كتاب السبق والرمي 1

الدرس في كتاب السبق والرمي 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شروط المسابقة على الدواب والمناضلة

تصح المسابقة على الدواب والمناضلة بالسهام إذا كانت المسافة معلومة وصفة المناضلة معلومة. يُشترط في الدواب أن تكون كالخيل والإبل.

أحكام المسابقة والمراهنة في الإسلام

يشترط في المسابقة اتحاد المركوب وتحديد المسافة والغرض منها، ويجب أن يكون الرهان من جهة واحدة فقط. يُلحق بالسهام ما كان بمعناها من الآلات الحديثة.

حكم المغالبات وأخذ العوض في السباقات

اختلف العلماء في جواز أخذ العوض بين المتسابقين، واستدل بعضهم بحديث 'لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر' على جواز أخذ العوض في سباقات معينة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد، قال قاضي شجاع الأصفاني رحمه الله في كتابه "الغاية والتقريب المسمى مثل نبي شجاع" - كتاب السبق والرمي - قالوا: تصح المسابقة على الدواب والمناضلة بالسهام إذا كانت المسافة معلومة، وصفة المناضلة معلومة، ويخرج العوض أحد المتسابقين، حتى إنه إذا سبق استرده، وإن سبقه أخذه صاحبه له، وإن أخرجاه معا لم يجز، إلا أن يدخل بينهما محللا، فإن سبق أخذ العوض، وإن سبق لم يغرم. هذا الكتاب كتاب السبق والرمي، السبق بالسكون مصدر سبق، أي تقدم، وبالتحريك المال الموضوع بين أهل السباق. السبق بالسكون مصدر سبق، أي تقدم إذا تقدم على غيره، وبالتحريك المال الموضوع بين أهل السباق يسمى سبقا، يعني الرهن الذي وضع، والرمي يعني بالسهام أو بالرماح. قال: وتصح المسابقة على الدواب والمناضلة بالسهام. تصح المسابقة على الدواب كالخيل والإبل، كما جاء في الحديث "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" - تبي هريرة - عند أبي داود والترمذي. وأما غيرها من الدواب كالكلاب مثلا، أو مناطحة الكباش، أو تهارش الديكة، هذا لا يجوز، سواء بعوض أو غير عوض. والمناضلة بالسهام يعني الرماية بالسهام، هذا أيضا مما تصح فيه المسابقة، ويلحق بها ما كان بمعناها من الآلات الحديثة. يعني هذه الدواب كانت تستعمل في الجهاد في السابق، الخيل والإبل والسهام كان يرمى بها، والآلات الحديثة اليوم كالمسدس والرشاش في الرماية، وهكذا أيضا في المركوبات، فإنها تأخذ حكم هذه المركوبات؛ لأن المقصود هو التدريب على الجهاد في سبيل الله، فلما كانت هذه الآلات للجهاد أجاز الشرع المسابقة عليها وأخذ العوض على ذلك، فيلحق بها ما كان بمعناها من الآلات الحديثة في هذه الأزمان. قال: إذا كانت المسافة معلومة، هنا ذكر شيء من شروط السباق، يقول: لا بد أن تكون المسافة معلومة حتى يحصل المقصود من الانتفاع بهذه المسابقة من تحديد مسافة الرمي أو مسافة السباق، يكون من هذا الموضع إلى ذاك الموضع، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين سابق بين الخيل التي أضمرت من الحيفاء وأمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل لم تضمر من الثنية إلى مسجد بن زريق، كما في الصحيحين، يعني جعل لها مسافة جعلها مسافة للسباق بالخيل. وكذلك أيضا لا بد من تعيين المركوبين واتحاد المركوبين، لا بد من اتحاد المركوبين في السباق، يعني ما تسابق هذا على خيل وهذا على إبل، لا، أو لا بد أن يكون المركوب واحد حتى يحصل العدل في المسابقة. قال: وصفة المناضلة معلومة، يعني في الرماية كذلك تكون مسافة محدودة معلومة، والغرض يكون معلوما، يعني هدف يوضع، حيث ينظر من يصيبه يصيب هذا الهدف، ولا يكون فيه شيء محرم، كأن توضع دابة مثلا يرمى إليها، لا، لا يكون فيه شيء مما يخالف الشرع. والرماية والسباق يعني هذه أشياء مما حثت عليها الشريعة، الله عز وجل يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا في كتاب الجهاد جعل للسباق، جعل المقاتل بالفرس سهمين أو ثلاثة أسهم، سهم له وسهمين للفرس؛ لأنه الفارس يعني يجزع في القتال بما لا يفعله الراجل على رجليه. هكذا أيضا الرماية لها يعني قوتها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا"، وحث النبي صلى الله عليه وسلم على الرماية، وقال: "من علم الرماية ثم تركها فقد كفر". وفسر الآية عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، قال: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" - يقوم من عامر - في صحيح مسلم، فيدل هذا على أهمية الرماية. قال: ويخرج العوض أحد المتسابقين، حتى إنه إذا سبق استرده، وإن سبقه أخذه صاحبه له، يعني يقول العوض الذي هو الرهان، المال الذي يوضع في المسابقة يضعه أحد المتسابقين، لا يكون من كلا المتسابقين، إنما يضعه واحد، لماذا؟ إذا سبق هذا الذي وضعه أخذ هذا المال الذي وضعه له هو حقه، وإن سبق الآخر أخذه الذي سبق، وحينئذ لا يكون فيه صورة القمار والميسر إذا دفع كل واحد منهما هذا وضع مال، وهذا وضع مال، فهنا سيكونان بين الغنم والغرم، بين الريف والخسارة. قالوا: هذه صورة الميسر في المغالبات، هذا يدفع، وهذا يدفع، ومن غلب أخذه المال كله، فلهذا قال: نخرج هذه الصورة من صورة الميسر، يكون الرهن من جهة واحدة فقط. قال: وإن أخرجاه معا لم يجوز، يعني هذا وضع مال، وهذا المسابق الآخر وضع مال، هنا قال: لا يجوز، لماذا؟ قالوا: لأنها أصبحت شبيهة بصورة القمار والميسر، والله عز وجل قد حرم الميسر، ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. قال: إلا أن يدخل بينهما محللا، المحلل هو شخص ثالث يدخل معهم ولا يدفع شيئا، لا يدفع شيئا، إنما من باب إخراج صورة المسابقة والمغالبة من القمار، يدخل معهم، فإن سبق أخذ العوض، وإن لم يسبق أخذه من سبق منهم. قال: فإن سبق أخذ العوض، أي هذا المحلل الثالث، وإن سبق لم يغرم، يعني ما خسر شيء، ما خسر؛ لأنه ما وضع شيئا. هنا قول آخر: أنه يجوز أن يكون العوض من المتسابقين، وأنه لا يشترط المحلل، واستدلوا هؤلاء بالحديث "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر"، فهذا الحديث يدل على مشروعية أخذ العوض في المسابقة في مثل هذه الأشياء الثلاثة: السباق بالخيل والإبل والسهام أو الرمي، يعني لا سبق أي لا عوض، معنى هذا أن العوض يجوز أخذه في مثل هذه الحال، يجوز أخذه في مثل هذه الحال، وهذا قول جماعة من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وترجمهم من القيم، وأيضا رجح العلامة السعدي رحمه الله. وهذا القول هو الأظهر: أنه يجوز أن يكون العوض من كلا المتسابقين، وأن هذا مما يستثنى مما استثناه الشرع من القمار والميسر المحرم؛ لما فيهم من الإعانة على الجهاد في سبيل الله جل وعلا. بقي من أحكام المغالبات من باب الفائدة: العلماء قسموا المغالبات إلى ثلاثة أقسام، قسم يجوز بعوض وبغير عوض، وهما ذكر في هذا الموضع من سباق الخيل والإبل والسهام، هذا يجوز بعوض وبغير عوض. القسم الثاني: لا يجوز سواء بعوض أو بغير عوض، وهو ما لم يكن فيه نفع في دين ولا دنيا، ما لم يكن فيه نفع في دين ولا دنيا، كالنرد والشطرنج والورق والضمنة إلى آخره من هذه الألعاب واللهو التي لا نفع فيها، هذه لا تجوز لا بعوض ولا بغير عوض. القسم الثالث: ما يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض، كسباق الجري والسباحة والمصارعة وحمل الأثقال ونحو ذلك، مع الأمن من الضرر، فهذه تجوز بلا عوض، ولا تجوز بعوض، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سابق عليه الصلاة والسلام سابق مع عائشة رضي الله عنها، وصح عن بعض الصحابة أنهم كانوا يتسابقون بحمل الأثقال، الأحجار الثقيلة ونحو ذلك. فمثل هذه المغالبات تجوز بلا عوض. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.