الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 258، ألقاها
شرح حديث جابر بن عبد الله عن غزوة حنين وتقسيم النبي صلى الله عليه وسلم للغنائم، ورد فعله على رجل طعنه في عدالته. يبين دلالات الحديث على سوء قصد الرجل أو سوء فهمه.
شرح كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي أشراف قريش الكثير من الغنائم لتأليفهم في الإسلام، ويحذر من طائفة تقرأ القرآن ولا تنتفع به وتخرج من الدين.
وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج بأنهم يخرجون من الدين بسرعة، وهم حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام، ويقولون من قول خير البرية، ويطعنون في كبار أهل العلم.
يجوز استخدام اللفظة للتنبيه والتذكير والتحذير والتخويف، ولا بأس بذلك. الله تعالى أعلم بحكم هذه الأمور.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد": حدثنا علي وابن عبد الله، المديني كان يلقى بحية الوادي لمعرفته بعلل الحديث، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثني أبو الزبير، وهو محمد بن تدرس، ثقة إلا أنه مدلس، وكثيرا ما يروي عن جابر، وإذا كان الراوي عنه الليث، فإن العلماء يقبلون عنعنته؛ لأن الليث روى عن أبي الزبير ما سمعه من جابر رضي الله تعالى عنه. وهنا سيأتي في آخر هذا الحديث ذكر تصريحه بالسماع، قال: عن جابر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بالجعرانة، واتبر في حجر بلال، وهو يقسم، فجاءه رجل، فقال: اعدل، فإنك لا تعدل. فقال: "ويلك، فمن يعدل إذا لم أعدل؟" قال عمر: دعني يا رسول الله، أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "إن هذا مع أصحاب له، أو في أصحاب له، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". ثم قال سفيان: قال أبو الزبير: سمعته من جابر. قلت لسفيان: رواه قرة عن عمر، عن جابر؟ قال: لا أحفظه من عمر، وإنما حدثناه أبو الزبير عن جابر. هو الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. فهذا الحديث يخبر جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، أي في انتهاء غزوة حنين التي كانت بعد فتح مكة، قاتل فيها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة قبائل عظيمة من قبائل العرب، كهوازن وغيرها، وانتصروا عليهم، وغنموا غنائم عظيمة. وكانت بعد انتهاء هذه الغزوة قسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم بالجعرانة، وهو موضع بين مكة والطائف، وهو أقرب إلى مكة. قال: واتبر في حجر بلال، أي قطع الذهب، قطع الذهب غير المصنع يقال له تبر، كان في حجر بلال، والنبي صلى الله عليه وسلم يقسم، يقسم ويوزع. فجاءه رجل، فقال: اعدل، فإنك لا تعدل. وفي رواية: قال اعدل يا محمد، فإنك لا تعدل. وقال في رواية أخرى: إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله. هكذا يطعن في عدالة النبي عليه الصلاة والسلام، وفي نيته. قال: اعدل، فإنك لا تعدل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ويلك، فمن يعدل إذا لم أعدل؟" وهذا الكلام لا يصدر إلا من شخص فيه أحد أمرين: إما سوء علم وفهم، أو كذلك عنده سوء قصد، أو كلا الأمرين. أن يكون عنده سوء علم، وكذلك أيضا سوء قصد، فيكون متبعا لهواه؛ لكونه لم يعطى. طعن وتكلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في أمثال هؤلاء: "إن يعطى يرضى، وإن لم يعطى لم يرضى". أو سوء قصد وفهم، فلا يفهم ويفقه الأحكام، فيطعن من غير علم، ولسوء فهم. والنبي صلى الله عليه وسلم حين قسم يوم حنين لم يكن المراد من القسمة إعطاء من يستحق دون من لا يستحق، أو إعطاء المساكين دون غيرهم. وإنما كان نظر النبي عليه الصلاة والسلام أوسع من ذلك. فكان يعطي عليه الصلاة والسلام أشراف قريش، ومن أعطى عليه الصلاة والسلام منهم من القسمة، كان يعطي عليه الصلاة والسلام الرجل المئة من الإبل والمئتين، وذلك تلغيباً لهم في الإسلام وتأليفاً لهم؛ حتى يؤثر ذلك في من تحت أيديهم. فإنهم إذا أسلموا وحسن إسلامهم أثروا في من تحتهم، فأسلموا، ودخل في الإسلام الكثير في الأجل. ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي أمثال هؤلاء الكثير من الغنائم. وهذا الرجل ربما اجتمع فيه الأمران: سوء العلم والفهم، وسوء القصد. ولذلك طعن في نية النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله. هكذا يطعن في نية النبي عليه الصلاة والسلام، وهو عليه الصلاة والسلام أشرف الخلق، وأتقاهم لله، وأعرفهم بالله سبحانه وتعالى، وأعدلهم عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال: "فمن يعدل إذا لم أعدل؟" إذا لم يعدل نبي عليه الصلاة والسلام، فمن يعدل بعده عليه الصلاة والسلام؟ فلذلك قال عمر: دعني يا رسول الله، أضرب عنق هذا المنافق؛ لأن هذا الكلام لا يصدر إلا من في قلبه نفاق، الذي يتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالظلم وعدم العدل، فيتهمه في عمله، وفي قصده، ونيته. فهذا لا يصدر إلا من كان في قلبه نفاق. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يمكن عمر من قوله: إن هذا منافق. وإنما لم يجز له ذلك، أي أن يقتله. كما جاء في رواية صحيح الإمام مسلم، قال: "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه". لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هذا مع أصحاب له، أو في أصحاب له". قال: يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. يعني أن هذا الرجل يتبعه أقوام. كما جاء في رواية أخرى: "يخرج من ضيضي هذا أقوام، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم". يعني يحسنون تلاوة القرآن، ويكثرون من تلاوته، ويجيدون قراءته، لكنه لا يجاوز تراقيهم. والترقوة: العظم الذي يكون بين العاتق وبين موضع النحر. والمعنى أنهم لا ينتفعون من هذه القراءة، مجرد تلاوة وقراءة بالألسن، لا تصل إلى الحلوق، فضلا أن تصل إلى قلوبهم. ولهذا في رواية أخرى، قال النبي صلى الله عليه وسلم -لا بمعنى الحديث- لا تبلغ حناجرهم، أي لا تتجاوز القراءة حناجرهم، لا تصل إلى قلوبهم حتى ينتفعون بها. فمجرد تلاوة، اهتمام بالقرآن، وقراءة، وربما حفظ، وعبادة، لكن من غير علم، ومن غير فهم. قال: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. يعني يخرجون من الدين خروجا سريعا، كما يخرج السهم من الرمية، أي من الصيد. السهم الذي يقذفه الصائد بقوة يصيب الصيد، ثم يخرج من الجانب الآخر من الصيد، ولا يتأثر، أو يكون فيه آثار من هذا الصيد. يعني لا يعلق فيه شيء من لحم هذا الصيد لسرعة خروجه. فهو المراد بقوله: يمرقون كما يمرق السهم من الرمية، أي من الصيد المرمي، لسرعة خروجه، لا يعلق فيه شيء. وشبه النبي صلى الله عليه وسلم خروجهم من الدين كسرعة خروج السهم من الرمية. وسدد به بعض العلماء ممن قال بتكفير الخوارج. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". وقال بعض العلماء: المراد سرعة خروجه من الطاعة، ووقوعهم في المعصية. وجاء في رواية لأحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفهم بقوله: "حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". فوصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف: أنهم حدثاء أسنان، أي صغار السن. وسفهاء الأحلام، أي ضعفاء العقول، ضعفاء العقول. وإذا اجتمع هذان الأمران في الشخص كان ذلك سببا في ضلاله وانحرافه. ولهذا تجد أمثال هؤلاء الغالب فيهم هذا الوصف: أنهم حدثاء الأسنان، صغار السن، شباب في بداية أعمارهم. وإن وجد فيهم كبار فهم قليل. وهكذا أيضا سفهاء الأحلام، ضعفاء العقول، لا فهم عندهم لكتاب الله، ولا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتجد فيهم هذه النزعة الخارجية من الطعن في كبار أهل العلم، والتجرؤ عليهم. كما تجرأ كبيرهم هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. تجدهم يطعنون في العلماء، ويتهمونهم بشتى الاتهامات، ويرمونهم بالسبائب والشتائم، عملاء، جبناء، نحو ذلك من هذه الاتهامات التي يرمون بها أهل العلم. وهذه صفات كل مبطل، وكل صاحب باطل. إذا أراد نشر باطله، أول ما يبدأ يطعن في أهل العلم، يطعن في أهل العلم، وفي كبار العلماء. وبذلك يسهل له أن ينشر ما يريد من فكر وباطل. حتى إذا عرض هؤلاء الشباب الذين يغرهم ويقذف في أسماعهم وقلوبهم ما يريد من الباطل، فإذا قيل لهم: إن العلماء يقولون كذا وكذا، لم ينتبه إلى كلام أهل العلم، ولم يعتبر به. لماذا؟ لأنه صار لا هيبة له، أو لا هيبة للعلماء عنده. لا هيبة للعلماء عنده، فقد سقطت هيبتهم. فبعد ذلك يقول ما شاء، ويضع في آذانهم ما شاء، فيجد آذانا صاغية. وبعد ذلك لا تسأل عن الشر العظيم الذي قد يقع بسبب هذا الأمر العظيم، وهو التزيد في أهل العلم، والرجوع إليهم، والأخذ بأقوالهم. وأشهد في هذا الحديث هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ويلك، فمن يعدل إذا لم أعدل؟" ذكره رحمه الله في هذا الباب، باب قول الرجل للرجل: ويلك. أن يجوز استخدام هذه اللفظة للتنبيه، والتذكير، والتحذير، والتخويف، وأنه لا بأس بذلك. والله تعالى أعلم.