الدرس في شرح الأصول الثلاثة 40، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المؤلف عقيدة البعث بعد الموت مستدلا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويوضح أن البعث يشمل جميع المخلوقات. يؤمن أهل السنة بأن الله يحاسب العباد يوم القيامة على أعمالهم.
يؤمن أهل السنة بأن الله يحاسب العباد يوم القيامة على أعمالهم، ويطلعهم على صحائفهم، ويجزيهم بحسب ما عملوا. أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة فيما يتعلق بحق الله، والدماء فيما يتعلق بحقوق العباد.
يوم القيامة يحاسب العبد على أربع أمور: عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل بعلمه. العبد مسؤول عن كل ما أنعم الله به عليه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، يقول مؤلف رحمه الله تعالى: قال والدليل على موته صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾، قال: والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل قوله تعالى: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾، وقوله تعالى: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا﴾. هنا قلنا: المؤلف رحمه الله تعالى بعدما تكلم وانتهى من الأصول الثلاثة أو الثلاثة الأصول التي أشار إليها، عرج على مسائل تعتبر متممة لهذه الرسالة العظيمة، وكان من تتمة أفكاره رحمه الله تعالى ما يتعلق بالإشارة إلى مسألة البعث وما يتعلق كذلك بيوم الآخر، وإن كان هذا ليس محلها، لكن العلماء ومن الشراح ذكروا أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذه مسألة ما يتعلق بالبعث وبالحساب والجزاء والعقاب لوجود من ينكر مثل هذه المسائل من كان في عصره، لعموم الجهل الذي وصل إليه من وصل الناس في تلك الأزمان، فذكر الأدلة رحمه الله تعالى الدالة على ذلك. فقال: والناس إذا ماتوا يبعثون، وقوله "الناس" هذا ليس تخصيصا لأن البعث عام للناس وللجان والحيوانات والبهام، كل ذلك يبعث. قال: والناس إذا ماتوا يبعثون، والبعث في اللغة بمعنى الإرسال، البعث بمعنى الإرسال، بعثت لك برسالة أي أرسلت لك رسالة، ثم بعثنا من بعدهم موسى بمعنى أرسلنا لهم موسى، فبعث تأتي في اللغة بمعنى الإرسال. وأما إصطلاحا هو عودة الأرواح إلى الأجساد، البعث هو عودة الأرواح إلى الأجساد، فإن الله جل وعلا عند قيام الساعة يأذن للقبور أن تبعثر، إذا القبور بعثرت تبعث القبور وتخرج الأجساد، لا يخرجون الأموات هم أحياء من قبورهم، يخرجونهم أحياء من قبورهم، وهذه العقيدة عند أهل السنة والجماعة عقيدة راسخة عقيدة ثابتة، وهي من صميم الإيمان باليوم الآخر. ومن جحد بمسألة البعث فقد جحد باليوم الآخر، ومن جحد باليوم الآخر فقد كفر بالله سبحانه وتعالى. فقال رحمه الله تعالى: والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل قوله تعالى: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾، هذه الآية دلالتها واضحة على مسألة البعث. ففي قوله تعالى: ﴿منها خلقناكم﴾، فبداية الخلق خلق ربنا جل وعلا البشر من تربة الأرض، خلقهم من التراب، فمن أصلها خلق ربنا أصل البشرية من تربة آدم عليه السلام، بل ما هو أصرح من ذلك كما ثبت ذلك في السنن بإسناد صحيح بأن الله جل وعلا خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، قبضها من جميع الأرض، فجاء بن آدم على قدر الأرض. كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: "جاء بن آدم على قدر الأرض"، فجاء منهم الأبيض والأسود والأحمر، فما نرى من اختلاف البشرة في الجنس البشري هذا ناصع البيض، وهذا دون ذلك، وهذا مائل إلى الحمرة مشوب الحمرة، وآخر الإسوداد، وآخر أصف منه سوادا، من أين جاءت هذه الألوان؟ هذه على قدر الأراضي أو التربة التي أخذت منها تلكم القبضة. إن الله جل وعلا خلق آدم من قبضة قبضها من الأرض، فجاء بن آدم على قدر هذه الأرض، منهم الأسود والأحمر والأبيض، وجاء منهم الخبيث والطيب والسهل والحزن، حتى الأخلاق أخلاق الناس، الناس لا يستون في أخلاقهم، من عاشر الخلق يعرف طبائع الناس، منهم اللين السلس السهل، ومنهم الشديد المتعنت صعب أن يعاشر، من أين هذا جاء؟ جاء كذلك من أصل التربة. أنت ترى تربة الأرض تختلف ألوانها، تجد تلكم الجبال السوداء وتلكم البيضاء وتلكم الصفراء، وتجد كذلك في مشيك على تلك الأراضي من النعومة واللطف ما لا تجد في تلك الأرض صلبة، فهذا كله أثر على خلقة الآدم، على خلقة الآدم في صورهم في ألوانهم، حتى في طبائع أخلاقهم، منهم الشديد والمتعنت هذا على أصل تربته، ومنهم كذلك اللين السهل، وهذا كذلك على قدر الأرض التي قبض منها ربنا جل وعلا القبضة التي منها خلق آدم عليه السلام. فقال ربنا جل وعلا: ﴿منها خلقناكم﴾ أي في الأرض، ﴿ومنها نعيدكم﴾ مرجع الإنسان إلى الأرض، وذلك في حال دفنه، يدفن في هذه الأرض، نجعل الأرض كفاتا أحياءا وأمواتا. قال: ﴿ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾، تخرج هذه الأجساد يوم القيامة، وجاءت هذه الآثار مفصلة في السنة النبوية حول كيفية الإخراج، وليس هذا موطن ذكرها، لكن يؤمن أهل الإسلام وأهل العقيدة الصحيحة بأن الله جل وعلا يبعث من في القبور، يبعث سبحانه وتعالى من في القبور. وهذا البعث إخواني في الله يكون بعد النفخ في الصور، بعد النفخ في الصور، فإذا نفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون. لكن اختلف العلماء ما هي كم هي النفخات التي ينفخ حتى يقوم من الناس لرب العالمين، ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن عدد النفخات نفختين، ومنهم من زاد ثالثة هي ثلاث نفخات، وبعد الثالثة يخرج الناس، وذلك لاختلاف الأدلة. فهناك ما يسمى بنفخة الفزع، فإذا نفخ في الصور ونفخ في الصور ففزع من في السماوات والأرض، تسمى هذه نفخة الفزع، ففزع من في السماوات ومن في الأرض، وهناك نفخة الصعق، فإذا نفخ في الصور فصعق من في السماوات والأرض، هذا تسمى نفخة الصعق، وهناك نفخة البعث، فإذا نفخت في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون، فعندي فزع وعندي صعق وعندي بعث وهو الإخراج. ومن هنا أنظار العلماء اختلفت، فمنهم من جعل لكل نفخة حالة مستقلة فحسبها على أنها ثلاث نفخات، وهذا قول جماعة من المحققين ومن أهل السنة، ومنهم من أدمج فقال: أن نفخة الفزع هي نفسها نفخة الصعق، يقع فزع وصعق في نفس النفخة، فأدمج الأولى والثانية في نفخة واحدة، وأبقى النفخة البعث على ما هي عليه، فتكون عنده الحصيلة نفختان، فهذا من أقوى الأقوال، والأمر في ذلك سهل ليس بذاك. فمن يقول بالنفخة الثانية يكون الخروج، ومن يقول بالنفخة الثالثة، وذلك على حسب الأدلة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والدليل قوله تعالى: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾، قال: وقوله تعالى: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا﴾، كل ذلك دلالة على قضية البعث. فالمؤمن يؤمن بربه جل وعلا ويوقن بأن الله جل وعلا يأذن لهذه الأرض بأن تخرج أثقالها، بأن تخرج ما في بطنها من الجثث ومن الأموات، ثم تعاد لهم الحياة ويكونوا أحياء يخرجون من الأرض كما يخرجون من بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا غير مختونين، ثم يقضي ربنا جل وعلا بين العباد. قال: وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم، وبعد البعث تأتي مسألة الحساب، وأهل السنة والإسلام كذلك يؤمنون بهذه المسألة، بأن الله جل وعلا بعدما يخرج من في القبور يكون الحساب، ويقول العلماء في تفسير الحساب هو إطلاع الله العباد على أعمالهم، إطلاع الله العباد على أعمالهم، فهذه الحساب كل يطلع على عمله، فإن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر، هذا كتابك، وهذا صحيفتك يا عبد الله، تقرأ ما فيها، فتحكم على نفسك بنفسك بما أن يكن ذلك، ولا يحكم بك إلا عملك. فالحساب وهذا من كمال عدل الله جل وعلا أن العباد يحاسبون على قدر أعمالهم وما جنته أيديهم. فقال رحمه الله تعالى: وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم، والدليل قوله تعالى: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾. ومسألة الحساب أخوانا في الله تحتها مباحث، من ذلكم أن نعلم أن أول أمة تحاسب من الأمم هي أمة محمد عليه الصلاة والسلام، هي من كم تعد من لدن آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كم عدد الأمم؟ ألا يعلم بهم إلا الله جل وعلا، ومع ذلك إذا بعثت الأمة، أمم بعد أمة، فإن أول من يحاسب بهذه الأمة المحمدية، وثبت ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام بإسناد صحيح، قال: "نحن آخر الأمم وأول من يحاسب يوم القيامة"، فنحن السابقون الأولون. فنحن هذه الأمة المحمدية مع أنها من آخر الأمم بعثة، آخر قد سبقتنا أمم كثيرة، مع أن نحن من آخر الأمم في هذه الدنيا، ومع ذلك أن نكون من أول من يحاسب يوم القيامة، وهذا لكرامة هذه الأمة وكرامة نبيها عليه الصلاة والسلام. بقي ما الذي يحاسب عليه العبد؟ يحاسب العبد على كل شيء، على كل صغيرة وكبيرة، ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، كل شيء يا عبد الله اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، يقرأ العبد في هذا الكتاب الذي ما يترك شاذ ولا فاذ إلا ومسطرة بما جنته يدك، يا عبد الله تقرأ، ثم اختلف العلماء ما هو أول شيء يحاسب عليه العبد؟ العلماء هنا أقوال، منهم ذهب إلى ذا، ومنهم ذهب إلى أمر آخر، وسبب اختلاف العلماء فيما بينهم في أول ما يحاسب عليه العبد اختلاف الأدلة، والصحيح والذي عليه الجمع وتجتمع عنده النصوص أن أول ما يحاسب عليه العبد باعتبارات، فباعتبارات ما يتعلق بحق الله، فأول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، لقول نبينا عليه الصلاة والسلام كما جاء في السنة عن نبي هريرة: "إن أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، فإن أصاح سائر عمله، وإن فسدت فهو إلى أسوأ". هذا الأمر يا عبد الله المهم الصلاة، أول ما تحاسب عليه من حقوق الله جل وعلا تحاسب على أمر الصلاة، تترك جميع الواجبات والفرض يتبع الصلاة، فإن حسنت الصلاة أبشر يا عبد الله إن كنت من المحافظين، إن كنت من المقيمين، إن كنت من المقبلين على الله جل وعلا، فأبشر بكل خير، فإن ما بعدها أيسر، أحسن لأن الصلاة هي الأصل، الصلاة هي الأصل، وإن فسدت فما بعدها أشد. إذا كان من العبد أنه ما أحسن الصلاة فليعلم أن لغيرها أضيع، لغير أضيع، إن صلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فصلاة تنهى عن الفحشاء فلا صلاة لك إذن، إذا أنت عرضة للفحشاء وعرضة للمنكر، فتلاحظ وهذا الملاحظة في عرف الناس وفي طبيعة الناس أن العبد كلما كان مصليا كلما كان أبعد عن الفواحش والمنكرات. فقال سبحانه: "المشاهد" يعني إذا قيل لك أن فلان من الناس فاعل يفعل ويفعل، يعني فاعل صاحب فجور وصاحب ظلم وصاحب وصاحب، تقول: ما أظن هذا مصليا، دعك عن الصلاة، عن الصلاة، إذا قيل لك في خبر هذا الشخص من الناس أنه يفعل ويفعل من الجرائم والمبيقات، تقول: ما أظنه من المصلين، فإذا فتش نعم تجد ليس من المصلين، إذا وكان مصليا لله لكان صلاته تنهى عن الفحش والمنكر. بينما إذا رأيت رجلا يعني مقبلا على الخير تعلم أن له حظ من الصلاة، فالصلاة يا عبد الله فهي أول ما يحاسب عن العبد، هذا يعتبر باعتبار أول ما يحاسب عن العبد في حق من حقوق الله، أما ما يتعلق بحقوق العباد، يحاسب عن العبد في حق من حقوق العباد، هي الدماء، هي الدماء، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود، المتفق عليه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: "إن أول ما يقضى بين الناس في الدماء". فما بينك وبين الله في الصلاة، وما بينك وبين الناس يا عبد الله في الدماء، ينظر هل تلطخت يدك بدم أحد من المسلمين أم لا؟ ليس شرط قتل، بل حتى ما دون القتل، جراحات ثبت كذلك في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "من استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم فليفعل"، حاول أنك لا تجعل يحيل بينك وبين دخول الجنة ملء كف من دم، لا تستهن يا عبد الله بدماء المسلمين، فإن أول ما يقضى في العباد في الدماء. فانظر لهذا الحديث العظيم، وأنظر إلى حال الناس كيف استهانوا بدماء المسلمين، كيف استهانوا استهانة عظيمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقال مؤلف رحمه الله: والدليل قوله تعالى: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾. فالعباد إخواني في الله يبعثون يوم القيامة فيحاسبهم ربنا على أعمال، وثبت كذلك عند الترمذي بإسناد صحيح من حديث ابن مسعود، وكذلك عن غير واحد من الصحابة، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: "لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع"، وفي رواية عن خمس، هنا الحساب على هذه الأمور، لا تزول لا تتحرك قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفنى، وعن شبابه فيما أبلى، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل بعلمه. فالعمر يا عبد الله بشكل عام نعمة، العمر نعمة عظيمة حباها الله لك، أطاك من العمر أطاك من العمر سنين، متعك بأن تعيش في دار الدنيا، لماذا أفنيت هذه الأعمار في سبيل الله؟ في طاعة الله؟ في مرضات الله؟ أم على خلاف ذلك؟ عن عمري فيما أفنى؟ وعن شبابه سن الشباب، وإن كان من العمر لكن لهم مزية، إذ أنه السن القوة والجد والاجتهاد والنشاط، هذه القوة أين بذلت؟ هل بذلت بالإقبال على دين الله؟ بنصرة دين الله جل وعلا؟ بالإقبال على ما ينفع العبد في دينه ودنياه وفي آخراه، الإقبال على العلم، على العبادة، على الطاعة، على النفقة، على مساعدة، على إعانة من يحتاج الإعانة؟ أم أنك جعلت هذه القوة يا عبد الله فيما نراه في حال كثير من الناس، أضاعوا شبابهم فيما لا ينفعهم لا في دين ولا في دنيا، لعب مرح طرب، ذاك الذي قد بلغ العشرين أو الخمسة عشر والثلاثين والأربعين، سن القوة أين ذهب؟ ذهب أدراج الرياح، كل ذلك في الشهوات والملذات، هذا السن يا عبد الله ستسأل عنه. وعن ماله هذا المال، وأي مال لا يشترط أن يكون المال كثيرا حتى تسأل عنه، ولو حتى ريال، ولو حتى دينار، فما من مال في حوزتك تسأل عنه بسؤالين: من أين؟ وفيما أنفق؟ من أين جئت به؟ وفيما أنفق؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ هذا من أين دخل عليك هذا المال؟ هل من طريق المشروع؟ هل من كدك؟ من حلالك؟ من شغلك؟ من عملك؟ بغض النظر عن هذا العمل، مدام عمل مشروع فهو عمل يحبه الله جل وعلا، الأعمال يحبها الله. كون العبد أنك تستعف عمى في أيدي الناس فتعمل بوظيفة، بعمل، بمهنة، مردود يرد عليك بالمنفعة، فهذا يحبه الله جل وعلا، فهذا المال إذا كان من حلال فأبشر يا عبد الله، يؤجرك ربك عليه، لكن كان محله مشبوه، تتعامل بالربا، تتعامل ببيع المحرمات، تتعامل بالأمور المشبوهة، ببيع المخدرات، ويعوذ بالله من هذا البلاء، بأشياء المحرمة تضر بدين العبد وبدين الناس، بما فيه مضر على مجتمعات المسلمين، فهذا المال الذي جئت به من حرام. فاعلم يا عبد الله أن أثره يصلك في الآخرة، وحتى في الدنيا، أيما جسد نبت من سحت فالنار أولى به، نبت من سحت فالنار أولى به، ولا تستغرب أن نجد من الناس من يشتكي، يقول: يا أخي أنا تعبت، ما تعبت، أدعو الله، دعيت الله ليل نهار، أدعو الله ليل نهار، سجود قيام، ما في استجابة، ما الذي جرى؟ يقول أخي: كيف مطعمك؟ ربا؟ حرام؟ أشعث أغبر يطيل السفر، يمد يديه للسماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، ومالبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنا يستجاب له؟ كيف تريد أن الله يستجيب منك وأنت ملطخ بالحرام؟ حرام في حرام، أكلك وشربك ومكسبك من الحرام. فاعبد الله أطب مطعمك تكون مجاب الدعوة. وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ السؤال الثاني في المال، هذا المال ولو دخل عليك بحلال، بقي المخرج أين خرج؟ أين ذهب؟ ها ذهب في زكاة؟ ذهب في أمر خير؟ ذهب في صدقة؟ ذهب في أبواب منفعة الإسلام والمسلمين؟ أم أنه أعوذ بالله ذهب في المباحات؟ هذا إذا كان أحسن محلا، وإلا قل: ذهب في الرذائل، ينفق ذلك يمنة ويسرى فيما يضره في دينه ودنياه، ملهيات، شهوات، حرمات، محرمات. فهذا المال الذي ينفق في غير محله ستسأل عنه يا عبد الله، تسأل عنه يا عبد الله، وبالأسف إخواني في الله نجد أن الناس قد ألقي في قلوبهم وفي أيديهم الشح، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: "من علامات الساعة أن يظهر الشح"، وهذه الأمة تجد من الأمور الخيرية المشاريع الخيرية، تجد مساجد تحتاج من يرممها، تجد مساجد تحتاج من يدعمها، تجد فقراء، فقراء مساكين، محتاجين، معوزين، فقراء. وخاصة نحن في هذه الأزمان نعرف الفاقة والشدة والحاجة التي ابتلت بها الأمة، ومع هذا كله تجد العسر والشح في الأيدي، لو ربما تضطر إلا أن تقول: يا عباد الله أنفقوا، أنفقوا، من أنفق ينفق الله عليه، بالتصريح بالتمني، وعسى أن تلين القلوب، أم من يخرج الرجل مال في سبيل الله يحاسب على هذا المال؟ يحاسب: إيش أنفق؟ هذا مشروع؟ تاجر؟ عشرين ألف؟ خمسين ألف؟ ليش أن يعطيه؟ خلف؟ ولا يعطيه؟ إذا تاجر أنا عم الله عليه بمال، يعطيه وأصبح الكل واحد، يلقي المال على تبعاته. يا أخي لا، يا عبد الله، المال ستحاسب عليه، فإن كان في مخرج خير فهو يرجع عليك بأحسن حال في الدنيا والآخرة، وأما إن كان في وبال وفي شر فاعلم أنك يا عبد الله على أسوأ حال، وإن كان في مباح فإنك ستسأل عنه حتى في مباح ستسأل عنه. وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وماذا عمل بعلمه؟ العلم الشرعي، وأي علم في ذهنك، أنت ستسأل عن هذا العلم، لا تظن يا عبد أن الإسلام عبارة عن معلومة ثقافية كما نرى من كثير المثقفين، المعرضين المثقفين، يضع رجل في رجل ويتكلم عن الإسلام ما شاء الله تبارك الله، يعرف أركان الإسلام وهيئات الإسلام وشروط الإسلام والتوحيد وألفاظ التوحيد وقواعد العقيدة، يعلم ما شاء الله تبارك الله، لكن في المضمار العملي لا شيء، لا شيء. يعرف أن هذه السنة ولا يأتيها، يعرف أن هذا واجب أو يقصر عنه، ويعلم أن هذا محرم ويأتيه، ويعلم ويعلم، هذا العلم ستسأل عنه، العلم حجة، العلم حجة، وعن علمه ماذا عمل به؟ فمسألة الحساب إخواني في الله من عقيدة أهل السنة وجماعة، نؤمن ونعتقد ونجزم بأن ربنا جل وعلا متى ما بعث الأشهاد فإنه سيسألها جل وعلا ويسحاسبها على ما مضى من أفعالها وأقوالها وسلوكياتها. فأسأل المولى جل وعلا أن يلطف بنا وبالإسلام ومسلمين جميعا. أقول قولي هذا، وأصلي الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.