الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 27، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يبيّن المقطع وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برّهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، مستدلاً بأقوال السلف والأئمة كأحمد بن حنبل وابن المبارك وبأحاديث صحيحة تأمر بالصبر على جور الأمراء وتحريم الخروج عليهم. كما يوضح فضل معاوية على عمر بن عبد العزيز عند جمهور السلف ويرد على طعن الرافضة في الخلفاء الراشدين.
يؤكد المقطع وجوب السمع والطاعة للولاة برّهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية، وينهى عن التعاون معهم على ظلم أو الخروج عليهم، مستدلاً بآيات وأحاديث تأمر بالمناصحة سراً لا علانية. وينقل عن علماء السلف كابن القيم وابن قدامة أن مصادمة الحكام والخروج عليهم أساس كل شر وفتنة تؤدي إلى فساد أكبر.
يشدد المقطع على أن طاعة الحاكم المسلم واجبة حتى لو كان ظالماً لأن الخروج عليه يجر مفسدة أعظم من فساده، مستدلاً بأقوال السلف والإمام أحمد. وينتقد الداعين للثورات والانقلابات لكونها تفتح الباب للعلمانيين والروافض وتضيع حقوق المسلمين، معتبراً ذلك من فكر الخوارج.
يقرر المقطع أن إشارات المرور والأنظمة المرورية من طاعة ولاة الأمر في المعروف ولا تخالف الشرع، ومخالفتها معصية تستوجب العقوبة والضمان. ويؤكد أن استقرار البلد تحت حاكم ظالم خير من الفوضى، وأن الخطاب الثوري المحرض يخدم أعداء الإسلام بينما العلماء يراعون المنهج الشرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أيضا من المسائل المهمة أن السلف قولهم في هذا الباب، وقول أئمة العلم: أكثر السلف وأئمة العلم على أن معاوية رضي الله عنه أفضل من عمر بن عبد العزيز، وهو أحد الملوك العادلين المقسطين، رضي الله عنهم جميعا ورحمهم. والشافعي كان يقول: لما ذكر حديث الخلافة كحديث سفينة كان يقول: «وخامس الخلفاء عمر بن عبد العزيز»، وليس هذا قدحا في معاوية رضي الله عنه وأرضاه، وإنما المعنى أن في زمن عمر بن عبد العزيز كان العدل أظهر، وكان الخير أكثر، هكذا توجيه كلامهم. وقد سئل أحمد بن حنبل وعبد الله بن المبارك: أيهما أفضل، عمر بن عبد العزيز أو معاوية بن أبي سفيان؟ فقالا رحمهم الله: «غبار دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمل عمر بن عبد العزيز»، رضي الله عن الجميع وأرضاه. وأما الرافضة فإنهم يطعنون في خلافة الخلفاء الراشدين، فضلا عن غيرهم، حتى خلافة علي ليسوا راضين عنها، في كتاب المجلسي وكتاب الكليني وغيرهم من أئمة الرفض يطعنون في علي بن أبي طالب، لأنهم يرونه أضاع حقه فيمقتونه ويطعنون فيه، هذا معلوم عنهم وعن بعض كبار أئمتهم، فنسأل الله العافية منهم ومن شرهم. قال رحمه الله: فصل، ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله سبحانه وتعالى. ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، وجبت طاعته وحرمت مخالفته فيما ليس بمعصية، والخروج عليه وشق عصى المسلمين. هذا الفصل من الفصول العظيمة في هذا الكتاب النافع، الذي فيه معتقد السلف الماضين والأئمة المهتدين. ذكر رحمه الله أن من السنة، يعني طريقة أهل السنة ومنهجهم، ومنهجهم وعقيدتهم التي من خالفها فهو مبتدع ضال زائغ مفتون، هذا معنى قوله: «ومن السنة»، أي الطريقة والمنهج الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار عليه الصحابة من بعده رضي الله عنهم وأرضاهم، من خالف هذا المنهج والسير فإنه من أهل البدع والضلالات، عافانا الله جميعا من ذلك. ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، هذا الأصل الذي هو من السنة، ومن عقيدة أهل السنة، ومن منهج أهل السنة، ومن طريقة أهل السنة، أصل عظيم حصل الخلل به في كثير من الأزماء. ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، فتجب الطاعة والسمع ولزوم الجماعة للحكام المسلمين وللأمراء المؤمنين، ولو كانوا فجارا عاصين معروفين مشهورين بالعصيان والفجور، نسأل الله السلامة والعافية، ففجورهم ومجاهرتهم بالمعاصي لا يعني، لا يعني إسقاط السمع والطاعة عنهم، بل السمع والطاعة باقية لهم وإن كانوا عصاة فاجرين. قال رحمه الله: ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين، من السنة التي يرضى الله عنها ويثيب عليها، ومن السنة التي يرضى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويثيب عليها، ومن السنة التي هي إجماع العلماء والمسلمين، السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم. قال: ما لم يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بمعصية قال: فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله سبحانه وتعالى، فالطاعة طاعة في المعروف، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الذي أمره على جماعة في غزوة، فأمرهم أن يجمعوا حطبا ثم أمرهم أن يدخلوا، فهم بعضهم أن يدخل، ثم قالوا: إنما أسلمنا فرارا من النار، أفندخلها بأرجلنا؟ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف، إنما الطاعة في المعروف». هذا الأصل أصل عظيم جاءت ببيانه الأحاديث والآثار الكثيرة جدا في الصحيحين، في صحيح البخاري ومسلم أحاديث كثيرة جدا في هذا الباب، في حديث ابن عباس في صحيح البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كره من أميره شيئا»، أي من معصية الله أو من الظلم أو الفجور أو الطغيان أو فعل المعاصي أو نحوها من المنكرات، «من كره من أميره شيئا فليصبر»، من كره من أميره شيئا فليصبر، «فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فمات مات ميتة جاهلية»، فإنه من خرج من السلطان شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية. في حديث، أحاديث كثيرة في الباب، في هذا الباب أحاديث كثيرة كحديث حذيفة، حديث سلمة بن يزيد الجهني الجعفي رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله، أرأيت لو كان علينا أمراء، لو قامت علينا أمراء يأمروننا بحقهم ولا يعطون، ويمنعوننا حقنا، فما تأمرنا؟ يأخذون ما لهم ويأمرون الناس أن يفعلوا معهم حقوقهم كاملة، ولا يفعلون مع المؤمنين شيئا مما يجب أن يعملوه من حقوقهم في الطاعة، في العمل، في النفع، في أشياء كثيرة، لا يفعلون مع المسلمين شيئا، فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن سلمة بن يزيد الجعفي ولم يجبه، فأعاد عليه السؤال مرة ثانية فلم يجبه، فأعاد عليه السؤال مرة ثالثة فلم يجبه، حتى جبذه أحد الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم». هذا جواب النبي صلى الله عليه وسلم وفتياه: اسمعوا وأطيعوا، كونهم ظلمة، كونهم طغاة فجرة، كونهم جبابرة فسقة، لا يعني أن تنزعوا يدا من طاعتهم، بل اسمعوا وأطيعوا، أي في المعروف، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم، هكذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم، يفهمه من فهم مقاصد الشرع، الذي يفهم مقاصد الشرع يعرف معنى جواب النبي صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا عند الله سبحانه وعليكم ما حملتم». هكذا يأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في حديث ابن مسعود أيضا في الصحيحين، قال صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها»، أثرة يعني استئثارا بالدنيا واستئثارا بالحقوق، أثرة وأمورا تنكرونها، ما من مسلم يراها إلا ويقول: هذا منكر لا يجوز، وأمورا تنكرونها. انظر إلى جواب الصحابة رضي الله عنهم حين سمعوا من رسول الله هذا الأمر، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ هذا السؤال اليوم مفقود عند أكثر المسلمين، ما يأمر رسول الله الناس إذا ولي عليهم حاكم ظالم، ما يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إذا ولي عليهم حاكم أو أمير أو نحو ذلك يأمرهم بخلاف السنة أو المعصية، هل ينزع الطاعة مطلقا أم ماذا يفعلون؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد سأله ابن مسعود والصحابة، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا إليهم حقهم»، أي من السمع والطاعة وعدم الخروج وعدم الشقاق وعدم الفوضى وعدم شحن الصدور، «أدوا إليهم حقهم، وسألوا الله حقكم». بعض أهل الفتن حين سمع هذه الأحاديث قبل سنوات قال كلمة شنيعة وكلمة عظيمة، قال: أنا أكفر بحديث يأمر بإعانة الظالم، هكذا يقول بعض الحماسيين الجهال، ولولا أنه جاهل لا يعقل ما يقول لكان من الكافرين، عياذا بالله، لا يعترض على مثل هذه الأحاديث الصحاح التي اتفق عليها البخاري ومسلم بمثل هذه الاعتراضات إلا مفتون، نسأل الله العافية والسلامة. «سيكون عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن أنكر فمن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع»، قالوا: أفلا نقاتلهم يا رسول الله؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة»، أخرجه مسلم في صحيحه. عن أم سلمة، أمور منكرة كما هو الواقع اليوم، تهيج عظيم، طيب ما المصلحة من ذلك؟ يقول علماؤنا: ما ذكره المصنف رحمه الله: «ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله سبحانه وتعالى»، هذا معتقد السلف ومعتقد الأئمة في هذا الباب. ولا يجوز يعانتهم على الظلم، لا يجوز التعاون معهم في ظلم أو معصية، إن أمرك الحاكم بمعصية فلا تطعه، كقول بعض الحكام: اخرجوا مظاهرات، أو اعملوا مثلا اعتصامات، هذا أمر بمعصية الله، أو سبوا فلانا، هذا أمر بمعصية الله، أو افعلوا جريمة معينة، أو تعاونوا معي على فلان وهذا ظلم لفلان، فهذا لا يجوز. في حديث خباب بن الأرت عند الإمام أحمد: «اسمعوا»، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا»، قالوا: يا رسول الله، وماذا؟ قال: «إنه سيكون عليكم أمراء، فلا تعينوهم على ظلمهم، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولا يرد علي الحوض»، أخرجه أحمد وإسناده حسن، لا يرد على النبي صلى الله عليه وسلم الحوض، فلا يجوز التعاون مع الحاكم في معصية، ولو كانت ظلما، سواء كانت ظلما لمسلم أو غير ذلك، لا يجوز، إنما الطاعة في المعروف، الطاعة في المعروف. في صحيح مسلم أيضا عن عوف بن مالك مرفوعا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تلعنونهم ويلعنونكم وتدعون عليهم ويدعون عليكم»، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «لا تنزعوا يدا من طاعة، لا تنزعوا يدا من طاعة، واكرهوا ما يأتون من معصية الله، اكرهوا ما يأتون من معصية الله، ولا تنزعوا يدا من طاعة». نزع اليد من الطاعة يكون باللسان، ويكون بالقلم، ويكون باليد، ويكون بالرجل، فمن سعى في الخروج على أولاة الأمور الحكام المسلمين فقد نزع يد الطاعة، ولا يجوز، هذا الباب، هذا الباب لا يجوز نزع يد الطاعة من ولاة المسلمين، فليكره ما يأتي من معصية الله، اكره المعصية بقلبك. في حديث أم سلمة: «فمن أنكر فقد برئ»، قال العلماء: أنكر بقلبه فقد برئ من الإثم، فتحوا مراقص، فتحوا كذا، انصح بالتي هي أحسن سرا بينك وبينهم، كما في حديث ابن غنم عبد الرحمن بن غنم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان له نصيحة لذي سلطان فلينصح له سرا»، هكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فتنصح له سرا وتعظه وتذكره بالله وتخوفه من عقوبة المعصية وعقوبة المحادة، وأن الله سيسأله عن هذه الرعية، وأنه سيدخل النار إن لم يحكم فيهم بحكم الله عز وجل، وينصح لهم، «من استرعاه الله رعية ثم لم يحطها بنصحه لم يرح رائحة الجنة»، هذا الحديث في إسناده شيء من الضعف، ولكن شواهده تدل على ثبوته، بشواهده هو ثابت. وفي القرآن في سورة النساء ما يدل عليه، في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾، قال الله في آخر تلك الصفحة: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم، الآية قبل الأخير: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾. هذا الصنف من الناس، هذا حكم، فأعرض عنهم، وعظهم، وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا، هذه الآية كما يقول المفسرون نص في المناصحة السرية لمن هذا الصنف، صفته، وكان من هذا الصنف، أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم، بما لا تعلمه أنت، فأعظهم موعظة رقيقة، ذكرهم بالله، فأعظهم وقل لهم، فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم، ليس على المنابر، ولا على صفحات الجرائد، ولا كما يفعل بعض الناس على تغريدات تويتر، أو على الفيسبوك، أو على أجهزة الواتساب، أو أو أو، لا، هذا ليس من أمر الله عز وجل، وقل لهم في أنفسهم، هكذا قال الله، أي بينك وبينهم قولا بليغا، قول بليغ نافع معين. مصادمة الحكام اليوم، كثير من رؤوس الجماعات اليوم كانوا شبابا متحمسين، فلما ظهر الشيب في عارضهم قالوا: اليوم يقولون إن منازعة السلاطين والحكام لا فائدة منها، الكلام الذي يقوله ابن قدامة وأئمة السلف في شرح مثل هذا الموضع: إن مصادمة الملوك والسلاطين لا تجعل الشر أخف، بل تجعل الشر أعظم، وتجعل الفساد أكبر، تخرج من أجل معصية صغيرة فيتولد من الشر ما هو أكبر. ولهذا يقول ابن القيم كلمة، يقول: الإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر، أساس كل شر وفتنة، إلى آخر الده، هكذا يقول ابن القيم، إلى أن قال: ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار، في الفتن الكبار، رآها من إضاعة هذا الأصل، رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه، انتهى كلام ابن القيم رحمه الله، وقد توفي سنة ثنتين وخمسين وسبعمائة للهجرة، كأنه يعيش معنا، كأنه يعيش معنا اليوم. ماذا جرى للمسلمين من الخير في العراق؟ ماذا جرى للمسلمين من قلة الشر في مثل لبنان أو سورية أو اليمن؟ اليوم ينظر العاقل بعينيه وعيني قلبه، ويسمع بأذنيه، ويعقل الأمور، هل الشر صار معدوم أو ضعيف، أم تضاعف الشر؟ صدق ابن القيم رحمه الله. ولهذا الجماعات اليوم التي تدعو طلابها وتدعو عوامها وتشحن الصدور، لا يذكرون حقوق ولاة الأمور التي ذكرها الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم على المنابر، بل وجد من بعضهم يدرس هذه الكتب، فإذا جاء إلى مثل هذا الباب طفر عليه وقرأ الباب الذي بعده، طيب هذه الأحكام ألا تنطبق اليوم على زماننا، أم أن زماننا شيء آخر؟ نسأل الله العافية والسلام. تجلس معهم فيقول: الحاكم مسلم، طيب إذا كان مسلما كما تدعي، أين حقوق المسلم؟ فيجب النظر في خير الخيرين والحذر من شر الشرين، لا يجوز دفع مفسدة بأكبر منها، تخرجون على حاكم فتمتلئ السجون من الشباب، ويقتل الأبرياء، ويصعد العلمانيون، ويصعد الليبراليون، ويصعد الملحدون، ويحصل للإسلام ما الله به عليم، وتصعد الرافضة الحوثية، أو كتائب بدر، أو الحشد الشعبي، أو فيلق، أو جيش فلسطين، أو سرايا القدس، أو غيرها من ألوية الرافضة على أعناق المسلمين وأكتافهم، بسبب تضييع هذا الأصل. ويأتي بعض الناس اليوم، غفر الله له، ويقول: أين المسلمون مما يجري في القدس؟ قلنا: أنتم أهلكتم المسلمين بالفتن، بالثورات، بالانقلابات، ما من بلد كنتم فيه إلا وأحدثتم من الاضطرابات ما الله به عليم، ماذا تنتظرون منهم؟ لو أحسنوا في حفظ بلدهم لكانوا أحسن الناس، فضلا عن أن يذهبوا إلى القدس أو ينقذوا، أو ينقذوا المسلمين في حي الشيخ الجراح، أو حي الشيخ جراح، فرج الله عنهم. تدمرون المسلمين وبلدانهم بالفتن وبالثورات وبزعزعة الولاء وبالحكام، ثم تتباكون على غزة وتطلبون النصرة، ممن تطلبون النصرة؟ من بلدان هي بحاجة إلى النصرة، سبحان الله، أي عقول هذه، وأي أفئدة تحمل مثل هذا الأمر؟ هؤلاء ليسوا بصادقين ولا مصدقين، إما أن يكونوا مجسوسين، وإما أن يكونوا بلها مغفلين، لا يخلو الحال من هذين الأمرين، إما أنهم مجسوسون عن عمد يفعلون هذا، يحدثون الفتن، ماذا تنتظرون؟ أتريدون جيشا من اليمن أن يخرج فيحرر القدس؟ لا يستطيعون هذا، أتريدون أهل العراق وقد حصلت الفتن؟ أتريدون أهل سوريا؟ تلومونهم، تلومون من، سبحان الله، نسأل الله العافية والسلام. لهذا الإخوان المسلمون، لا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا، يعينون أعداء الإسلام في بلدان المسلمين على المسلمين، سواء كان على المسلمين من أصحاب التنظيمات الجهادية، أكبر من يخونهم الإخوان المسلمون، أكبر من يخون أصحاب التنظيمات، من تنظيم القاعدة، وهم أفراخ الإخوان، لكن أول من يبيعهم في صفقات مع أعداء الإسلام هم الإخوان المسلمون. ولهذا يكتب بعضهم، قراءة مذكرة لبعض قادة الجهاد المزعوم في سوريا، يتباكى من بيع الإخوان المسلمين لهم، يتباكى بكاء عظيما، ويقول: باعونا كصفقة مع الأسد، ومع المخابرات الأمريكية، يبيعونهم. وحدثني أحد طلبة العلم الذين كان يقرأ معنا، عن وهو في قطر، عن لقاء للشيخ محمد سرور رحمه الله، قال: قال للجماعة إذ لقيهم: بلغوا عن هؤلاء، أي الشباب الذين في تنظيم القاعدة وداعش وغيرهم، بلغوا عنهم، ثم قال لهم: بلغوا عنهم حتى تبعدوا التهمة عن أنفسكم وتجدون منزلة عند الحكام، هكذا يقول لهم، غفر الله له ورحمه وتجاوز الله عنا وعنهم، فهذه مصيبة عظيمة، مصيبة عظيمة. خلاف هذا الأصل، إنهاك لدول المسلمين، اليوم في اليمن كنا في أزمان الرئيس السابق، على ما فيه، خيرا من وضعنا اليوم، لو لم يكن إلا أن الرافضة لم تتمكن، واليوم تمكنت وأخذت كثيرا من البلاد، نسأل الله أن يلطف بالمسلمين، لو لم يكن إلا هذه المفسدة فكيف بغيرها؟ فالفتن والثورات لا خير فيها. هذه الأحاديث يقول العلماء في شرحها: إن فيها تقديما لأعلى المصلحتين، ودفعا لأعظم المفسدتين، هكذا يقول العلماء من ألف عام إلى اليوم، لكن أين من يفهم كلامهم؟ أين من يفهم كلامهم؟ «من كره من أميره شيئا فليصبر»، هكذا يأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فليصبر، «فإنه من خرج من السلطان شبرا فمات مات ميتة جاهلية». يقول رحمه الله: ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، أو غلبهم بسيفه، هذه طرق ثبوت الولاية الشرعية، إما أن يكون بالبيعة الشرعية، اجتمع أهل الحل والعقد فيبايعوا شخصا ما فيبايعونه، فيلزم المسلمين في ذلك البلد طاعة ذلك الحاكم، فيسمى طاعة حاكما بالرضا، أي باختيار أهل الحل والعقد. ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، القسم الثاني: أو غلبهم بسيفه، حصل قتل وقتال، فتغلب هذا وسيطر على البلد، وصارت البلد تحت حكمه وسيطر، فهذا سلطان بالغلبة وحاكم بالقوة، فمثل هذا يصير حاكما يجب طاعته، يخرج عن هذا من لم يتمكن، يخرج عن هذا من لم يتمكن، أو كان في حرب ومد وجزر، فهؤلاء لا يثبت لهم حكم الطاعة. قالوا: من ولي من الخلافة، ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، هذا وصف من باب تحصيل الحاصل، سمي أمير المؤمنين، سمي حاكم المسلمين، سمي رئيس الدولة، سمي رئيس الجمهورية، سمي الأمير أو السلطان أو الولي أو الوالي، الاسم لا يضر، وجب طاعته، هذا الحكم، وجب طاعته، أي الطاعة في المعصية أو في المعروف، عندك أبا حمزة، في المعروف، إن أمر بمعصية لا يطاع في المعصية، يعصى في معصية الله، لا يطاع فيها ولا يبرر له ويلتمس المعاذير في معصية الله عز وجل، بل كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن كره»، أي بقلبه، فقد برئ وسلم، ولكن من رضي وتابع، لا ندافع ونجعل شغلنا نشاغل التأويل، وأوقات تمضي في التأويل لبعض الحكام، هذا مما لا ينبغي فعله، لا ينبغي فعله، لا ننزع يدا من طاعة، ولا نغرهم بالثناء عليهم، وبتزيين المعاصي لهم، وبعقد المبررات لفعلهم الخطأ، إنما نسكت ونكره بقلوبنا المعصية، ولا نعين عليهم خارجا، لا باللسان ولا باليد. وجبت طاعته وحرمت مخالفته فيما ليس بمعصية، والخروج عليهم، أي حرام الخروج عليهم، وشق عصى المسلمين، لأن مصلحة جمع الكلمة أعظم من مصلحة صلاح الحاكم، جمع الكلمة واجتماع المسلمين أعظم. هذا الكلام قاله السلف رضي الله عنهم، وقد ذكره الإمام أحمد في رسالته، رسالته أصول السنة، وقد تقدم شرحها في دورة سابقة، تقدم شرح رسالة أصول السنة للإمام أحمد، ومن ذلك قول الإمام أحمد: «ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين قد كانوا اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة، وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان، بالرضا أو الغلبة، فقد شق هذا الخارج عصى المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية»، انتهى كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورضي الله عنه. هذه عقيدة السلف التي اليوم كثير من الناس للأسف إذا رأى المعاصي توانى عن الطاعة في المعروف، يرى حاكما يأمر بفتح المسارح، فتح بعض دور الخنا، وإذا به يقول: والله لا أطيعه، فيتجاوز الحد الشرعي من إنكار المنكر في قلبه أو في لسانه إن استطاع عند السلطان، إلى عصيانه في الطاعة، إذا أمر الحاكم بشيء فيه طاعة خالفه وتوانى عن فعله، وهذا غبار من غبار الخوارج، هذا من فكر الخوارج، عياذا بالله. الواجب السمع والطاعة في المعروف، واجتناب المعصية، من الأمور التي يلزم منها السمع والطاعة أيضا إشارات المرور، إشارات المرور التي وضعها الحكام، هذه الإشارات والأنظمة لا تخالف الشريعة، لا تخالف الشريعة، بل هي من مقتضى أصول الشرع، غالبها يوافق أصول الشرع، وقد جاء في كلام الفقهاء ما يدل على أكثرها، فاللازم في مثل هذا الموضع طاعة ولاة الأمر في إشارات المرور، وجدت الإشارة مغلقة لا تتجاوز، لا تتجاوز، ولو كنت في ليل لا توجد فيه سيارة، اجلس، هذا الذي ينبغي، وبهذا كان يفتي سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، ما استطعت أن تلزم هذه الأنظمة، فهذا من المعروف، هذا من المعروف، هذا من المعروف في مثل هذا الموضع. ولهذا كل من تجاوز إشارة المرور مخالفا لهذا الأمر فيستحق العقوبة، وكل من تعدى في المرور مخالفا إشارة المرور فإنه عاص لولي الأمر، وضامن لما جرى من ضر، إذ هذه الأنظمة العظيمة نافعة، وكم لها من قيمة، ولولي الأمر أن يعاقبه بسحب رخصة، بها قد عاقبه، أو حبسه، له وفي المال اختلاف، وقيل: قول حاكم يفصل الخلاف، فمثل هذه الإشارات ينبغي العناية بها أيضا، وكذلك بقية الطاعة في المعروف، في المعروف، وحث الناس على الطاعة وتذكيرهم بحق الجماعة، وأن بقاء البلد على حاكم ظالم خير من بقاء البلد فوضى. لهذا يقول ابن تيمية: ستون سنة مع إمام جائر، ستون سنة مع إمام جائر، خير من ليلة واحدة بلا سلطان، ليلة واحدة بلا سلطان يحصل من الجرائم ما لا يخطر ببالك من العظائم الكبار، ستون سنة تحت إمام جائر خير من ليلة واحدة بلا سلطان، أين من يفهم هذا الكلام؟ أين من يعقله؟ أين من يراجع نفسه ويراجع حساباته ويراجع دماء المسلمين التي تنزف وجراحهم التي تقطر في شرق الأرض وغربها من مخالفة هذا الأصل، وهو ترك السمع والطاعة لأئمة المسلمين؟ ليس هذا تقديسا للحكام، ولا تنصيبا لهم آلهة من دون الله، ولا عبادة لهم من دون الله، ولا تسبيحا وتحميدا وصلاة عند قصورهم، كما يقول بعض الحماسيين، لا، إنما هذا من لزوم وصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبعض الناس للأسف يريد إنكار المنكرات من العلماء أن تكون على الطريقة الخطابية الحماسية الإنشائية، والعلماء يراعون الطريقة الشرعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لسنا محرضين، ولا مثورين، ولا دعاة إلى الفتن والنزعات والنزغات بين الناس، فيأتي الخطيب ويلهب مشاعر الناس، ممن مستفيد من هذا الشيء؟ شحن الصدور، من يستفيد منه؟ مصادمة المسؤولين ومصادمة الحكام، من المستفيد منه؟ من يستفيد؟ المستفيد أعداء الإسلام، لأنهم يستلمون بلد المسلمين وهي في حالة الفوضى، يزعمون أنهم سيدعمونها لتستقر، فيفرضون أمورا من المنكرات، ومن الكفر والإلحاد، وإضعاف شوكة الدين، هم المستفيدون. ولهذا من أكبر الخطأ الذي وقعت فيه بعض الجماعات أنها سلمت بلدان المسلمين في طبق مجانا لأعداء الدين، سواء أدركوا ذلك أو لم يدركوا، فنسأل الله جل جلاله أن يبصرنا بهدى. وبقي فصلا واحد، علنا نكمله غدا، نختم الكتاب إن شاء الله، فنسأل الله جل جلاله أن يغيث المسلمين ويجمع كلمتهم، ويهدي ضال المسلمين، ويعيدنا جميعا إلى الحق المبين، ويغفر لنا ولإخواننا المسلمين، إنه جواد كريم، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.