الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 26، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح الشيخ أبيات المنظومة التي يعاتب فيها الناظم نفسه أو المنصوح، مبيناً أن بكاء العينين دماً من خوف الذنوب لا يضمن الأمن من عذاب الله ما لم يقم العبد بواجب العبودية من طاعة الأوامر واجتناب النواهي، وهذا العتاب الذاتي يدل على تواضع الناظم وشدة محاسبته لنفسه.
يبين المقطع الفرق الجوهري بين المؤمن الصادق الذي يجمع بين الإحسان والخوف من عدم قبول عمله، والمنافق الذي يجمع بين الإساءة والأمن من مكر الله، مستدلاً بأحاديث نبوية وآيات قرآنية تؤكد أن خوف المؤمن ناتج عن عدم جزمه بإتمام العبادة على الوجه الأكمل.
يؤكد المقطع أن المؤمن لا يأمن مكر الله وتقلب القلوب إلا بعد دخول الجنة، مستدلاً بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم للثبات، وآية طلب عدم الزيغ بعد الهدى، وقول الإمام أحمد أن راحة المسلم تكون عند أول قدم يضعها في الجنة، مع التنبيه إلى ضعف حديث منسوب لأبي بكر في ذلك.
يختتم المتحدث حديثه بالدعاء للحضور بالتوفيق والرضا، والصلاة على النبي محمد، والحمد لله، مع الشكر المتكرر على حسن الاستماع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع أبيات منظومة أبي إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى وغفر له. وكنا في الدرس الماضي أخذنا ثلاثة أبيات، ألا وهي قوله: ويقبح بالفتى فعل التصابي وأقبح منه شيخ قد تفت وأنت أحق بالتفنيد مني ولو كنت اللبيب لما نطقت ونفسك ذم لا تذمم سواها بعيب فهي أجدر من ذممت فهل عندنا من حافظ تقرأ؟ تفضل. أحسنت. قال رحمه الله تعالى: "لذنبك لم أقل لك، لذنبك لم أقل لك". أحسنت. قال رحمه الله تعالى: ولو بكت الدماء عيناك خوفا لذنبك لم أقل لك قد أمنت ومن لك بالأمان وأنت عبد أمرت فمأت مرت ولا أطعت عندكم ماذا؟ فقلت: طيب، أحسنت. وثقلت أو ثقلت من الذنوب ولست تخشى لجهلك أن تخف إذا وزنت. قد يحصل بين النسخ شيء من التقديم والتأخير، قد يحصل بين النسخ يعني شيء من التقديم لبعض الأبيات أو التأخير. وهنا يا إخوان، كما سبق معنا أن الناظم رحمه الله تعالى لا زال يتحدث على لسان من يعاتبه، يعاتبه وهو ذلكم الشاب المنصوح الذي يكنى بأبي بكر. فجاء بعد ذلكم يعيد العتاب على نفسه، فيقول لهذا المنصوح: "لك أن تقول أيضا، لك أن تقول أيضا". فذكر هذا العتاب الذي أعاده على نفسه، وهذا كما سبق يدل على تواضع عظيم لدى الناظم رحمه الله تعالى. فهنا يقول: "ولو بكت الدماء، ولو بكت الدماء عيناك خوفا لذنبك لم أقل لك قد أمنت". ويعني بذلك، ويعني بذلك يا إخوان: أي لو لم يكن عيناك، أو لو بكت عيناك دما من ذنوبك وتفريطك، لا أستطيع أن أقول لك أنك بذلك البكاء قد أمنت من الهلاك وأمنت من عذاب الله عز وجل. ثم بيّن سبب ذلك، قال: "ومن لك بالأمان وأنت عبد أمرت فمأت مرت ولا أطعت". أي: كيف يحصل لك الأمن وقد حصل منك التفريط والتقصير والإساءة، ولم تقم بمقام العبودية لله عز وجل كما ينبغي؟ في ماذا؟ في الإتيان بالأوامر والانتهاء عن النواهي. وهنا يا إخوان ينبغي أن نعلم أن العبد الصادق لا ينبغي له أن يكون آمنا، أن يكون آمنا على ما معه من الإيمان، بل عليه أن يكون دائما خائفا وجلا أن يبتلى ببلية أو تصيبه مصيبة فتسلب ما معه من الإيمان، فعليه أن لا يكون على يقين من السلامة. وهذا يا إخوان من الفوارق العظيمة بين المؤمن الصادق وبين المنافق الفاجر. فالمؤمن الصادق يجمع بين الإحسان وبين الخوف، والمنافق يجمع بين الإساءة والأمن. المؤمن يا إخوان يعمل ويجتهد في العمل، ومع هذا كله يخاف ألا يتقبل منه، يخاف ألا يتقبل منه. بينما المنافق تجده لربما يكثر من الإساءة والتفريط، ومع هذا يأمن، يأمن مكر الله عز وجل. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في صحيح البخاري يبين ذلك فيقول: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه". هذا هو حال المؤمن، كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن ينهد عليه ذلك الجبل. "أكذا يرى ذنوبه؟ قال: وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا". كيف؟ كيف يا عيسى؟ خيل ذباب يأتي على أنف الشخص كيف يفعل؟ الإشارة تكون بماذا؟ باليد. قال: "قال به هكذا"، أي بيده، فذبه عنه. وجاء في سنن الترمذي وصححه العلامة الألباني رحمه الله كما في سلسلته الصحيحة أن عائشة رضي الله تعالى عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، قالت: يا رسول الله، هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون". وينبغي يا إخوان أن نلاحظ السر في خوف المؤمنين ألا تقبل منهم هذه العبادات. السر في ذلك كما نص على هذا غير واحد من أهل العلم هو أن القبول متعلق بالقيام بالعبادة كما أمر الله عز وجل، وهؤلاء المؤمنون لا يستطيعون الجزم بأنهم قاموا بها على الوجه الأكمل الذي أمر الله عز وجل به أن يؤتى. فلهذا يا إخوان المؤمن تجده يخاف، يعمل العمل وهو يخاف أن لا يتقبل منه. وزد على ذلك أيضا أن المؤمن لا يأمن مكر الله عز وجل، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، إلا القوم الخاسرون. لا يأمن أنه يزيغ بعد أن كان على هدى، أن كان بعد أن كان على هدى، أو ينحرف بعد أن كان على استقامة. ولهذا يا إخوان كان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم، سئل عن ذلك، أخبر أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، يقلبها كيف يشاء. ومن دعاء المؤمنين الصادقين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. المؤمن يا إخوان متى يأمن؟ متى يأمن من العذاب ويأمن من مكر الله عز وجل؟ من يجيب يا إخوان متى يأمن؟ نعم، أحسنت: بعد فصل القضاء ودخوله إلى الجنة. فإن الله عز وجل يحلل على أهل الإيمان رضوانه فلا يسخط عليهم أبدا. أما وهو في الدنيا لا يأمن، في البرزخ لا يأمن، في عرصات القيامة لا يأمن. ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾. ولهذا لما سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى، قيل له: يا إمام، متى يرتاح المسلم؟ متى يرتاح المسلم؟ فبماذا أجاب يا أبا نظم؟ أحسنت، قال: "عند أول قدم نضعها في الجنة، عند أول قدم نضعها في الجنة". وما يذكر عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: "لو وضعت قدمي اليمنى في الجنة لم آمن أن أضع قدمي اليسرى فيها". هذا يا إخوان لا يصح ولا يثبت، وقد ذكر بعض العلماء أنه ليس موجودا في كتب الحديث، كتب السنة بإسناد صحيح، بإسناد صحيح، فلا يثبت ذلك عن أبي بكر الصديق. فماذا في هذين البيتين؟ أن المؤمن لا يأمن من مكر الله عز وجل، وأنه ماذا؟ وأنه يعمل العمل ويجتهد في العمل ويرجو من الله عز وجل أن يتقبل منه، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وكذلك أيضا يقبل على الله عز وجل بالتوبة النصوح التي قد تكون سببا لمغفرة الذنوب وتكفير الخطايا والسيئات. فنكتفي بهذين البيتين، نكتفي بهذين البيتين ونترك البقية في مجلس لاحق. أفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرا، شكرا، شكرا.