الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 50، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل موضوع الشرك الذي يحصل عندما يريد الإنسان بعمله الدنيا، ويشرح أنواع هذا الشرك ويستدل على ذلك بالآيات القرآنية. يُبين أهمية إرادة الآخرة وإرضاء الله في الأعمال.
هذا الفصل يتناول تحذير النبي من جعل الدنيا همًا والانشغال بالمال عن الآخرة، ويبين أن من كان همه الآخرة جمع الله شمله وأتته الدنيا راغمة. يُفسّر أيضًا بعض الآيات التي تنتقد من يريد الدنيا بعمل الآخرة.
يفسر هذا الفصل حديثا للنبي يتحدث عن صفات المجاهد في سبيل الله، ويبين معاني بعض الكلمات الواردة في الحديث مثل الرضا والسخط والانتكاس، ويشرح صفات المجاهد الممدوح في الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه، بعد. خذنا بابًا من الشرك، إرادة الإنسان بعمله الدنيا، وذكر الآية والحديث. أراد أن يبين الشيخ أن الشرك هذا يحصل في الإنسان، لكن منه ما هو أصغر، ومنه ما هو أكبر. من هذا الشرك الذي يراد به الإنسان بعمله الدنيا، منه ما يكون أكبر، وهذا إذا صرفته هذه الدنيا عن الله بالكلية. وإن لم تصرفه هذه الدنيا، لكن صار عبدًا لها، صار طمعه في الدنيا، فيعمل بعض الأعمال لأجل الدنيا، من أعمال الآخرة، وبعض الأعمال يخلصها لله. أما إذا كان عمله كله ليس لله، فهذا منافق. وأيضًا يدخل في الشرك شرك الإرادات. قال فيه مسائل: الأولى إرادة الإنسان بعمله الآخرة، وهذا الأصل أن الإنسان المسلم يريد بعمله الآخرة، إرضاء الله جل وعلا، وهمه يكون الآخرة، ليس همه الدنيا، بل يصرف نفسه عن الدنيا. ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾، ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾، ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان همه الآخرة، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كان همه الدنيا، شتت الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يؤته من الدنيا إلا ما كتب له». فالواجب على المسلم أن يجعل أعماله كلها لله، مخلصة لله جل وعلا. الثاني تفسير آية هود، وهي قول الله عز وجل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾، فنزلت هذه الآية فيمن يريد بعمل الآخرة الدنيا. الثالثة تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة. هنا قال: المسلم، من أين جاء بالمسلم؟ هذا لعموم الحديث: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، إن يعطى رضي، وإن لم يعطى سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش». طوبى لعبد آخذ بعنان فرس -يعني كأنه يريد أن هذا من المسلمين- لكن دعا عليه بالتعاسة والانتكاسة. داع عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالتعاسة والانتكاسة. من هذا؟ هذا الذي يعبد الدينار والدرهم، الذي جعل همه الدنيا، يصلي ويصوم، وعنده فعل خير، لكن همه الدنيا، فهذا ممكن يكون شركًا أصغر. الرابع تفسير ذلك بأنه «إن يعطى رضي، وإن لم يعطى سخط». أهم شيء عنده الرضا والسخط لعجل الدنيا، يسخط لعجل الدنيا، ويرضى لعجل الدنيا، مثل ما ذكر الله عز وجل هذه الصفة في المنافقين: ﴿وَإِذَا أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. الخامسة قوله: «تعس وانتكس». فتعس معنى هلك، وانتكس أي رجع القهقرة، بعد أن كان على صحة، كان على طريقة صحيحة، فينتكس إلى طريقة غير صحيحة. السادسة قوله: «وإذا شيك فلا انتقش». معنى إذا أصابته الشوكة، ما تخرج بسهولة، حتى ولو بالمنقاش ما تخرج. وهذا يدل على أن الدنيا تمكنت في قلبه، حتى لو أصيب منها، وجد أشياء تؤلمه، لكن لا زال يستمر يجاهد في الدنيا. السابعة ثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات. قوله عليه الصلاة والسلام: «طوبى لعبد آخذ بعنان فرس في سبيل الله». العنان: الحبل الذي يكون في رقبة البعير. سمع: «آخذ بعنان فرس يمشي بعنان فرس». فقال عليه الصلاة والسلام: «أشعث رأسه، مغبرة قدماه». إن كان في الحراسة، أو في الساقة، فهو في الساقة. الساقة: معنى الذين يسوقون الجيش في آخر الجيش. فأيضًا يكون في آخر الجيش، معنى أنه عبد طائع لله، وطائع لأمراء. قال: «إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع». هذه الصفات من أعظم الصفات التي تكون في الإنسان المجاهد في سبيل الله. هذا باب، ما نطالع العلماء، نتركه في درس آخر؛ لأنه سيكون طويلًا.