الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 112، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أدلة تكفير منكري القدر مستدلاً بقول ابن عمر وحديث جبريل، مبيناً أن الإيمان بالقدر ركن لا يتجزأ. كما يوضح ثمرة الإيمان بالقدر في حصول طمأنينة القلب وانشراح الصدر مستشهداً بوصية عبادة بن الصامت وحديث صهيب.
يشرح المقطع أهمية الإيمان بالقدر لاطمئنان القلب ويفسر عبارة ما أصابك لم يكن ليخطئك بتفسيرين، ثم يستعرض حديث أول ما خلق الله القلم مع خلاف العلماء في تقديم القلم على العرش. ويرجح أن العرش قبل القلم وأن الأولية في الحديث نسبية للمشاهدات، مبيناً أن أمر الله القلم بالكتابة يدل على إدراك الجمادات لأمر الله.
يؤكد المقطع أن الإيمان بالقدر ركن أساسي ومن مات جاحداً له فهو كافر خارج عن الملة، مستدلاً بأحاديث الصحابة. كما يبين أن سؤال القلم كان استبانة لا معارضة، ويوضح آداب طلب العلم والفتوى بأن يكون القصد التوثق لا التماس الرخص، محذراً من مسلك أهل البدع.
يستعرض المقطع تسع فوائد من أحاديث القدر منها أن طعم الإيمان لا يدرك إلا بالتصديق بالقدر وأن المقادير جرت منذ الخلق إلى قيام الساعة. كما يبرز منهج السلف في رد الشبهات بسؤال العلماء الراسخين وإجابتهم بالدليل، مؤكداً أن الإيمان بالقضاء والقدر من توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
الحمد لله، وصلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال الشيخ المجدد العلامة رحمه الله تعالى: "باب ما جاء في منكري القدر". فقد أخذنا مقدمة ومباحث تتعلق بالقدر، وأخرنا الكلام على الأدلة التي ذكرها الشيخ. فقال: "باب ما جاء في منكري القدر". وقد تقدم أن القدر هو سر مكتوم لا يعلمه إلا الله ومن شاء من خلقه، كما قال الله عز وجل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: "والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر". ثم استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». رواه مسلم. وهذا الحديث مشهور، لما جاء أهل البصرة فوفقوا لابن عمر فسألوه عن أناس ظهروا بالبصرة يقرؤون العلم، ويقولون: إنه لا قدر، وأن الأمر أنف. فرد عليهم ابن عمر، قال: «أخبرهم أنني بريء منهم، وأنهم برآء مني». ثم قال: «والذي نفس ابن عمر بيده». هذا قسم من ابن عمر بالله سبحانه وتعالى، لأن أنفس العباد جميعا بيد الله سبحانه وتعالى. فقال: «لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا». هذا المقسم عليه: لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ثم أنفقوه في سبيل الله ما قبله الله منه. فحكم ابن عمر لعدم قبول عملهم، وحكم ابن عمر عدم قبول عملهم يستلزم الحكم بكفرهم. فقال العلماء: هذا تكفير من ابن عمر للقدرية، لأنه قال: ما قبله الله منه، والله عز وجل لا يتقبل من الكافرين، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾. وكما هو معلوم أن ابن عمر استدل عليهم بحديث جبريل، والذي فيه أركان الإيمان، فمن أركان الإيمان الإيمان بالقدر. الإيمان بالقدر. فقوله: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه...» إلى آخر ذلك، هذا فيه أن المؤمن يؤمن بالجميع، المؤمن الحق يؤمن بالجميع. فإن كفر بواحد من هذه الستة فقد كفر بالجميع، لأن الإيمان كل لا يتجزأ. الإيمان كل لا يتجزأ. كما أن لو أن شخصا لم يؤمن بالملائكة، أو لم يؤمن بالكتب، أو لم يؤمن بالرسل، يقول: أنا مؤمن بالله، مؤمن بالملائكة، لكن ما أؤمن بالكتب، يُقال له: هذا كفر، لأنه من أركان الإيمان ومبانيه العظام أن تؤمن بالكتب. وكذلك القدر: من لم يؤمن بالقدر، أو أنكر مرتبة من مراتب القدر كالعلم، أو الكتابة، أو المشيئة، أو الخلق، فقد كفر بالقدر. ومن كفر بالقدر فقد كفر بالله سبحانه وتعالى، لأن من الإيمان الإيمان بالقدر خيره وشره. الإيمان بالقدر خيره وشره. وقوله: «خيره وشره»: الخير ما يلائم العبد، والشر ما لا يلائمه. يعني الشيء الذي ينتفع منه العبد ويوافق العبد فهذا يسمى خيرا، والشيء الذي لا يوافق العبد هذا يسمى ماذا؟ الشر. لكن ننتبه هنا: أن الشر لا ينسب إلى الله، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «والشر ليس إليك، والشر ليس إليك». وهذا الحديث في مسلم. وهذا الحديث في مسلم. فلا ينسب إلى الله سبحانه وتعالى الشر لا فعلا ولا تقديرا ولا حكما، بل الشر ينسب في مفعولات الله لا في فعله. في مفعولات الله لا في فعله. فمثلا نقول: الحية فيها شر لأن فيها سما. هذا من مفعولات الله. طيب. لكن من فعل الله عز وجل فإنه لا يخلق الشر سبحانه وتعالى، أو لا يفعل الشر سبحانه وتعالى. فالشر ليس إليه، الشر ليس إليه. فالله لا يريد بقضاء الشر شرا، لا يريد بقضاء الشر شرا، ولكن الشر يكون في المخلوقات، يكون في المخلوقات. وهذا الشر قد يلائم العبد وقد لا يلائمه، بل يكون خيرا له. فمثلا لو أن إنسان احترق بيته، فقد يكون هذا خيرا له، فيكون سببا في توبته وسببا في رجوعه إلى الله. فأيهما أعظم: أن يبقى معه هذا البيت وهو على كفره أو على فسقه -الحمد لله- أو على ضلاله، أو يذهب عليه هذا البيت ويرجع إلى الله عز وجل؟ وإذن يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فيكون في فعل الله عز وجل من الحكمة ما ينتفع به العبد. وهكذا يقول الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فإذن الشاهد من هذا الحديث: أن من أنكر القدر فقد كفر. من أنكر القدر فقد كفر. وهذا ما حكم به ابن عمر وغيره من الصحابة، كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال: وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لابنه: «يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. فقال: رب، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني». رواه أبو داود. هذا الحديث، وهو حديث صحيح إن شاء الله. مسلم لفظة: «إن أول ما خلق الله القلم». تمام، هذا الحديث الذي في مسلم. لكن الحديث في طوله مع كلام عبادة بن الصامت وما جاء في أوله وآخره، فهذا ليس في صحيح مسلم. فانتبه لهذا. نعم. ومعنى قوله: «إنك لن تجد طعم الإيمان»: فيه أن الإيمان له طعم، أن الإيمان له طعم، وهو ما يجده المؤمن في قلبه من الطمأنينة، ومن الراحة واللذة. ومن ذلك أن يؤمن العبد بالقدر، فإن الإيمان بالقدر من أعظم ثماره: انشراح الصدر وطمأنينة القلب. فيشعر براحة الإنسان مهما ابتلي في هذه الدنيا، المؤمن فإنه يعلم أن هذا بقضاء الله وقدره، وأن الخير فيما اختاره الله له، سيفوض أمره إلى الله، فلا يجزع ولا يتسخط ولا يتألم، فيشعر براحة وطمأنينة وانشراح صدر. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. ومن يؤمن بالله يهدي قلبه. وجاء كذلك في حديث صهيب الرومي عند مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير. إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له». فإذا المؤمن يجد طعم الإيمان بإيمانه بقضاء الله وقدره. لذلك أوصى عبادة بن الصامت ابنه، وهذا فيه وصية الآباء للأبناء بالخير والعلم والإيمان. فانظر كيف يخاطب ابنه ويتلطف إليه بهذا النداء اللطيف: «يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان». إي والله، من لم يؤمن بالقدر لن يجد طعم الإيمان، لأنه دائما وأبدا تجده قلقا، مطلبا، تجده متبرما، تجده جزعا، تجده متضائقا، لأنه لم يؤمن بالقدر. فالإيمان بالقدر من أعظم أسباب انشراح الصدر وطمأنينة القلب ولذة وطعم الإيمان. نعم. ثم قالوا: «حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك». هنا قوله: «ما أصابك» فسر بتفسيرين اثنين: التفسير الأول: أن ما قدر الله أن يصيبك، ما قدر الله أن يصيبك لم يكن ليخطئك. وفسرت الإصابة هنا فسرت بالقدر. ومعناه: أي أمر يريد الله عز وجل أن يصيبك به فلن تخطئه. ما معنى «لن تخطئه»؟ يعني لم يتجاوزك، ولم كذلك تسلم منه، لم تسلم منه ما قدر الله لك. فإذا كن مطمئنا أن ما أصابك يعني ما قدر الله لك لم يكن ليخطئك، يعني لم يكن ليبعد عنك أو تسلم منه، بل لا بد أن ينالك وأن يصيبك. هذا تفسير. والتفسير الآخر: أن ما أصابك يعني لا تفكر أن يكون مخطئا لك. ما أصابك يعني لا تفكر أن يكون مخطئا لك. فاعتقد أن ما أراد الله أن يوصله إليك فهو واصل، فلا تفكر أنه مخطئ لك. فلذلك لو مثلا خرجت نزهة في بحر أو مسبح أو نحو ذلك، فذهب أحد أولادك الصغار فغرق فمات، فلا تقول: «لما ذهبت هذه الرحلة، لما مات ولدي». لا، لأن هذا شيء قد قدره الله، فما يمكن أن يخطئك. عزمت على سفر فسافرت، فانقلبت السيارة فمات بعض أهلك، تقول: «لو لم أسافر لما قتل، أو لما أصبت بهذه المصيبة». لا، هذا لا تفكر فيه ولا تقوله، بل هذا من الشيطان. هذا من الشيطان. واضح هذا الآن؟ فإذا جاء في هذا المعنى تفسيران: «ما أصابك» يعني ما قدره الله لك، والمعنى الثاني: «ما أصابك لم يكن ليخطئك» يعني لا تفكر أنه يخطئك، أنه يخطئك. واضح هذا الآن؟ وأما قوله: «وما أخطأك لم يكن ليصيبك» يعني بمعنى ما تقدم. «ما أخطأك» يعني ما قدر الله أن يخطئك، أن يخطئك لم يكن ليصيبك، لم يكن ليصيبك ليصيبك. فمثلا على سبيل المثال: سمعت بموسم من مواسم الدنيا، مثلا سمعت أن هناك سوقا في مكان كذا وكذا، فذهبت إلى هذه السوق، فلما وصلت قالوا: الأسبوع هذا... يعني غيروا رأيهم، بطلوا هذه السوق. فلا تقول: «ها، يعني ماذا لو ما ذهبت، لم يخطئني هذا الشيء». لا، «ما أخطأك لم يكن ليصيبك». وهذا بمعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف». فإذا هذا نفس المعنى المتقدم. «وما أخطأك» يعني وما قدر الله أن يخطئك. أردت وظيفة فذهبت وتابعت وكذا، فأخطأتك هذه الوظيفة، فلا تقل أو تفكر... هذا المعنى الثاني: أن ما أخطأك، أن ما أخطأك سيصيبك أبدا، فلا تقل: «لو أنني تابعت بشدة، أو سافرت، أو كذا، لم أخطأني هذا أبدا». وكل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى. هذا معنى قوله: «حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». ثم ذكر هذا الحديث الذي هو في مسلم، قال: «سمعت رسول الله يقول: إن أول ما خلق الله القلم». والقلم يصح فيه الرفع والنصب. يصح فيه الرفع والنصب، يعني يصح أن تقول: «أول ما خلق الله القلم» «القلم»، و«أول ما خلق الله القلم» يجوز هذا وهذا. «أول ما خلق الله القلم» لأنه قال: «إن أول ما خلق الله» يجوز «القلم» و«القلم». فعلى رواية الرفع: «إن أول ما خلق الله القلم» فيكون المعنى: «إن أول ما خلق الله هو القلم»، هو القلم، فيكون القلم هنا خبر «إن»... يكون القلم خبر «إن»... يخبر الله عز وجل أن أول ما خلق القلم. وعلى هذا ورد إشكال عند أهل العلم. وعلى هذا، على هذه الرواية، رواية الرفع، ورد إشكال عند أهل العلم. ما هو هذا الإشكال؟ الإشكال أن هناك مخلوقات علم بالأدلة أن الله خلقها، خلقها قبل القلم. ومن ذلك العرش، ومن ذلك العرش. ودليله ما رواه البخاري: «أن النبي قال: كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض» إلى آخر ذلك. فهذا الحديث، وهذا ما علم بالضرورة أن العرش كان قبل القلم. فكيف يكون الجواب؟ يكون هناك تقدير وتأويل. يكون هناك تقدير وتأويل. فيكون التأويل: أول ما خلق الله القلم بالنسبة لما نشاهده فقط من المخلوقات. وهذه مسألة اختلف فيها السلف: هل العرش قبل القلم أو القلم قبل العرش؟ والصحيح كما حقق ذلك أهل العلم، ومنهم ابن القيم رحمه الله في نونيته: أن العرش قبل القلم. وأن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أن أول ما خلق الله القلم»، هذا الخلق... هذا الخلق خلق نسبي، أي لما نشاهده. أما ما لا نشاهده كالعرش فإنه خلق قبل القلم، فإنه خلق قبل القلم. وما هو دليل ذلك؟ الحديث المتقدم. ولذلك قال ابن القيم في نونيته: «والناس مختلفون في القلم * الذي كتب القضاء به من الديان هل كان قبل العرش أو هو بعده * قولان عند أبي العلاء الهمذان والحق أن العرش قبل لأنه * قبل الكتابة كان ذا أركان لأنه قال: وكان عرشه على الماء * وكان عرشه على الماء». فإذن على رواية الرفع: «أن أول ما خلق الله القلم» بمعنى هذه الأولية أولية نسبية، يعني لما نشاهده. وأما على رواية النصب فلا إشكال: «إن أول ما خلق الله القلم» لأن معنى «خلق الله القلم» فالقلم لا يعود إلى الأولية، لا يعود إلى الأولية، فيكون المعنى: إن الله أمر أن يكتب عند أول خلقه. تمام، عندما خلقه الله عز وجل في بداية خلقه أمر القلم أن يكتب. فهنا لا إشكال على هذه الرواية، يعني بعدما خلقه أمره أن يكتب. وهذا لا إشكال فيه، وهذا لا إشكال فيه. وأما قوله: «قال له: اكتب». قال له: اكتب. القائل هو الله، يخاطب هذا المخلوق وهو القلم. والقلم جماد، ولكن كل جماد أمام الله مدرك وعاقل، مدرك وعاقل ومريد. وهذا له دليل، ما هو الدليل؟ ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللأرض: «ائتيا طوعا أو كرها». قالتا: «أتينا طائعين». فخاطب الله السماوات والأرض وهما جماد، فأجابتا. وهكذا القلم خاطبه وهو جماد فأجاب. وإذا قال القلم: «رب، وماذا أكتب؟» قال: «رب، وماذا أكتب». وفي هذا دليل على أن الأمر المجمل لا حرج على المأمور في طلب استبانته. ما معنى استبانته؟ يعني السؤال عن تفاصيله. لأن الله عز وجل قال له: «اكتب». فهذا من القلم ليس اعتراضا. لما قال له: «وماذا أكتب؟» هذا ليس اعتراضا، وإنما يسمى... وإنما يسمى استبانة، يعني يستبين ما هو هذا الشيء الذي يريده ربنا عز وجل أن يكتبه، أن يكتبه. والقلم لا يعلم الغيب، ولكن الله أمره. ولكن الله أمره. فقوله: «وماذا أكتب؟» يعني بأمرك. قال: «اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة». «كل» هنا من صيغ العموم، فيشمل ويعم كل ما يتعلق بفعل الله أو بفعل المخلوقين. فكل... فكل ما يتعلق بفعل الله أو فعل المخلوقين إلى قيام الساعة. فكتبه القلم بأمر الله سبحانه وتعالى، بأمر الله سبحانه وتعالى. ثم قال: «يا بني، سمعت رسول الله سلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني». وهنا هذه التبرئة من الرسول عليه الصلاة والسلام تبرئة... تبرئة مطلقة، يعني أنه ليس بمسلم، بل هو كافر. بل هو كافر. من مات وهو لا يؤمن بالقدر، وهو ينكر القدر، فليس من النبي عليه الصلاة والسلام. فكما تقدم في هذا الحديث فوائد: منها: ملاطفة الأبناء بالموعظة، ومرتين يكرر له: «يا بني». ومن فوائده: تلقين الأبناء العقيدة بأدلتها. فانظر كيف علم عبادة بن الصامت لقن ابنه هذه العقيدة بحديث سمعه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال في رواية لأحمد: «إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة». فقوله: «فجرى في تلك الساعة» صريح في أن القلم امتثل. وجاء بهذه الرواية ليبين ذلك. وإنما سؤال القلم كان استبيانا، وليس معارضة للأمر. قال في رواية لابن وهب: قال رسول الله سلم: «فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار». وهذه الرواية بمعنى تبرئة النبي عليه الصلاة والسلام منه، فهو كافر كما تقدم. وكما جاء عن كذلك ابن عمر رضي الله عنه. قال: وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: «أتيت أبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي. فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. ولو مت، أو مت على غير هذا لكنت من أهل النار». قال: «فأتيت عبدالله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم». قال: «حديث صحيح، رواه الحاكم في صحيحه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى». ومعنى هذا الحديث وبمعنى الأحاديث المتقدمة: فابن الديلمي، ومن التابعين، أتى أبي بن كعب الصحابي الجليل، فسأله عن شيء وجده في نفسه يتعلق بالقدر، أي كأنه ذهب في نفسه إلى مذهب القدرية. فأتى إلى هذا العالم حتى يذهب ما به من مرض، حتى يذهب ما به من مرض. فقوله: «لعل الله أن يذهبه من قلبي»، هذا اعتراف منه أن ما وقع في قلبه ليس بدين، وليس بصحيح، بل هو مرض يحتاج إلى من يشفيه منه، أو من يدله على الشفاء. وفي هذا أن الإنسان إذا أصيب بمرض أن يذهب إلى الأطباء، أطباء ذلك المرض. وأطباء القلوب من هم؟ العلماء. أطباء القلوب هم العلماء. فهذا ذهب إلى ذلكم العالم، وهو أبي بن كعب، فوجد بغيته، فوجد بغيته. فقال: «لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر». وهذا بمعنى حديث ابن عمر. «وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». وهذا بمعنى حديث عبادة بن الصامت. وزاد: «ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار». وهذا فيه أيضا كفر من فعل ذلك، أي من اعتقد عقيدة القدرية. قال: «فأتيت عبدالله بن مسعود». كأنه أراد زيادة بيان. وهذا قال العلماء: من أراد الاستفتاء في شيء فلا بأس أن يذهب إلى أكثر من عالم. فإن الحق الحق يتفق عليه العلماء. الحق يتفق عليه العلماء. لكن اشترط العلماء ذهابه إلى هذا العالم الآخر ليس على سبيل البحث عن الرخصة. بعض الناس، بعض الناس يذهب إلى عالم آخر من أجل أن يستنير رخصة في فعله الذي فعله، في فعله الذي فعله. فهو يذهب عند أكثر من عالم لا من أجل توثيق... وكذلك ليطمئن قلبه، ولكن يذهب من أجل أن يجد رخصة من أحد العلماء فيعمل بها ويترك بقية العلماء. وهذا سلوك أهل البدع، هذا سلوك أهل البدع. ما هو الظاهر؟ أحد العلماء وهو فيما أظن سليمان الرحيلي، أن أحد التكفيريين أراد أن يذهب إلى العراق فيما يسمونه بالجهاد، أصحاب الفتن وأصحاب التفجير والتكفير، وهو في الرياض. هذا الرجل الذي يريد أن يذهب، فقال له الشيخ: «لا، استفتيت العلماء؟» قال له: «نعم». قال: «استفتيت من؟ من العلماء؟» فذكر له أحد طلاب العلم، ليس بعالم، ممن هو على هذا المسلك. فقال له: «أنت في الرياض، عندك الشيخ الفوزان، وعندك الشيخ اللحيدان، وعندك الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، لماذا ما تسألهم؟» قال: «أنا إذا سألتهم أنا أعرف الجواب، لماذا أسألهم؟» طيب، أنت يعني تركت هؤلاء وذهبت عند ذاك الصغير من أجل أمر في نفسك. إذن... فائدة الآن من سؤالك لهذا الصغير وأنت تعرف جواب الكبار من العلماء. وهذا مسلك بعض طلاب العلم. تجد العلماء قد بينوا أمرا ما في فتنة، أو في شخص، أو في رجل، فيذهب عند علماء آخرين من أجل أن يجد رخصة، يقول: «لا، فلان ما قال، ما في شيء، وفلان يقول كذا، وفلان يضرب كلام العلماء بعضه ببعض، ويترك يعني كلام العلماء الذي عليه الأدلة والبينات». فمن على ما حج على من لم يعلم، ونحو ذلك من القواعد. فإذن لا يستدل بهذا أنك تذهب إلى العلماء من أجل أن تجد الرخصة، إنما تذهب إلى العلماء من أجل ماذا؟ من أجل أن يعني توثق ما ذهبت إليه من اعتقاد أو من مسألة ما. فهو من باب: «ولكن ليطمئن قلبي». فقال: «فأتيت عبدالله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وكلهم حدثني مثل ذلك». كلامهم واحد، لأن أهل الحق يستقون من مشكاة واحدة. لو سألت عالما في المشرق وعالما في المغرب لرأيت الجواب واحدا، خصوصا في المسائل المتفق عليها كمسائل العقيدة والتوحيد، ومسائل السير إلى الله سبحانه وتعالى. لا يختلف فيها العلماء، وكلامهم تجده واحد. قال: فيه مسائل: الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر، في قوله: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله». فهذا فيه أن الإيمان فرض، وركن من أركان الإيمان، أن القدر فرض وركن من أركان الإيمان. الثانية: بيان كيفية الإيمان به، يعني أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به، في قول ابن عمر: «ما تقبل منهم». الرابعة: الإخبار بأن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن بذلك، في قول عبادة بن الصامت: «أنك لن تجد طعم الإيمان»، وكذلك قول أبي بن كعب في الحديث الأخير. الخامسة: ذكر أول ما خلق الله، وهذا كما تقدم: أول ما خلق الله مما نشاهده يحمل على هذا، فهو... فهي أولية نسبية. السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة، وهذا نأخذه من حديث: «فجرى في تلك الساعة لما هو كائن». السابعة: براءته صلى الله عليه وسلم ممن لم يؤمن به، في قوله رضي الله تعالى عنه فيما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات على غير هذا فليس مني». وهذا تبرؤ من النبي صلى الله عليه وسلم لمن لم يؤمن بالقدر. الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبه بسؤال العلماء، يعني إذا عندك شبهة تذهب إلى العلماء. وهذا أخذه من ابن الديلمي، فإنه ذهب عند أبي بن كعب، وكذلك ذهب عند عبدالله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وكلهم من علماء الصحابة ومن أجلاء الصحابة. فهذه عادة السلف: إذا وقع في نفسك شيء، تردد في مسألة، في فتنة، في شخص، في كذا، فاسأل العلماء ممن هم عرفوا بالاهتمام بهذا الجانب، من العلماء الراسخين. فهذه عادة السلف رحمهم الله. التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله عليه وسلم فقط. وهذا أيضا فيه أن العالم يزيل الشبهة بالدليل من الكتاب والسنة، من الكتاب والسنة. ووجه الشاهد من إيراد هذا الباب: أن من التوحيد في الربوبية والأسماء والصفات الإيمان بالقضاء والقدر، الإيمان بالقضاء والقدر. فلذلك نبه المؤلف على هذه المسألة في هذا الكتاب. وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.