الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 64، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المحاضر حديث أبي هريرة عن السبع الموبقات موضحاً أن العدد ليس للحصر وأن الموبقات هي المهلكات. ويبين أن الشرك بالله أعظمها ويليها السحر الذي ينقسم إلى نوعين أحدهما شرك والآخر دون ذلك.
يشرح المحاضر النفوس الأربع التي حرم الله قتلها بغير حق وهي المسلم والذمي والمعاهد والمستأمن مع شروط جواز قتل كل منها. ثم ينتقل لتعريف الربا لغة واصطلاحاً وتقسيمه إلى ربا الفضل وربا النسيئة.
يستعرض المحاضر نوعي الربا مفصلاً ربا الفضل وربا النسيئة ثم يذكر كبائر أخرى كأكل مال اليتيم والفرار من الزحف وقذف المحصنات. ويختتم الدرس بالإعلان عن تأجيل باقي الأحاديث إلى الجلسة القادمة.
الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: فقال الشيخ المجدد العلامة محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله في باب ما جاء في السحر: قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». وقوله: «اجتنبوا»، فالاجتناب أبلغ من الترك؛ فالاجتناب معناه الترك وعدم الاقتراب من هذا الذي أمرنا باجتنابه، فهو ترك وزيادة، فكأنه يقول: لا تتركوا هذه الأشياء فقط، ولا تقربوا من أسباب الوقوع فيها، ولا تقربوا من أسباب الوقوع فيها. وقوله: «السبع»، هنا العدد ليس على سبيل الحصر؛ لأن العدد كما هي القاعدة التي تكررت معنا كثيراً لا مفهوم له، فهناك غيرها من الموبقات. وهذا مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، فقد جاء غير هؤلاء السبعة في أحاديث أخرى. فهنا ذكر العدد ليس على سبيل الحصر. وهكذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم»، وذكر منهم المسبل، والمنان، والمنفق سلعته باليمين الكاذبة، فيوجد غير هؤلاء. وهكذا في قوله: «السبع». وأما الموبقات: فهي المهلكات التي تهلك صاحبها، ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الإسراء: 58]، وقول الله سبحانه وتعالى في سورة الكهف: ﴿مُوبِقًا﴾ [الكهف: 53]، أي مهلكاً. والآية تقول: ﴿لَا مَوْعِدَ هَذَا﴾ [الكهف: 58]، ثم جعلنا له في سورة الكهف ﴿مُوبِقًا﴾، يعني مكاناً مهلكاً، أو بهذا المعنى. فالموبقات بمعنى المهلكات، وهذا على سبيل الإجمال. وهذا أسلوب من أساليب التعليم: أن المعلم أولاً يجمل لطلابه، ثم يفصل. فأجمل النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» يعني المهلكات. فمن حرص الصحابة على العلم، وعلى معرفة هذه السبع حتى يجتنبوها، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ ما هذه السبع الموبقات؟ فذكر أولها: الشرك بالله، فقدمه هنا لأنه من أعظم الموبقات، ومن أظلم الظلم، ومن أكبر الكبائر. الشرك بالله: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، كما في حديث عبد الله بن مسعود: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك». فبدأ بالشرك لأنه من أوبغ الموبقات، ومن أعظم الذنوب، سواء كان الشرك في الربوبية بأن تعتقد أن لهذا الكون مدبراً غير الله أو نحو ذلك، أو الشرك في الألوهية وهو الأكثر في هذه الأمة: أن تدعو غير الله، أن تستغيث بغير الله، أو نحو ذلك، أو كذلك الشرك في الأسماء والصفات، وذلك بأن تقول: إن الله ينزل كنزول المخلوق من السماء، أو أن لله عز وجل وجهاً كوجه المخلوق، أو نحو ذلك. هذا شرك في الأسماء والصفات. فبدأ به لعظمه. ثم ثنى بالسحر، قال: «والسحر». فتثنيته بالسحر يدل على أن السحر يأتي في المنزلة الثانية من الموبقات. طيب، وقد تقدم معنا أن السحر على قسمين: سحر هو شرك، وسحر ما هو دون ذلك، يعني ليس بشرك. فمن يفصل: ما هو الذي هو شرك، وما هو الذي هو ليس بشرك؟ عندك يا آدم، أنت ما حضرت البارحة، لك أنها معلومة سابقة معك في تقسيم السحر. عندك يا أبا طاهر: تقسيم السحر عندك؟ «عقد ورقاء»، هذا هو الشرك. نعم. فهذا ليس بشرك، وإنما هو دون ذلك. فيشمل السحر القسمين: ما هو شرك، وما هو ليس بشرك. وقد تقدم معنا السحر، وكذلك حكم السحر ونحو ذلك، فأغنى عن الإعادة هاهنا. وهذا هو وجه الشاهد من إرادة هذا الحديث في هذا الباب: ما جاء في السحر، أن السحر من الموبقات، أي من المهلكات. هذا هو معنى هذا الحديث، وهذا هو وجه الشاهد من إرادة هذا الحديث. ومن باب الفائدة نكمل بقية هذه السبع، من باب الفائدة ومن باب علم ما لم نعلم. فقوله: «وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق»، يعني أن هذا من الموبقات: قتل النفس، والمراد بالنفس: نفس الآدمي، النفس التي حرم الله إزهاقها وقتلها بغير حق. أربعة أنفس: نفس المسلم، ونفس الذمي، ونفس المعاهد، ونفس المستأمن. هذه أربعة أنفس لا يجوز قتلها بغير حق. المسلم: واضح، من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقد عصم دمه وماله. وأما الذمي: وهم الكفار من أهل الكتاب أو من المجوس، ممن هم في بلاد المسلمين، يؤدون الجزية لأهل الإسلام. فهذا ذمي لا يجوز قتله؛ لأنه عاش في بلاد المسلمين بدفعه للجزية، كما قال الله عز وجل: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]. معنى: إذا يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، لا تقتلوهم. واضح. فهذه نفس الذمي. وأما المعاهد: فهو الكافر الذي هو خارج بلاد المسلمين، وبيننا وبينه عهد وميثاق: ألا يقاتلنا وألا نقاتله. فلا يجوز لك أن تقتله. بيننا مثلاً وبين يهود، أو بيننا وبين الكفار من أي بلد، عهد وميثاق وصلح: أننا لا نتعرض لهم ولا يتعرضوا لنا. فلا يجوز إذا وجدت كافراً في حدود بلدك أو خارج بلدك أن تقتله. واضح، لأنه ليس بحربي، بيننا وبينهم عهد وميثاق. هذا يسمى معاهداً: من المعاهدة والميثاق. وأما المستأمن بكسر الميم: فهو الكافر، ولو كان حربياً، لكنه دخل بلاد المسلمين بأمان. يعني كان تاجراً، أو أراد أن يتعرف على الإسلام. فهذا يسمى مستأمناً، لقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْركِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]. طيب، فهؤلاء الأجانب الذين يدخلون إلى البلاد، سواء كان في الشركات، أو كذلك حتى في السياحة، حتى في السياحة، طالما دخلوا بأمان ولي الأمر، فلا يجوز قتلهم. ومن قتلهم فقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم بالنار. هذا فيما يتعلق بالعهود والمعاهدات بينه وبين دولة هذا الكافر، حتى لا تحصل فتن. هل إذا قتله سيسكت أهل ذمته وأهل بلده من الكفار؟ فهذا راجع لولي الأمر، هو الذي يرى المصلحة في ذلك، يخرجه. إذا هذا يخرجه من البلاد. طيب، وما يفعله التكفيريون من الدواعش أو القاعدة أو نحو ذلك، فهذا مخالف للإسلام. يقتلون الكفار بحجة أنهم محاربون، هم دخلوا بلاد المسلمين بأمان. ومن ذلك ما صار في الأيام القريبة من قتل السفير الروسي في تركيا. هذا يخالف الإسلام؛ لأن السفير دخل بعهد، دخل مستأمن، دخل بأمان، يعني أمر تلك البلاد، سفير دولة، علاقات دنيوية بينهم، علاقات دنيوية، فلا يجوز قتل سفير، أو قتل وزير، أو قاتل من الدولة. لا، ليس تبرأت الدولة من ذلك، تبرأت الدولة من ذلك، ويقولون: إن الذي قتل يقول: إنه قتله بسبب ما فعلوا في سوريا. لكن فرق بين سوريا، هذا ليس هو في سوريا الآن، هو دخل بلاد الإسلام بأمان، بأمان، فلا يجوز قتله. وهكذا أفتى العلماء في هذه القضية. فإذن عرفنا من هذا أن قتل النفس التي حرم الله، النفس التي حرم الله أربعة: من يعيدها؟ المسلم، الذمي، المعاهد، والمستأمن. واضح. وهذه أنفس محرمة إلا بالحق. ومعنى «بالحق»: يعني هناك سبب أوجب قتلهم. حتى المسلم، كما مر معنا في حديث عبد الله بن مسعود: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». فإذا فعل شيء من ذلك، يقتل. وكذلك الذمي: إذا خالف وخفر ذمته، ولم يدفع الجزية، أو رفع شوكته في بلاد الإسلام فأفسد فيها، فلولي الأمر أن يقتله. وكذلك المعاهد: إذا خان ونقض العهد والميثاق، فلولي الأمر أن يقتله. وهكذا المستأمن: إذا كذلك خان وأفسد، أو عمل ما أوجب قتله، يقتل. واضح. وقوله: «وأكل الربا». الربا بمعنى الزيادة. وعرفه العلماء بأن الربا: تفاضل في عقد بين أشياء يجب فيها التساوي. هذا يسمى ربا الفضل. لأن الربا على نوعين: ربا الفضل، وربا النسيئة. فربا الفضل: هو تفاضل في عقد بين أشياء يجب فيها التساوي، يجب فيها التساوي. فلا يجوز أن أعطيك كيلو من الذهب وتعطيني كيلو وربع من الذهب؛ لأن الذهب يجب فيه ماذا؟ التساوي. ومن ذلك القيمة النقدية؛ لأنها تقوم مقام الذهب. فلا يجوز أن تعطيني مليوناً وأرد لك مليوناً وعشرين أو مليوناً وثلاثين. هذا فيه تفاضل. لابد أن أرد لك المال الذي أخذته بدون زيادة. فإذا طلبت زيادة، فهذا ربا، يسمى ربا الفضل. فهو عقد بين أشياء يجب فيها التساوي. والأشياء التي يجب فيها التساوي ما وردت في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح» إلى آخره. طيب، هذا يجب فيها التساوي. ولو كان التمر رديئاً وذاك جيداً، لا يجوز أن أعطيك مثلاً كيلوين بكيلو، أو ثلاثة كيلو بكيلوين. لا، يجب فيه التساوي. واضح. وهناك نوع آخر وهو يسمى ربا نسيئة: وهو نساء في أشياء يجب فيها التقابض. والنسي بمعنى التأخير، إنما النسيئة: زيادة عن التأخير. فلا يجوز مثلاً أن آخذ منك ذهباً وأؤجل الثمن، وأؤجل الثمن؛ لأنه يجب فيه القبض، يجب فيه القبض. هذا يسمى ربا النسيئة. ومن ذلك الصرف: لا يجوز أن أصرف عندك مثلاً ألف ريال، تعطيني ثمانمائة، وتقول: مئتين مرة ثانية، تعال بكرة سأكمل لك. لا، هذا يسمى ربا النسيئة. وليس فيه زيادة، أنا سأعطيك ألفاً، لكن سأؤخر بعضه. هذا يسمى ربا النسيئة. كل ذلك من الربا. وقد قال الله عز وجل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]، وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278] إلى آخر ذلك، والمقام لا يحتمل أن نطيل في هذا. وأما أكل مال اليتيم: اليتيم هو من مات أبوه قبل البلوغ، هذا يسمى يتيماً. من مات أبوه قبل البلوغ، هذا يسمى يتيماً. أما إذا ماتت أمه، فلا يسمى يتيماً. وإذا مات أبوه وقد بلغ، ما يسمى يتيماً. إنما يسمى يتيماً: ما دون البلوغ، ومات أبوه. فهذا الذي تجري عليه أحكام اليتيم. فمن ذلك: أنه يكفل، «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين». وأكل مال اليتيم: يعني تتوكل على ماله وهو صغير، لا يعطى هذا المال، فتأكل عليه هذا المال. طيب. أو تعلم أن هذا مال يتيم؛ لأنه ضعيف، ما يستطيع أن يرد حقه، فتستغل هذا الضعف وتأكل ماله. هذا ما يجوز. وجاء فيه الوعيد الشديد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]. والتولي يوم الزحف: المراد يوم الزحف: يوم التقاء، يوم التقاء المسلمين بالكفار في معركة القتال. فإذا حان وقت المعركة وحمي الوطيس، فلا يجوز لك أن تتولى، أي أن تهرب، أن تهرب وتخاف من الموت. بل يجب عليك أن تثبت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45]. وقال الله عز وجل: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 16]، ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: 16]. يعني: ليس الهروب، وإنما الخطة: يرجع قليلاً ثم يأتيهم من جهة أخرى، أو متحيزاً إلى فئة: يعني ينسحب من مثلاً سرية أو من مجموعة إلى مجموعة أخرى من المسلمين. طيب. فلا يجوز أن يهرب ويذهب بعيداً أو إلى بيته. وإنما إما أن يعني يهرب إلى مكان آخر حتى يفاجئ العدو ويهجم على العدو، أو يهرب إلى جماعة أخرى من المسلمين حتى يتقوى بهم ويتقوى به. واضح. وقوله: «وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». المراد بالقذف: يعني القذف بالزنا، الرمي بالزنا. والمحصنات: يعني العفيفات. قيل: المحصنات بمعنى العفيفات. والغافلات: يعني التي لا يعلمن ما يدور خارج بيوتهن. فهن في البيوت مع يعني أولادهن، أو مع أهاليهن، أو مع عبادة ربهن. فإذا بمسلم يقذفهن بالزنا بدون بينة، بدون بينة، وبدون كذلك رؤيا، وإنما هكذا، فهذا من الموبقات. فهذا شرح سريع. هذا الحديث حديث عظيم، ووجه الشاهد منه قوله: «والسحر». قوله: «والسحر». فباب ما جاء في السحر: أنه من الموبقات. وبقي معنا بعض الأحاديث، إن شاء الله نؤجلها مع مسائل الباب في درس قادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا. الله أكبر. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.