون فيها. فالمعنى واحد؛ الثقة به يعني صدق الاعتماد. ومعنى هذا: أن المتوكل على الله يعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى في حصول ما يريد، وفي دفع ما يكره. يعلق قلبه بالله فيعتقد أن الله هو النافع والضار، وأن الله هو بيده ملكوت السماوات والأرض، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فيعلق قلبه بالله، وأن الله هو الذي يعطي ويمنع. ومع هذا يفعل الأسباب الشرعية، وهذا معنى قوله: "وفعل الأسباب المأذون فيها". المأذون فيها: فليس معنى التوكل ترك الأسباب، فإن ترك الأسباب تعطيل للحكمة وسفه، وكذلك يعد قدحًا في الشريعة. فالنبي عليه الصلاة والسلام وهو إمام المتوكلين كان يأخذ بالأسباب. ففي هجرته من مكة إلى المدينة استأجر خبيرًا عريفًا بالطريق، وهذا من الأخذ بالأسباب. وسلك طريقًا غير الطريق المعتاد، طريق الساحل، وهذا من الأخذ بالأسباب. وجاء إلى أبي بكر في وقت الظهيرة في وقت غفلة الناس، وهذا من الأخذ بالأسباب. ومكث في غار ثور ثلاثة أيام حتى يعمي على المشركين، وهذا من الأخذ بالأسباب. وفي الجهاد والغزو كان يعد ويقسم الجيش إلى ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة، ويجعل الساقة، كل ذلك من الأخذ بالأسباب. فلا بد من الأخذ بالأسباب، لكن لا يتعلق بها، لا يتعلق بهذه الأسباب، وإنما يتعلق بمسبب الأسباب وهو الله سبحانه وتعالى. فيتخذ الأسباب ويعلق قلبه بالله، هذا هو التوكل على الله. وقد صح في سبب نزول ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ أن أهل اليمن كانوا إذا أرادوا سفر الحج لم يتزودوا، ويقولون: نحن المتوكلون. فإذا وصلوا مكة سألوا الناس. فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. هذا ليس من التوكل؛ لأنك تترك الأسباب وتقول: أنا متوكل. هذا يسمى تواكل وليس توكل، وفرق بين اللفظين. فهذا هو التوكل: صدق الاعتماد على الله في حصول المطلوب ودفع المكروه وفعل الأسباب المأذون فيها. أو نقول: هو الاعتماد على الله سبحانه وتعالى في حصول المطلوب ودفع المكروه مع الثقة به، أي أن هذا الدفع وذاك الحصول إنما هو من الله ليس من غيره، وفعل الأسباب المأذون فيها تتعلق بالأسباب. سيأتي في أقسام التوكل: فمثلًا أنت الآن موظف، تتعلق بهذه الوظيفة بحيث أن صاحب الوظيفة لو أمرك بأمر يخالف شرع الله لضعفت وارتكبت ذلك بحجة أنك إذا خالفت انقطعت وظيفتك ومعيشتك، فهذا من ضعف التوكل أو من انعدام التوكل. كما سيأتي أن التوكل على غير الله قد يكون شركًا أكبر وقد يكون شركًا أصغر، وهذا سيأتي معنا. ولكن خلق الإنسان عجولًا، إذن هذا يدفعنا إلى الكلام على أقسام التوكل. فالتوكل ثلاثة أقسام: القسم الأول: توكل عبادة وخضوع. توكل عبادة وخضوع: وهو الاعتماد المطلق على من توكل عليه، تعتمد اعتمادًا مطلقًا، اعتمادًا كاملًا على من توكلت عليه، بحيث يعتقد هذا المتوكل أن بيده جلب النفع ودفع الضر لأنه توكل عليه توكلا كاملًا، فهو يعتقد أن هذا المتوكل عليه بيده النفع والضر، فيعتمد عليه اعتمادًا كاملًا مع شعوره بافتقاره إلى ذلك المتوكل عليه. فهذا لا يكون إلا لله. فمن صرفه لغير الله فقد أشرك شركًا أكبر. وذلك كتعلق عباد القبور بأوليائهم ومعبوداتهم، فيتوكل على صاحب القبر فيدعوه من دون الله ويخضع له ويتعلق به، وأن قضى حاجاته من حصول نفع أو دفع ضر إنما هي من ذلك الولي. فهذا شرك أكبر. وهذا من التوكل على غير الله. فهذا التوكل وهو الاعتماد المطلق على من توكلت عليه يعد عبادة لا تصرف إلا لله. فإذا صرفت لغير الله فهو من الشرك الأكبر المخرج عن الملة. وأما النوع الثاني من أنواع التوكل: وهو الاعتماد على شخص أو سبب برزقه ومعاشه. وهذا من الشرك الأصغر. مثل الاعتماد على سبب في الرزق، سبب في الرزق. مثلًا: بعض الناس يعمل في البنك الربوي، تقول له: هذا لا يجوز حرام، يقول لك: إيش تبغى؟ يعني رزق ينقطع. هذا عنده ضعف في التوكل، عنده ضعف في ماذا؟ في التوكل. فهذا من الشرك الأصغر؛ لأنه ما تعلق بهذا السبب تعلقًا كاملًا، إنما ضعف إيمانه وتوكله وتوكله عند هذا السبب. فهذا من الشرك الأصغر. ومنهم من يسميه الشرك الخفي. وقس على هذا. وقيل لفلان: لماذا أنت مثلًا تجلس مع فلان وهو من أهل الفسق مثلًا أو من أهل الفجور أو من أهل الفدع؟ ويقول لك: هذا يعطيني مال، اشتغلان يعني نقطع رزقي. هذا من ضعف التوكل. علق قلبك بالله وادع الله وتعلق بالله، والله عز وجل يرزقك. الإنسان قيل له: لا يجوز أن تدرس في جامعة مختلطة مع النساء، الاختلاط محرم. قال: يا أخي أنا أريد وظيفة، لو ما درست هكذا ما سأحصل على وظيفة. هذا من ضعف التوكل. الوظيفة ما تكون إلا في المحرم؟ ما تكون في غير المحرم؟ أين صدق الاعتماد على الله؟ الله يضيعك حتى تدرس في هذه الدراسة المختلطة؟ وقس على هذا. الجهل هو هذا الجهل، يعني باعتبار أن هذا الجهل دفعه إلى ضعف التوكل. ومن أين يأتي ضعف التوكل؟ ليس معنا مشرك خارج عن الملة، إنما هو ضعيف الإيمان، ضعيف التوكل. قال لي: هذا شيء آخر. إذا كان يعني تخرج وعمل وحصل راتب على عمله فهذا لا شيء فيه، هذا لا شيء. لكن أصل الدراسة هذا في ضعف توكل، وقع في مخالفة بسبب التعلق بهذا السبب، تعلق بهذا السبب كأن الرزق ما يكون إلا من هذا السبب. هذا دليل ضعف التوكل. هذا من الشرك الأصغر. هذا من الشرك الأصغر، وبعضهم يسمى الشرك الخفي. فمتى هذا الآن إنسان بإمكانه أن يهاجر من بلاد الكفر لوجود الفتن والمحن؟ قال له: لماذا ما تهاجر؟ قال: يا أخي سينقص شيء من الدنيا علي، ما سأجد مال في بلاد غير بلادي. هذا من ضعف التوكل. أين التوكل على الله؟ الله ما يضيعك. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. وعد الله عز وجل بالسعة لهذا المهاجر. فالذي يتعلق بهذا السبب أنه ما سيرزق إلا إذا كان في بلاد الكفر، هذا دليل على أي شيء؟ ضعف التوكل. وقس على هذا. هذا من الشرك الأصغر. ما نقولهم كفار. تعلق بهذا السبب تعلق تام وأنه الذي ينفعهم ويضرهم؟ لقد هم يعترفون أن هذا من ضعف التوكل لكنهم عجزوا عن يجاهدوا أنفسهم. فهو من الشرك الأصغر. واضح هذا القسم الثاني. القسم الثالث: التوكل بمعنى أن يعتمد على شخص فيما فوض إليه التصرف فيه، وما يسمى بالوكالة. فوكله في بيع وشراء أو في نكاح أو في سفر أو نحو ذلك. هذا لا شيء، هذا جائز، وهذا يسمى توكل؛ لأنك اعتمدت على هذا الشخص. لكن هذا اعتماد دنيوي جائز. قلت لك: خلاص، أنا وكلتك في أن تبيع علي هذه الأرض، يعني اعتمدت عليك في ذلك. لكن هذا الاعتماد -بارك الله فيكم- ليس فيه محذور شرعي، ليس عبادة وليس فيه معصية. فهذا لا بأس به، جائز، وهو يسمى في باب الفقه بالوكالة، باب الوكالة. وقد وكل النبي عليه الصلاة والسلام في بيعه وشرائه وفي بعض أموره. فهذا هو أقسام التوكل. ثم ذكر أربع آيات: الأولى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. "على الله" هذا جار ومجرور متعلق بالفعل "توكلوا". وقدم هنا الجار والمجرور، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الاهتمام والحصر. والمعنى: توكلوا على الله وحده، لا تتوكلوا على غيره. مثل "إياك نعبد"، أصلها "نعبد إياك". صح. ومثل هذا: "فتوكلوا"، أصلها "فتوكلوا على الله إن كنتم مؤمنين". لكن قدم الجار والمجرور للحصر والاهتمام. والمعنى: لا تتوكلوا إلا على الله، لا تتوكلوا على غيره. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. "إن" هنا شرطية، فعل الشرط "كنتم"، وأما جواب الشرط فالتقدير: إن كنتم مؤمنين فتوكلوا على الله. "إن كنتم مؤمنين": كنتم مؤمنين، وقيل دل عليه ما قبله، الشرط دل عليه جواب الشرط، دل عليه ما قبله من قوله "فتوكلوا". وهذا فيه أمر بالتوكل، وأن التوكل لا يكون إلا بالله، لا بغيره، لا يكون إلا على الله، لا على غيره. وفي هذه الآية أن التوكل دليل الإيمان، دليل الإيمان. فقد يكون: إن كنتم مؤمنين إيمانًا كاملًا، أو إن كنتم مؤمنين لأصل الإيمان. لأن من توكل على الله بمعنى الاعتماد التام الكامل... من توكل على غير الله بمعنى الإيمان التام الكامل فهذا ليس له حظ في الإيمان كما تقدر. وأما من توكل على الله لكن ضعف عند سبب من الأسباب فتعلق بهذا السبب، فهذا يقول: إن كنتم مؤمنين إيمانًا كاملًا. واضح هذا الآن. ووجه الشاهد منه واضح؛ إذ أن الله عز وجل أمر بالتوكل عليه وحده، وأن التوكل من الإيمان، بل هو الإيمان. ولذلك كثيرًا ما يقرن الله عز وجل بين التوكل والعبادة؛ لأنه لا يعبد العبد ربه إلا بالتوكل. قال الله عز وجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. والاستعانة بمعنى التوكل؛ لأنك تعبد الله عز وجل وتستعين به، أي لا يوفقك لأي عبادة إلا الله سبحانه وتعالى. فأنت تعلق قلبك بالله. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾. فجمع بين العبادة وبين ماذا؟ وبين التوكل. وبين التوكل ليتبين لنا... ليتبين بذلك أن العبادة لا بد أن تقترن بالتوكل على الله عز وجل. فالتوكل قرين العبادة. وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. وقوله "إنما" تفيد الحصر، يعني: إنما المؤمنون حقًا وصدقًا الذين هذه أوصافهم. فمن أول أوصافهم: الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. "إذا ذكر الله" يعني ذكرًا شرعيًا أو كونيين. شرعيًا: يعني بالقرآن أو السنة من أذكار. وكونيًا: يعني بما يشاهدون من آيات الله الكونية. "وجلت قلوبهم" يعني خافت، وجلت بمعنى خافت وعظمت خالقها. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. هنا جمع بين الذكر الشرعي والذكر الكوني. ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وهذا من وجل قلوبهم. ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، يعني إذا سمعوا آيات الله من غيرهم زادتهم إيمانًا، زادتهم ثباتًا وهدى، زادتهم ثباتًا وهدى. هذه الصفة الثانية. وهذا فيه أن السامع للقرآن قد يتأثر أكثر من قراءته هو للقرآن. ويدل على هذا حديث ابن مسعود لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اقرأ علي". قال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "فإني أحب أن أسمعه من غيري". فقرأ... فقرأ عليه من سورة النساء الحديث. وقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. هذه الصفة الثالثة. وأيضًا فيه تقديم ما حقه التأخير، والتقدير: يتوكلون على ربهم. فمن صفات المؤمنين الذين حصر الإيمان فيهم أنهم يتوكلون على الله وحده. ولذلك قدم الجار والمجرور على معموله وهو الفعل "يتوكلون". هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية. وقال: وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ومعنى "حسبك": يعني كافيك. وهذا خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، يعني: كافيك الله. فمن كفاه الله فوجب عليه أن يتعلق بالله وحده ويتوكل على الله وحده. فهذا فيه الأمر بالتوكل على الله وحده؛ لأنه هو الكافي سبحانه وتعالى، فلا يعصمك ولا يحميك غير الله عز وجل. فكيف تتوكل على غيره؟ حسبك الله، كافيك الله. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾: "من" هنا اسم موصول بمعنى "الذي"، اتبعك. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: "من" هنا عائد على كل من اتبع النبي عليه الصلاة والسلام. فيقول التقدير: حسبك الله، وكذلك من اتبعك من المؤمنين حسبهم الله، يعني كافيهم الله. فكل من توكل على الله فالله عز وجل حسبه، كما في الآية التي بعدها. ولذلك أتبع بالآية التي بعد هذه الآية في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، يعني فهو كافيه. فطالما أن الله هو كافيه، فلماذا يتعلق بغيره؟ فيدل هذا على وجوب التوكل على الله عز وجل وحده. هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية، والآية التي قبلها، والآية التي قبلها. وبهذا نكتفي، وإن شاء الله نكمل بقية الباب في الدرس القادم.