الدرس في شرح كشف الشبهات 9، ألقاها
المشركون كانوا يوحدون توحيد الربوبية ولكنهم يشركون في توحيد الألوهية، ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إخلاص العبادة لله وحده. قاتلهم رسول الله على هذا الشرك وأمرهم بعدم دعوة أحد مع الله.
الآية الكريمة تدل على أن الله هو المستحق للعبادة وحده، وأن الدعاء يعتبر عبادة، وأن الإله الحق يجب أن يكون مالكًا متصرفًا في الأمر كله. وتقديم المعمول على عامله في الآية يفيد الحصر، وأيضًا يؤكد أن الله هو الذي يستجيب لداعيه.
يشرح معنى توحيد الدعاء وأهميته، ويبين أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ولكنهم لم يدخلوا في الإسلام بسبب عبادتهم للملائكة والأولياء، ويوضح أن الرسل دعوا إلى عبادة الله وحده وهو معنى قول لا إله إلا الله.
المقطع يشرح معنى لا إله إلا الله من خلال آية قرآنية ويبين أن الإله هو المألوه، ويختم بالدعاء والاستغفار.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس السابق ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى تقريرًا لما تقدم من أن المشركين الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يوحدون توحيدًا ربوبية، ولكنهم يشركون في توحيد الألوهية. وهذا التوحيد الذي يشركون به هو توحيد الألوهية، هو نفس ما يزعمه المتأخرون بقولهم الاعتقاد في السيد. ندخل في الدرس، قال رحمه الله تعالى: فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا، أي مقرون بتوحيد الربوبية، ولم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو توحيد الألوهية وإفراد الله عز وجل بالعبادة وحده. قال: وعرفت أنت أن التوحيد الذي جحدوه وهو توحيد الألوهية، أنكروه على علم. قال: هو التوحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد. قال: كما كانوا يدعون الله، كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلًا ونهارًا، أي المشركون كما تقدم. قال: ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا له، أو يدعو رجلًا صالحًا مثلًا، أو نبيًا مثلًا عيسى كذلك لهذا المعنى، لأجل أن يكونوا وسطًا بينهم وبين الله عز وجل يشفعون لهم عند ربهم عز وجل. قال رحمه الله تعالى: وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم على هذا الشرك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. قال رحمه الله: وكما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾، له دعوة الحق، أي له دعوة الحق وحده سبحانه وتعالى لا شريك له. له دعوة الحق وحده سبحانه لا شريك له. من أين لنا هذا الحصر؟ من أين لنا هذا الحصر لنا أو استفدنا هذا الحصر من سياق الآية؟ من سياق الآية، فإن الله عز وجل قال: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾، فقدم الجار والمجرور، قدم المعمول على عامله، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. وتقديم ما حقه التأخير يفيد ماذا؟ يفيد الحصر، كما هو مقرر في علم المعاني والبيان. وأيضًا زاد الله تعالى هذا المعنى بيانًا، فقال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾، لا يستجيبون لهم بشيء. ومعنى هذا أن الله هو الذي يدعى وحده، وهو الذي يستجيب لداعيه ويثيب عابديه. وفي الآية دلالة على أن الإله لابد أن يكون بيده الملك، وله النفع والضر. قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. فدل هذا على أن الإله الحق لا بد أن يكون مالكًا متصرفًا في الأمر كله، وله الخلق والأمر والرزق، وله النفع والضر. وأن ما يدعى من دونه سبحانه وتعالى لا يستحق أن يدعى؛ لأنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعًا، فضلًا عن أن يجيب داعيه. وقوله أيضًا: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾، أي أن الله عز وجل كما هو مقرر هو المستحق للعبادة وحده؛ لأن الدعاء يطلق ويراد به العبادة. الدعاء يطلق ويراد به العبادة، وهذا إما أن يقال: إنه ذكر الدعاء دون غيره من العبادات؛ لأنه من أشرف العبادات، كما جاء في الحديث: «الدعاء هو العبادة». قال بعض أهل العلم: هذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة»، أي أنه ركنه الأعظم وأمره العظيم. وقد يقال: إن الدعاء على قسمين: دعاء عبادة ودعاء مسألة، فيدخل فيها جميع العبادات بهذا الاعتبار. وقد تقدم معنى مرارًا الدلالة على أن الدعاء يطلق ويراد به العبادة. ومنه الحديث المذكور الآن، وأيضًا منه قول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. قوله رحمه الله تعالى: وتحققت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، سواء كان دعاء العبادة أو دعاء المسألة. وتقدم معنا في درس الأصول الثلاثة تعريف الدعاء، وهو أنه استدعاء العبد ربه العناية واستمداده إياه المعونة. وحقيقته إظهار الافتقار إليه والتبرء من الحول والقوة، وهو سمة العبودية. قوله رحمه الله تعالى: وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك، هو الذي أحل دماءهم وأموالهم. قوله: أن قصدهم الملائكة، أي قصد المشركين الملائكة والأولياء بالعبادة، بالدعاء، بالاستغاثة، بالذبح، بالنذر، بالتقرب إليهم بأنواع من ذلك؛ لا لأنهم يعتقدون أنها تنفع وتضر أو تملك وتخلق وترزق مع الله، لا، ليس لهذا المعنى، وإنما حصل منهم ما حصل لأجل أن يتقربوا إلى الله عز وجل وتشفع لهم عند الله تعالى. كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. فهذه الآية تدل دلالة واضحة على ما كان عليه المشركون، وتدل على دين المشركين، وأنهم كانوا يقرون لله عز وجل بالملك والأمر، وأنه بيده النفع والضر، ولكنهم اتخذوا أولئك الوسائط يتقربون إليهم ويعبدونهم بأنواع من العبادات لأجل أن يتقربوا إلى الله عز وجل. قال الشيخ رحمه الله تعالى: عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون. كما مر معنا مرارًا أن الرسل من أولهم إلى آخرهم دعوا إلى ماذا؟ إلى عبادة الله عز وجل وحده. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. قال رحمه الله تعالى: وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله. لا إله: نافية للجنس، وإله: اسمها، وخبرها مقدر، وتقديره: حق. لا إله حق إلا الله. ويدل على هذا المعنى قول الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾. فهو معنى لا إله إلا الله. وقد جاء في لغة العرب ما يدل على أن الإله هو بمعنى المألوه. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.