الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 27، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع خطورة الذنوب وثقلها في الميزان يوم القيامة مستشهداً بالآيات والأحاديث، ويسرد قصة صاحب البطاقة التي طاشت بها تسعة وتسعون سجلاً بفضل كلمة التوحيد.
يبيّن ثقل الأعمال الصالحة كالتسبيح وحسن الخلق في الميزان، ويؤكد وجوب إصلاح العبد لعيوب نفسه قبل الاشتغال بنصح الآخرين وتتبع عثراتهم.
يحث على حفظ اللسان والقلب والانشغال بعيوب النفس مستشهداً بأقوال السلف، ثم ينتقل لبيان حكم قضاء الصلوات الفائتة تكاسلاً بين وجوب القضاء ورأي عدم الوجوب كزجر.
يشير إلى أن من أدى واجبه عليه التوبة والإكثار من النوافل لأن الحسنات تمحو السيئات، لتكون تذكرة للذاكرين وطريقاً للنجاة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد، قال الناظم أبو إسحاق الإلبيري الأندلسي رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين: قال: فقلت من الذنوب ولست تخشى، فقلت من الذنوب ولست تخشى، فقلت من الذنوب ولست تخشى لجهلك أن تخف إذا وزنت، وتشفق للمصر على المعاصي وترحمه ونفسك ما رحمت. وهذه الأبيات كما سبق معنا يبين الناظم رحمه الله تعالى فيها أن الناصح ليس مبرأ من العيوب وليس سليما من الأخطاء، وأن لهذا الذي ينصحه له الحق أن يرد على الناظم فيقول له هذه المقالات، ومنها: فقلت من الذنوب ولست تخشى لجهلك أن تخف إذا وزنت. "إذا وزنت" هنا يبين رحمه الله تعالى أن الذنوب التي فعلها - يعني يبين الناظم رحمه الله تعالى أن الذنوب التي فعلها - كثيرة وثقيلة. والذنوب يا إخوان كم تثقل كاهل صاحبها، كما قال ربنا عز وجل: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾. فمع كون الذنوب ثقيلة إلا أنك لا تخشى أن تخف موازينك، وهذا يا إخوان كله بسبب الجهل الذي يكون عليه الإنسان، فتجده يفعل المعاصي ولا يبالي، يفعل المعاصي ولا يبالي، لربما يغفل عن موقف الحساب والجزاء بين يدي الله عز وجل. فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾. ثقلت موازينه بماذا؟ بالأعمال الصالحات وبأجر الأجور والحسنات. والمصيبة يا إخوان هي العكس، كما في قوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾. وقوله سبحانه: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾، قيل المقصود بها أو به أنه كما أنه في الدنيا إذا أصابه شيء يأوي إلى أمه، ففي ذلك اليوم لا مأوى له إلا إلى النار، فأمه هاوية. ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾. وقيل: فأمه هاوية، أي أنه يهوى به على أم رأسه إلى النار، وبئس القرار. وهكذا أيضا ربنا عز وجل يقول: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾. والميزان يا إخوان هذا من الأمور الغيبية التي جاء ذكرها في كتاب الله عز وجل وفي سنة نبينا صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه السلف. وهذا الميزان يضعه ربنا عز وجل في ذلك اليوم: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾. وجاء في الأحاديث أن الأشخاص يزنون، وأن الصحف توزن، وأن الأعمال كذلك توزن. يؤتى بالرجل السمين من أهل النار فيوضع في الميزان فلا يزن شيئا، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. والنبي صلى الله عليه وسلم قال حين أن ضحك بعض الصحابة من دقة ساقي عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: «تضحكون من دقة ساقيه؟ إنهما في الميزان عند الله عز وجل أثقل من جبل أحد». وهكذا أيضا توزن الصحائف، ففي حديث عبد الله بن عمر في قصة صاحب البطاقة - من هو صاحب البطاقة؟ ما قصته يا أبا عبد الرحمن؟ ما قصته؟ - يعني يؤتى بسجلات عظيمة، تسعة وتسعين سجلا من ماذا؟ أحصنت من المعاصي والسيئات. فتوضع في الميزان في الكفة الأخرى، نعم، فما الذي يطيش؟ أحسن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه يا إخوان، فيه فضل التوحيد على أهله، وأن الشخص إذا مات على التوحيد مات على خير ولو كان عنده من المعاصي ما عنده، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت. حديث البطاقة هو أنه يؤتى برجل ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلا من السيئات، فتوضع في الميزان، فيقال له: هل لك شيء؟ هل لك حسنة عملتها؟ يقول: لا، لم يبق لي شيء. فيقال: بلى، لك عندنا حسنة. فتخرج له بطاقة فيها كلمة التوحيد. فيا إخوان توضع في الكفة الأخرى فتطيش السجلات، تطيش السجلات. وهكذا أيضا جاء في بعض الأحاديث أن الأعمال توزن، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين قال: قال عليه الصلاة والسلام: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي الدرداء: أخبر عليه الصلاة والسلام أنه ليس هناك أثقل في ميزان العبد المؤمن من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء. وكم يا إخوان هي السعادة التي تغمر العبد حين أن يرى موازينه تثقل بالأعمال الصالحة والأجور والحسنات، وكم هي يا إخوان علامات الشقاوة تظهر علما عظمت وكثرت الأعمال السيئة في موازينه. فالأول كان من المفلحين الناجين الفائزين، والآخر هو من الخاسرين، أعاذني الله وإياكم من ذلك. فهنا يذكر الناظم رحمه الله تعالى أن للمنصوح أن يقول للناظم بعد أن ابيض شعره وكبر سنه وضعفت قوته: يعني أنت تنصح منذ مدة من الزمن وأنت ذنوبك ومعاصيك قد أثقلت موازينك. «فقلت من الذنوب ولست تخشى لجهلك أن تخف إذا وزنت»، أي إذا وضعت في الميزان فأصبحت لا تزن عند الله شيئا. «وتشفق للمصر على المعاصي وترحمه ونفسك ما رحمت». وهذا فيه يا إخوان بيان لما سبق ذكره، ألا وهو أن الإنسان ينبغي أن يهتم بإصلاح عيوب نفسه، ثم بعد ذلكم أيضا يهتم بإصلاح عيوب وأحوال الآخرين، ولا يجوز أن تنسيه عيوب الآخرين ما عنده من العيوب وما عنده كذلك من الأخطاء. وقد ذكر الإمام أبو حاتم ابن حبان البستي رحمه الله تعالى، وابن حبان يا إخوان له كتاب حافل، له كتاب عظيم حافل سماه بماذا يا أبا سعد؟ سماه يا أبا عبد الله: «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء». روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، وهو كتاب عظيم يا إخوان يغترف منه العلماء اغترافا. قال ابن حبان رحمه الله تعالى: قال: الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه. قال: فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يتعب قلبه. قال: فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من عيب أخيه. قال: وإن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه وتعب بدنه وتعذر عليه ترك عيوب نفسه. قال: وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عاب بما فيه. ومن عاب الناس عابوه، ومن ذمهم ذموه. هكذا يقول رحمه الله تعالى. وذكر الإمام عون بن عبد الله رحمه الله تعالى وغفر له، ذكر رحمه الله تعالى قال: ما أحسب أحدا يفرغ لعيب الناس إلا عن غفلة غفلها من نفسه، ولو اهتم لعيب نفسه ما تفرغ لعيب أحد ولا لذمه. وهذا هو الحاصل يا إخوان: إذا رأيت إنسانا كثير الاشتغال بعيوب الآخرين فاعلم أنه قد مكر به وأنه قد أنسي عيوب نفسه، وإلا لو استشعر ما عند نفسه من العيوب لاستعظم أن ينشغل أو أن يكثر من الاشتغال بعيوب الآخرين. وليس معنى هذا يا إخوان ترك النصيحة، ليس معنى هذا أنه لا ينصح الناس إلا معصوم، لكن المقصود من هذا أن الإنسان يجعل همه الأعظم وشغله الأكبر هو الاشتغال بعيوب نفسه والحرص على إصلاحها، مع ما يبذله للآخرين من نصح وإرشاد وتوجيه. ولهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد نبه من خطورة ذلك كما جاء عند الإمام ابن حبان وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجذع في عينه معترضا». يعني الواحد يرى عيوب الآخرين ولو كانت صغيرة، يدقق فيها، أخوه - أخوه - لربما خرجت منه كلمة مسكها عليه. وهذا يا إخوان ليس من الأخلاق الحسنة تتبع العثرات، وكذلك البحث عن الزلات. فتجد أنه يدقق في عيوب الآخرين ولو كانت دقيقة خفية، ويتناسى العيوب الظاهرة التي في نفسه. هنا يقول عليه الصلاة والسلام: «يبصر أحدكم القذى أو القذاة في عين أخيه»، والقذى هو ما يقع في العين من وسخ، أو ما يقع في الشراب من ثراب أو أذى أو غير ذلك. «وينسى الجذع»، والجذع معروف أصل الشجرة. وهكذا قوله: «الجذل»، وهو كذلك أيضا أصل الشجرة إذا قطع. وما أحسن قول من قال: قبح من الإنسان ينسى عيوبه ** ويذكر عيبا في أخيه قد اختفى أو قبيح من الإنسان ينسى عيوبه ** ويذكر عيبا في أخيه قد اختفى ولو كان ذا عقل لما عاب غيره ** وفيه عيوب لو رآها بها اختفى وقال آخر: لا تكشفن مساوئ الناس ما ستروا ** فيكشف الله سترا عن مساويك واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ** ولا تعب أحدا منهم بما فيك والشافعي رحمه الله تعالى تنسب إليه هذه الأبيات الجميلة، قال: إذا شئت أن تحيا سليما من الأذى ** ودينك موفور وعرضك صين فلسانك لا تذكر به عورة امرئ ** فكلك عورات وللناس أعين وعينك إن أبدت لك مساويا ** فصنها وقل يا عين للناس أعين وكان بعض السلف رحمهم الله عليهم يقول - وعزي هذا إلى الإمام مالك رحمه الله تعالى - كان يقول: رأيت أقواما من الناس لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس، فستر الله عيوبهم. يقول: رأيت أقواما من الناس لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس فستر الله عيوبهم، وزالت عنهم تلك العيوب. وهذه ثمرة جميلة يا إخوان أن الله عز وجل يرزقهم - آه ماذا - زوال تلك العيوب عنهم. قال: ورأيت أقواما لم تكن لهم عيوب، اشتغلوا بعيوب الناس، فصارت لهم عيوب، فصارت لهم عيوب. فللهذا يا إخوان رحم الله من حفظ لسانه وقلبه ولزم شأنه وكف عن عرض إخوانه وأعرض عما لا يعنيه من الأمور، فإن ذلك يعتبر من أسباب النجاح. وفي حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: قال: من نجاه؟ قال: من نجاه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: آه، ماذا؟ «أمسك عليك لسانك، وابك على خطيئتك، وليسعك بيتك». فهذه تعتبر ماذا؟ تعتبر من أسباب النجاح، من أسباب النجاح. فهذه من الآداب العظيمة التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم وطالب العلم على وجه الخصوص، لا يتتبع عورات الآخرين، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن يتتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله، ولو في جوف رحله. وأيضا نكرر: ليس معنى هذا عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو عدم النصح للمسلمين، وإنما هذه تعتبر أصول عظيمة، لكن المقصود هو أن الإنسان لا تشغله عيوب الآخرين عن عيوب نفسه، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، أولئك هم الخاسرون، أولئك خاسرون، صح الفاسقون، أولئك هم الفاسقون. فنسأل المولى جل في علاه أن يحفظ علينا ديننا وأن يتوفانا مسلمين وأن يصلح ظاهرنا وباطننا وسرنا وعلانيتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. هنا يقول: هل قضاء الفوائت من الصلوات الخمس يكون على من تركها لعذر فقط؟ فكيف بمن تركها تكاسلا؟ فهل يجب عليه القضاء؟ مر معنا قريبا أن قول أكثر العلماء هو وجوب القضاء في حق من ترك الصلاة ولو متعمدا متكاسلا، ولو متعمدا متكاسلا. وذهب بعض العلماء إلى أن ذلك لا يجب، وليس هناك دليل يوجب على من ترك الصلاة متعمدا متكاسلا أن يقضيها، كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم. وسبق معنا ما ذكره الإمام ابن رجب الحنبلي: يقول: ليس عندنا دليل نلزم به التارك للصلاة متعمدا بالقضاء، بالقضاء. وليس معنى عدم القضاء التساهل في ترك الصلاة، وإنما هم يقولون: عقوبة له وزجرا له أنه لا يقضيها، لو قضاها لشعر بأنه أصلح شيئا من الخلل وغطى شيئا من النقص، لكن قالوا: عقوبة له وردعا له أنه لا يقضيها لكي يستشعر عظمة الذنب. فمن قضى يعني لا ينكر عليه، لكن الذي يجب عليه هو التوبة إلى الله عز وجل وأن يكثر من النوافل، فإن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين. طيب، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر لك ذ Daily ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ضرورًا ترجمة نانسي قنقر