الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 9، ألقاها
يتناول حكم الشخص الذي يؤدي بعض أركان الإسلام دون نطق الشهادتين، ويشرح أن ظاهر العمل على نطق الشهادة يعتبر مسلمًا. يلحق الشخص بأهل الإسلام إذا دخل في الصلاة ثم مات قبل النطق بالشهادتين لظاهر عمله.
يناقش توحيد الربوبية وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء، ويعتبر هذا التوحيد حقًا لا ريب فيه. يشير إلى أن معرفة وجود الله لا تحتاج إلى دليل أو مقدمات.
يتناول قصة فرعون الذي أنكر وجود الله مع يقينه الباطني، وينتقد القول بأن الخالق قديم، ويستدل على ذلك بأنه يعني أن الخالق إله للشر، وهو نقص ومذمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فقبل الدخول في الدرس الجديد، ننبه على مسألة ربما وقع فيها إشكال، وهي تقدم معنا في الدرس الماضي أن أول واجب يدخل في الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومر معنا في الدرس الماضي أيضًا أن الشيخ رحمه الله تعالى استطرد فذكر بعض المسائل ذكرها بعض الفقهاء، وهي أن من أقر بشيء أو عمل بشيء من خصائص الإسلام، هل يصير مسلمًا أم لا؟ تتقدم معنا في الدرس الماضي أن الصلاة نقل فيها الإجماع أنه يكون مسلمًا، وغيرها وقع فيها الخلاف، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكذا الشارح تبع له، يختاران بأنه يكون مسلمًا. فكيف يكون مسلمًا وهو لم يقُل أولًا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ والجواب على هذا: لو تدبرنا ودققنا في العبارة التي ذكرها الإمام إسحاق بن راهوي، إن دفع الإشكال تمامًا، فإنه قال رحمه الله حينما نقل الإجماع وذكره عنه الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى في كتابه التمهيد وكذا في الاستذكار: أنه قال نقل الإجماع على أن من عرف بالكفر ثم صلى أو قال: ثم رأوه يصلي الصلاة في وقتها، حتى صلى صلاة أو صلوات كثيرة، ولم يعلموا منه الإقرار باللسان، ثم مات على ذلك. معناه أنه قد يكون قالها، ولكن لم يعلموا بهذا، فاكتفوا عن ذلك بأنه أظهر وعمل بخصائص الإسلام، صلى مع المسلمين، حج مع المسلمين، أدى المناسك والعبادات التي هي من خصائص أهل الإسلام. يستدل أهل الإسلام أو استدل العلماء بهذا الفعل منه على أنه قد نطق بهذه الكلمة وشهد بشهادة الحق وأقر بها. فكانوا بذلك استدلوا بعمله على قوله ونطقه بهذه الكلمة، سواء علموا الأمر أم لم يعلموا، اكتفوا بالعمل الظاهر الذي يدل على أنه من المسلمين، فيكون من المسلمين. والله تعالى أعلى وأعلم. على أن بعض أهل العلم استشكل وقال: لو قلنا بأن الصلاة أنه صلى قبل النطق بالشهادتين، فصلاته لا تصح، فكيف يكون مسلمًا؟ وأجاب عن هذا فقال: فإن قيل إنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله في التحيات، قيل: أو أجاب عن هذا بقوله: يكون قد نطق بشهادة الحق في أثناء الصلاة وفي ضمن الصلاة، فيكون مسلمًا في ضمن الصلاة، لا في أول الصلاة، فتكون صلاته ابتداء صلاته باطلة. هذا إذا حملناه على المعنى الأول: أنه نطق ثم عمل، الأمر واضح لا إشكال، وإذا حملناه على المعنى الثاني: أنه دخل في الصلاة مباشرة مقرًا مؤمنًا بالله جل وعلا ومؤمنًا برسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ودخل في الصلاة وصلى الصلاة، هل تقبل منه؟ ظاهر كلام العلماء أنها تقبل منه في هذه الحالة، ويكون من أهل الإسلام. والله تعالى أعلى وأعلم. وكما ترون، مسألة بهذه الحيثية، يعني قد يكون فيها نوع نزاع، لكن نقول: مسألة لو فرض ووجد هذا المعنى، رأينا إنسانًا كافرًا، ثم رأيناه دخل في الصلاة، كبر الله أكبر، قرأ الفاتحة مع الإمام، ثم مات، أيش نحكم على هذا الإنسان؟ هل نلحقه بالكفار أو نلحقه بأهل الإسلام؟ الظاهر أنه يلحق بأهل الإسلام لظاهر عمله، بأنه مقر بالإسلام، مؤمن بالله وبرسوله وبما جاء عن الله وبما جاء عن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلى وأعلم. قال الشارح رحمه الله تعالى: وأما الثاني وهو توحيد الربوبية، كالإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية. وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنًا به في الباطن، كما قال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾، فقال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. ولهذا لما قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ على وجه الإنكار له، تجاهل العارف، قال له موسى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، قال: ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾، قال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾، قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهما عن الماهية، وأن المسؤول عنه لما لم تكن له ماهية، عجز موسى عن الجواب، وهذا غلط، بل هذا باطل، لأن معرفة وجود الله جل وعلا لا تحتاج إلى دليل ولا إلى مقدمات. قال رحمه الله تعالى: وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون. وقول رحمه الله تعالى: «أشهر» إشارة إلى أن هناك من شارك فرعون في هذا الإنكار، ولكن فرعون أشهر. ولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قال: إن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال، فإن الثنوية من المجوس والمانوية القائلين بالأصلين النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما، متفقون على أن النور خير من الظلمة، وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة. وهم متنازعون في الظلمة: هل هي قديمة أو محدثة؟ فلم يثبت عندهم ربين متماثلين، بل أحد الخالقين أكمل من الآخر، إله النور هو الله رب العالمين، وإله الشر يقولون: يطلقون عليه بأنه إله الظلمة، وحيانًا يطلقون عليه بأنه الشيطان. فما كان مدار خلقه على خلق الشر، هل هو كامل؟ لا، يخلقون الشر ولا يفعلون إلا الشر، فهذا إله ناقص، بينما الإله الآخر عنده الخير، لا يفعلون إلا الخير، الإله الذي لا يفعل إلا الخير هو الله رب العالمين. وهم مختلفون في إله الشر: منهم من يقول بأنه محدث، مخلوق، خلقه إله الخير، ومنهم من يقول بأنه قديم، فمن قال بأنه محدث، كيف يقول بأنه إله؟ لا، ومن قال بأنه قديم، يقول أو يجعل بأن هذا الخالق، إنما هو إله للشر، وكيف يكون إلها لا يفعل إلا الشر؟ هذه صفة نقص ومذمة، فكيف يكون إلها من كان هذا وصفه؟ لا، إذن قولهم كما يعني على القول بالخالقين عند هؤلاء، أحد الخالقين أكمل من الآخر، بأن الآخر لا يستحق أن يكون إلها خالقًا.