الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 52، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع يحذر من طاعة العلماء والأمراء في تحليل الحرام وتحريم الحلال، ويعتبر ذلك وسيلة للشرك. يستشهد بآثار وأقوال السلف مثل ابن عباس والإمام أحمد بن حنبل.
يُناقش خطورة التقليد الأعمى للمذاهب الفقهية والتعصب لها، ويُوضح أهمية الرجوع إلى الأدلة الشرعية. كما يحذر من التقليد الأعمى للعلماء وتغيير أحكام الله.
يُناقش خطر الغلو في الصالحين وتعظيم الأشخاص، ويُشير إلى تأثير بعض الطرق الصوفية بالنصارى والهندوس في تعظيم الأشخاص. يُحذر من تقديم قول غير النبي صلى الله عليه وسلم على قوله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال: باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا. وقال ابن عباس: «يشكوا تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتقولون أقال أبو بكر وعمر». أيش وجه المناسبة في هذا؟ في ذكر هذا الأثر هنا ليس أن هذا يدل على الشرك، وإنما هو وسيلة من وسائل الشرك، تعظيم الأشخاص حتى بعد ذلك يتخذون كالأرباب، فيطاعون في تحليل الحرام وتحريم الحلال. وهذا الذي وقع عند النصارى، النصارى عظموا آئمتهم وعظموا علماءهم ورهبانهم حتى أنهم اتبعوهم في الحلال والحرام، يعرفون أن هذا حرام عندهم، لكن إذا قال راهبهم أو قسيسهم هذا حلال، فيتبعونه. ما جاء في حديث عدي -وإن كان فيه بعض الانقطاع- لكن وجه الشاهد أنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أليس يحلون لكم الحرام فتتبعونهم، ويحرمون عليكم الحلال فتتبعونهم؟ قال: فتلك عبادتهم إياهم». فتلك عبادتهم إياهم أن يتبعونهم على تحليل الحرام وتحريم الحلال. لكن هذا وسيلة، وهذا الأثر أكثر العلماء يقولون أنه لم يعرف بهذا اللفظ، قد يكون الشيخ كتبه بالمعنى. ومن أهل العلم من يقول: لعل الشيخ قرأه هكذا، الله أعلم. لكن الذي جاء في الصحيح: لما كان ابن عباس يتناظر مع عروة في مسألة المتعة -متعة الحج- فكان ابن عباس يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم -معناه- قال بالمتعة، لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة. وكان عروة يقول: كان أبو بكر وعمر ينهون عن ذلك، فقضب ابن عباس وقال: ما أرى الله إلا سيعذبه. أقول: قال الله، قال رسوله، وتقولون قال أبو بكر وقال عمر. عن القول قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء». فالشيخ رحمه الله يرى أن هذا من الوسائل التي قد تجعل العبد يقع في الشرك -شرك الطاعة- وهو تعظيم الأشخاص حتى أنه يأخذ الدين منهم. يأخذ الدين منهم، وهذا مزلق خطير كما نبه على ذلك الإمام ابن القيم في «إعلام الموقعين»: أن التقليد مزلق خطير قد يؤدي للشرك. لماذا؟ لأن الإنسان يعلم أن هذا قد جاء النص فيه من النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرام، لكن إمامه الذي يتبعه قد يكون ما وصله هذا النص، فصل في المسألة فيجوز الأمر، فيقوم ويأخذ بالجواز، وهم يعرفون أن هناك نصا بالتحريم. هذا من أنواع المحدث لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فلهذا نبه الإمام الشافعي: «لا يحل لأحد تبينت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعها لقول أحد كائنا من كان». لا يجوز له أن يدع كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأجل كلام فلان. هذا التعظيم قد يؤدي إلى الفتنة والشرك كما سيأتي في كلام المؤلف. وقال الإمام أحمد بن حنبل: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان». والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله -إذا رد بعض قوله- أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. معنى أنه وسيلة من وسائل الشرك والكفر. فقال: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان». على لشيء يقلدون، وهم يعلمون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعرفون الصحيح منها والضعيف. فلماذا يقلدون سفيان أو غيره؟ وقال الإمام أحمد رحمه الله: «لا تقلدني، ولا تقلد الأوزاعي، ولا سفيان، ولا غيرهما، وخذ من حيث أخذنا». كان يعرف الأسانيد، ويعرف الأحاديث، ينظر في الأحاديث ويجعل كلام العلماء على الحديث. إذا كان مثلا لا يعرف العربية، وكذا ينظر إلى كلام العلماء في هذا الحديث، أشكالوا واشرحوا، ثم يأخذ بكلامهم على هذا التفسير. وأما رد الأحاديث بقول فلان أو فلان، فهذا خطأ. إذا كان مثلا هذا الإمام الذي تكلم في هذه المسألة جاء بهذا الحديث، عرف هذا الحديث، لكن تأوله إلى شيء آخر، ممكن تأخذ بفهمه. لكن الحديث في شق، والقول في شق آخر، فهذا لا شك أنه محرم. أنا من عرف كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أخذ بقول آخر -قول فلان أو فلان- فهذا آثم، مهما كان اعتباره. الآن تجد يروجون أن الأخذ بالمذهب واجب، ليس فقط مستحب، بل واجب. يعني عكس القضية، يأثم من لم يأخذ بأقوال المذهب. هذا الذي يأثم، وليس الذي يترك قول النبي صلى الله عليه وسلم ويأخذ بالمذهب هو الذي يأثم. لا، بل الذي يأخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم ويترك قول النبي ويأخذ بالمذهب، هذا هذا الصح. والذي يأخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم ويترك المذهب، هذا آثم. هذا انتكاس للأفهام. صحيح، هم ينظرون إلى العموم، ينظرون إلى العموم. لكن العموم هذا فيمن لم يعرف الحديث، أو رجل جاهل أو كذا. فهذا يقال أنه بحسب مفتيه. حتى مثلا إلزامه بالمذهب ليس لازم، إلزامه أنه لابد أن يأخذ بهذا المذهب، هذا ليس بلازم. إنما يلزم بمن يفتيه بالذي يسأله، ولا يلزم أن المفتي لابد أن يفتي بقول المذهب كما يقولون، هذا ليس صحيحا. الآن بعض الناس يقول: لا بد أن تفتي الناس بالمذهب. طيب كيف تفتي الناس بالمذهب؟ هل هذا هو الشرع؟ هل هذا المذهب هو الشرع؟ طيب الآن أئمة مجتهدون، وكذلك أيضا لهم مكانة عندهم، تجد أنهم ما قلدوا المذهب. وهذا كثير في كل المذهب. عندك الآن مثلا في مذهب الحنفية: محمد بن الحسن وأبو يوسف خالفوا -كما يقولون- خالفوا أبا حنيفة في ثلث المذهب، وهم أيضا لهم دور في المذهب الحنفية. وأن أقوالهم معتبرة أيضا. كذلك مالك، خالفه أيضا ابن القاسم في أشياء كثيرة، وأشهب أيضا كذلك يخالف في أشياء. وأيضا من جاء من بعدهم من الأئمة خالفوا. لماذا خالفوا؟ خالفوا لأنهم رأوا أن هذا غير موافق للدليل. مثلا عندنا الآن في مذهب مالك، في مذهب مالك مثلا: مجلس البيع -معنا اشتراط المجلس- خيار المجلس. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». فخيار المجلس هذا لم يقل به مالك، مع أنه روى الحديث. حتى أن ابن أبي ذئب أغلط الكلام في مالك: كيف يروي هذا الحديث، ثم يقول أنه إنما التفرق بالقلوب؟ هذا فهم الإمام مالك. لكن هل يقلد مالك في هذا؟ فتجد أن كثيرا من الأئمة لم يقلدوا مالك في هذا. عندك الإمام ابن عبدالبر النمري، هو مالكي، ونصر مذهب مالك، لكن لم يأخذ بهذا القول. القرطبي صاحب التفسير أيضا مالكي، لكن لم يأخذ بهذا القول. وكثير من الأئمة أيضا الشافعية، شافعية. عندك كثير من الشافعية ما يأخذون بقول الشافعي كله. فهذا المزني تلميذه له اجتهادات أيضا، حتى من أصحاب الوجوه -كما يقولون- أصحاب الوجوه. معنى: العلماء الذين في المذهب، كالبغوي. البغوي كثير ما يخالف الشافعي في المسائل. بعض مثلا ابن المنذر، ابن المنذر شافعي، لكنه لم يوافق الشافعي إلا فيما صح عنده من الدليل. وكذا فيما رأاه ابن خزيمة أيضا شافعي، وغيرهم من هؤلاء الأئمة. وكذلك مذهب الحنابلة أيضا فيه كثير، ومنهم ابن عقيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم. فالمهم أن مسألة الانتساب إلى المذهب شيء، ومسألة القول بالمذهب شيء آخر. الانتساب بالمذهب ما في شيء، الإنسان ينتسب مثلا شافعي، حنبلي، كذا. هذا سهل. أهم شيء الجوهر معنا: لا يتعصب لقول فلان، حتى ولو خالف الحديث. الحديث عندنا كذا. مثل كما قلنا: هذه المسألة التي قال بها مالك، هذه مخالفة للدليل صريحة. وإن كان الإمام مالك تأولها، لكن الأدلة تدل على أن المراد بالمجلس هنا المفارقة -مفارقة الأجساد- مفارقة الجسد. ولهذا قال: جاء في الحديث الآخر: «ولا يستقيله، ولا يخرج حتى يستقيله». أنا يخرج من المجلس حتى يستقيله. معنا خلاص ينتهي الخيار، فهذا يدل على أن الخيار هنا خيار معنا، المجلس مجلس الأبدان. متى منتهى المجلس انتهى الخيار، مدام المجلس موجود الخيار موجود. فلهذا لا يجوز للإنسان أن يترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أنه على مذهب فلان. هذا كما قلنا لمن لم يعرف. وإن كان من لم يعرف -مثلا أو جاهل- الصحيح أنه يأخذ بقول مفتيه. الآن عندنا أكثر العالم الآن يأخذ بفتاوى الشيخ ابن باز، الشيخ ابن عثيمين، اللجنة الدائمة، وكذا. ما يتقيدون بمذهب معين. صحيح أنهم ينتسبون للحنابلة، لكن ما يتقيدون بمذهب الحنبلة. الشيخ ابن باز ما يتقيد، الشيخ ابن عثيمين ما يتقيد. فالناس الآن يأخذون فتاواهم في كل مكان، في العالم كله. أنا أصبحوا أكثر اعتمادا للناس من غيرهم. معنا لكثرة إخفاق كثير من الجهات الرسمية في الفتوى، مثلا الأزهر، وغيرها من الجهات الرسمية. تجد أن الناس اطمأنوا لكلام هؤلاء الأئمة: الشيخ ابن باز، الشيخ ابن عثيمين، في كل مكان. حتى غيرهم للسنة، أحيانا أو حتى أنه ما ينتسب للسنة، أو تجد أنه مجتمعه فيه تصوف، تجد أن هذه الفتاوى تنتشر بينهم. وهذا شيء جميل. فالعامي الذي لا يعرف شيء في العلم، مذهبه مذهب من نفتيه. مذهب من نفتيه، ليس مذهب محدد. وأما الذي يعرف الأدلة ويعرف كذا، أيضا ينظر في هذه الأدلة مع من هذا الدليل. إذا كان يعرف الأدلة ويعرف كلام العلماء، إذا ما يعرف يبحث. مثلا إذا ما يستطيع يبحث، يسأل، يسأل أهل العلم. فهو أيضا مذهب من يسأل، إذا كان ما يعرف في هذه المسألة. وهكذا. فلهذا المسألة التقليد هذه مسألة سيئة جدا. مسألة التقليد والتعصب لم يقل بها أحد من الأئمة، بل كانوا ينهون عن التقليد. وقد ذكر الشاطبي عدة نصوص في «الاعتصام»: عدة نصوص عن الأئمة في النهي عن التقليد -النهي عن التقليد-. فهذا التقليد ما جاء به إلا أناس ضعفاء. ولهذا الإمام ابن عبدالبر يقول: أن المقلد ليس عالما، ولو بلغ يحفظ. معنا بعضهم تجد يحفظ مذاهب كثيرة، ليس مذهبه فقط. لكن لا يتكلم إلا في مذهب، ولا يفتي إلا بمذهب. فهذا متعصب. فمثل هذا يقول الشيخ الإمام ابن عبدالبر: أن هذا ليس عالما، هذا نسخة فقط -نسخة من غيره- ما يوقع بكلامه. لأنه يذكر كلام غيره، ما يذكر كلامه. فلهذا لو قالوا مثلا الآن: تجد أن بعضهم مثلا في نقل قول الجمهور يقول لك: هذا قول الجمهور. فبعضهم ينظر إلى الإمام وأتباعه. طيب أتباعه أو لا؟ أكثرهم مقلدة، كثير منهم يقلد المذهب، ما يخرج على المذهب. فهذا لا فائدة منهم. معناه هذا نسخة فقط من الذي قال بهذا القول، ما نستفيد منه. لأنه لا يقول بقوله، ولا يقول باجتهاده، وإنما العبرة بقول المجتهدين. العبرة بقول المجتهدين. ولهذا يخطئ بعض العلماء بعض من يقول الجمهور إذا رأى ثلاثة مذاهب على مذهب واحد يقول: الجمهور يقولون كذا. مثلا الآن عندنا في تارك الصلاة -مسألة تارك الصلاة- بعضهم يقول: الجمهور يقول أنه ليس بكافر. ليش الجمهور يقول؟ الثلاثة المذاهب: مالكي، شافعي، وحنفي يقولون أنه ليس كافر. فهل هذا يكفي أن يقال أن هذا قول الجمهور؟ طيب عندنا أكثر السلف يقولون أنه كافر أيضا. ما ذكره عبدالله بن شقيق عن الصحابة: أنهم يقولون أنه كافر. ما رأيت الصحابة يقولون في شيء أنه تركه كفر إلا ... تجد أكثرهم مقلدة، والمقلد لا قول له -كما قال الحافظ ابن عبدالبر- المقلد لا قول له، ولا يعتمد قوله. لأنه مقلد غيره. أنا ما يحسب قوله أنه قول. فلهذا مثلا لو مثلا أردنا أن نقول: نقرر مسألة تارك الصلاة، نقول: قول الجمهور أنه كفر. ولهذا أصحاب إبراهيم يقولون: أجمع المسلمون على أن من ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها أنه كافر. كافر ممكن أن يكون الكافر هنا ليس كافر مخرج من الملة، لكنه كافر كما قال الإمام ابن القيم. نحن لا نقول بغير النصوص، نقول كافر. لكن ممكن يكون كفره مخرج من الملة، ممكن كفره غير مخرج. لأن النصوص جاءت بهذا وهذا. لكن حقنا نغير، نقول أنه ليس بكافر. لا نقول كافر، لكنه كفره لا يخرج من الملة، ممكن. فالمهم أن مسألة الاعتماد على المقلد ليس صحيحا. المقلد لا يعتمد عليه. لأنه ليس عالما. وكما قلنا: وهو ما نريد نتكلم فيه هنا: أن التقليد علة عظيمة حتى أخرجت الناس عن الصراط الصحيح. فالذي يقلد ويأمر الناس بالتقليد، فهو على خطر عظيم. لأنه يرى قول النبي عليه الصلاة والسلام ويسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا، وهو يعرض عن قول النبي ويأخذ بقول فلان. وهذا الذي نبه عليه الإمام أحمد هنا: «أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله -قول النبي صلى الله عليه وسلم- أن يقع في قلبي شيء من الزيغ فيهلك». قال عدي بن حاتم: أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الآية. قال: «فقلت: إنا لسنا نعبدهم». يقول عدي: نحن لا نعبدهم. قال: «ليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم». رواه أحمد والترمذي وحسنه. طيب هذا الحديث فيه انقطاع، الظاهر شبيب رجل قال له شبيب -أو كذا- الذي الراوي. أو بلال بن شبيب الراوي عن عدي لم يسمع منه. لكن بعض العلماء -كالشيخ الألباني- صححه لبعض الشواهد التي جاءت. المهم أن معناه صحيح، وهو يوافق ﴿لا تَتَّخِذُوا أَحْبَارَكُمْ وَرُهْبَانَكُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. كيف اتخذوا أحبارهم ورهبانهم؟ أن يطاعوا فيما في تحليل الحرام وتحريم الحلال. يعني يعلمون أنهم يغيرون حكم الله، ثم يمشون معهم. عبدالله بن صوريا -هذا اليهودي الذي وضع يده على آية الرجم- هل هذا جاهل له؟ عالم، عالم من علماء اليهود، وهو صاحب المدراس الذي كان في المدينة. المدراس: معنا المكان الذي يدرس فيه اليهود التوراة. كان هذا عبدالله هذا اسمه عبدالله، هو اسمه الظاهر بالعبرية شيء، لكن معنا بالعربية عبدالله. فهذا الرجل كان هو الذي يدرسه. لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوراة، قل: «فأتوا بالتوراة فتلوها». جاء إلى مدرسته فقرأ هذا الرجل التوراة، ووضع يده على آية الرجم، وضع إصبعه على آية الرجم. فقال عبدالله بن سلام: «دعه يؤخر إصبعه». فلما أخر إصبعه وجد آية الرجم. قال: «هذا آية الرجم». قال: هذا الرجل -يا محمد- لما كثر الزنا في أشرافنا -اجتمع أحبار يهود- لما كثر الزنا فيهم -في أشرافهم- اجتمعوا أحبار يهود وقالوا: لا نستطيع أن نقتل شرفاءنا وكبارنا. فلهذا اتفقوا على التحميم -أنه يحمم- أنه يحمم: معنى يوضع فيما حار، ويسود وجهه، ويدار به في السوق. اتفقوا على هذا، فتركوا الرجم. مع أنهم يعلمون أن الرجم حكم الله. ثم اتبعوا هؤلاء العلماء في تحريم ما أحل الله، وفي تحليل ما حرم الله. خلاص من زنى عملوا له التحميم، ما يعملون الرجم. تركوا الرجم وبدلوا حكم الله. معنى: يا ليتهم مثلا يقولون: يقرون أن الرجم موجود عندهم، وهذا حكم الله. مثلا هذا شيء آخر. لكن هم ما يعترفون أن هذا حكم الله، جعلوا حكم الله مغيَّر. معنى هم غيروه. وهؤلاء يعلمون مثل هذا الرجل يعلم أن هذا الحكم مغيَّر. ولما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا تجدون في كتابكم في من زنى وهو محصن؟ قال: نجد التحميم». أنا أنظر: الكذب ليس كذب فقط في كلام الآن، يكذب على الله. معنى: على أنه في التوراة أن الرجم ليس موجودا، وإنما التحميم موجود في التوراة. وهذا معنى كما قال الله عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يعلمون أنه كذب، وليس حكم الله. فهذا الذي أوقعهم في الشرك، عظموا هؤلاء الأحبار حتى أنهم أطاعوهم فيما أحل الله وأحرم لهم، وهم يعلمون ذلك. يعلمون أنهم غيروا الحق، وأنه محدث لهم أشياء مما حرمه الله. حتى أن اليهود أرادوا أيضا أن يغيروا: معنى الله عز وجل حرم عليهم لحوم الإبل. الله عز وجل يقول: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾. معنى: أي شيء الذي حرمه إسرائيل على نفسه، هو أكل الإبل، حرمه الله عز وجل عليهم. وجاءت التوراة بتحريم الإبل -لحم الإبل- لكن هم غيروا، وحلوا لهم لحم الإبل، وحلوا لهم الشحوم، وغيرها من هذه الأشياء. قال: في مسائل الأولى تفسير آية النور، الثانية تفسير آية براءة. معنى: آية النور: قول الله عز وجل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾. وآية براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. أتفاز التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي، وهي أي شيء؟ العبادة: طاعتهم في تحليل ما حرم الله. والشرك هنا يقع، لا يقع بمجرد العمل -كما قلنا- لا يقع بمجرد العمل. مجرد العمل ليس شركا، لكن الشرك هو الاعتقاد -اعتقاد الحل- وهو يعلم أنه محرم، لكن يتبع فلانا. واتبع فلانا، والتقليد مثله. التقليد مثله: يعلم أن هذا الأمر حرام، لكن فلان أحله، يتبع فلان. لماذا؟ لأن فلان إمام، وكذا. طيب الإمام يفوته أشياء، ليس هناك أحد جمع العلم كله. ولهذا تجد الإمام نفسه له روايات. الشافعي الآن له مذهبان: مذهب في العراق، ومذهب في مصر. المذهب الجديد يرويه المصريون -يرويه المصريون- معنا الربيع بن سليمان، والمزني وغيرهم. والمذهب القديم يرويه أهل العراق: الحسن بن محمد الزعفراني، وكذلك أحمد بن حنبل، والحميدي، وجماعة من أولئك من أصحابه العراقيين أو المكيين. فهذا الشافعي أيضا، أحمد أحيانا تصل الروايات عنه إلى خمس روايات. ليش؟ هذه الروايات معنا بحسب ما يعلمه. قد يكون عنده حديث، ثم تبين له أن هذا الحديث ضعيف، أو أن هذا الحديث ما سمع به، ثم سمع به. وهكذا. فليس هناك حوى العلم جميعا، حتى لو حوى العلم أيضا ما يستطيع أن يعرف كل حديث صحيح من ضعيف. فهذا الشافعي يقول: «يا أحمد، أنتم أعلم منا بالحديث، فإذا صح الحديث فخبرونا». كان يقول: «نحن الأطباء وأنتم الصيادون». إن صحت -والله أعلم-. فالمهم أن العالم يحتاج إلى علم الآخرين، ما يستقل بعلمه أبدا. ما يستطيع أحد أنه يستقل بعلمه. كل الناس يحتاج كل عالم يحتاج إلى علم غيره. كل عالم يحتاج إلى علمه. حتى الصحابة رضي الله عنهم يتشاورون، يتباحثون في بعض المسائل. انظر مسألة أهل الردة: هل حصل فيها جدال بين أبي بكر وعمر؟ وهم خيرة الصحابة، حصل بينهم جدال. ثم أن الله عز وجل شرح صدر عمر -مثل ما شرح صدر أبي بكر- واتفقوا على هذا. فلهذا مثل هذه القضايا -معناه- مهمة التقليد قد تؤدي إلى ما هو شيء عظيم، قد تؤدي إلى ترك الدين، وإلى الفتنة التي يقع فيها الإنسان. حتى صوروا للناس أن هذا هو الدين -مذهب فلان هو الدين-. نحن حتى حتى مرة واحد عامي كان يسألني: بعدما كلمته قال: لهذا على مذهب من؟ قد لهذا على ما جاء على النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، نحن عندنا الشافعي. ده لك أديان أخرى باطلة. قال: أنا ما نريد حنبلي ومالكي، هذا لك أديان باطلة. قلت له: كيف دين؟ هذا دين الإسلام كله واحد، هؤلاء كلهم علماء. فالعامي المتصور أن هؤلاء -معناه- حتى لما يسمع حنبلي شيء عنده عظيم. حنبلي إيش هذا؟ حنبلي معناه شيء دين آخر. فهذا الغلو غير صحيح. حتى أحيانا من الحنابلة، تلك القصة التي حصلت لأبي حاتم السجستاني. لما دخل شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهراوي دخل سجستان، الناس كانوا على أبو حاتم السجستاني. هذا عندهم عالم كبير -معناه- هم الظاهر على مذهب الشافعية أو الحنفية. فما كان يعرفون شيء، يعرفون مذهب الحنفية فقط. فدخل عندهم الشيخ الإسلام أبو إسماعيل الهراوي -إسماعيل الهراوي هذا صاحب كتاب «مدارج السالكين»- هو -معناه- عالم كبير، لكن فيه تصوف. فدخل عندهم، ثم حدثهم. فلما رأوا تحديثه سألوه: قالوا: من أين أنت؟ قالوا: من أين؟ من العراق. قالوا: أين أنت؟ قالوا: أنا حنبلي. قالوا: أين حنبلي هذا؟ أنا أستغرب: أين حنبلي؟ أول مرة يسمعون حنبلي هذا. فذهبوا إلى عالمهم، وهو أبو حاتم السجستاني. فقالوا: دخل علينا رجل وتكلم في المسجد، ولما سألنا قال: أنا حنبلي. إيش هذا؟ إيش هذا الدين حنبلي؟ قالوا: أبو حاتم يقول لهم: هذا الدين الحق، ومن لم يكن حنبليا فليس بمسلم. أنا أختمه. ومن لم يكن حنبليا -كأنه كان في مجتمع حنفي- ما استطاع أن يجهر بمذهبه. لما جاء أبو إسماعيل هراوي ورأى فرصة قال لهم: من لم يكن حنبليا فليس بمسلم. هذا كلام صحيح. ولو كانوا -صحيح أنهم يعتقدون مثلا اعتقادات باطلة- أو لهم في الفقه أيضا. لكن ما يقال أن من لم يكن حنبلي فليس بمسلم. قال: الرابع: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان. حتى ولو كان عظم هذا الشخص، ما يقلد أحد في دين الله. معنى: لا يقدم أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أولا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك إذا لم نجد قول النبي صلى الله عليه وسلم نجد قول هؤلاء الأئمة. أما أننا نقدم ما عندنا قول النبي صلى الله عليه وسلم، نقدم قول غيره عليه -لا. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء». معنى: بعد سنته، إذا وافقت سنته. أما إذا خالفت -لا. قال: الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر: عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية. وعبادة الأحبار هي العلم والفقه. معنى: يريد حتى عند المسلمين صار العالم أو صاحب الطريقة هو الذي يشرع. صاحب الطريقة هو الذي يشرع عندهم، هو الذي يأمر وينهى، وله ورد وله كذا وله كذا. معنى: ما عندهم دين إلا فلان. لأن صحاب الطرق الصوفية: خلاص شيخه هو الدين. ما يقول شيخه حتى يقولون: أن المريد إذا أراد أن يكون مريدا -معنى صحيحا- أنه يكون مثل المغسل -مثل الميت عند المغسل- معنى: يقولون: أن إذا كان المريد يكون طريقته صحيحة، يكون مثل الميت عند المغسل. معنى: الشيخ يحركه يمنة ويسار، ولا ينكر. حتى لما قال بعضهم لبعض مشايخهم الصوفية: قال: لماذا كذا؟ قام انتهره وقال: لا يقال للشيخ لماذا أو لما، ولا يقال كيف. خلاص اتبع بس، لا تناقش. ليس هناك نقاش في كلام الشيخ، ولا أيضا تسأله: لما فعلت هذا؟ ولما قلت هذا؟ لا. المراد به التسليم -مثل ما يكون في الشرع التسليم- أيضا هؤلاء يسلمون كلامهم. ولهذا قالوا مقالة -معنى- في أغلب الطرق الصوفية يقولون: «من قال لشيخه لما لم يفلح». يقولون: من قال لشيخه لما لم يفلح -معنى- خلاص ابتعد عن الفلاح. إذا كان يقول لشيخه لما؟ طيب أحيانا منكرات يفعلونها المشايخ، خلاص يسكت. هذا شيخ وعالم وعارف بكل شيء. معنى: تعظيم نفس -تعظيم النصارى- هذه الأشياء التي أخذها الصوفية أصلا أخذوها من النصارى، ليست من دين الإسلام. معنى: وغالب هذه الأشياء جاءت من الأماكن التي كثر فيها النصارى. معنى: في الأماكن التي كثرت فيها النصارى جاءت مثل هذه الأشياء -تعظيم الأشخاص-. الآن الطرق الصوفية أكثرها جاءت من أين؟ جاءت من المشرق والمغرب. معنى: من خراسان، وجاءت أيضا كذلك من أوروبا وكذا. معنى: أكثر الطرق الآن مثلا عندنا ما فيه إلا الطريقة الأحمدية والطريقة الرفاعية أو القادرية. الأحمدية والقادرية هذه من الطرق التي جاءت عند العرب. والعلوية عندنا هنا في الحضرموت. وإلا أكثر الطرق: النقشبندية، والطريقة أيضا هذه الطرق الأربع التي يبايع عليها أصحاب التبليغ. أصحاب التبليغ يبايعون على أربع طرق صوفية. أنا إذا كان تريد أن تكون تبليغيا -معنى تبليغيا نصاب أو معنى كامل- تبايع على أربع طرق صوفية. فهذه الطرق الصوفية كلها من الطرق التي جاءت من الهند والسند -من الهند وخراسان وغيرها-. فتجد هؤلاء عندهم أصلا أديان تعظم الناس -مثل النصارى والهندوس وكذا- هؤلاء يعظمون الأشخاص. فهؤلاء مسلمون، لكن أخذوا تعظيم الأشخاص من هؤلاء. فصاروا كأنه يرون أنه دين، فيعظمون الأشخاص كتعظيمهم لشرع الله جل وعلا. قالوا: «عبادة الأحبار وهي العلم والفقه». ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين. فسرت بعد ذلك مسألة تعظيم القبور، وتعظيم الأولياء. كله بسبب تعظيم أو الغلو في الصالحين -الغلو في الصالحين- كما تقدم. فالغلو في الصالحين هو من أوسع أودية الباطل -كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب-. الغلو للأفاضل من أوسع أودية الباطل. قال أيضا المعلمي رحمه الله: طيب نكتفي بهذا، والله تعالى.