التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 104

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 104، ألقاها

بيان بطلان حديث "أكثر أهل الجنة البله" وصفات أهلها

يناقش الشارح بطلان حديث "أكثر أهل الجنة البله" ويبين أن الجنة لأولي الألباب والعقلاء. يبرز أهمية العقل والإيمان في نيل رضا الله ودخول الجنة.

التصوف والطرق الصوفية ومطابقتها للسنة

يتناول المقطع الطوائف الصوفية وسلوكياتها، منتقدًا بعض الممارسات غير الصحيحة مثل المبالغة في إظهار التأثر بالذكر. يقارن بين المتصوفة والصحابة في تعاملهم مع العبادات.

سهولة تعلم الإسلام ووسطية النبي في تعليمه

يبرز المقطع سهولة تعلم الإسلام وظهوره، ويوضح وسطية النبي في تعليمه بحسب حاجة السائل. يشير إلى أن تعاليم الإسلام واضحة ويمكن تعلمها بسهولة.

أهمية الخوف والرجاء في السير إلى الله

يؤكد على أهمية الخوف والرجاء كجناحين للعبد في سيره إلى الله. يبين أن هذين الشعورين ضروريان لتحقيق التوازن في العبادة والطاعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: وأما ما يقوله بعض الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اضطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها البل»، فهذا لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي نسبته إليه. فإن الجنة إنما خلقت لأولي الألباب الذين عقلتهم عقولهم وألبابهم إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وقد ذكر الله أهل الجنة بأوصافهم في كتابه، فلم يذكر في أوصافهم البله الذي هو ضعف العقل، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء»، ولم يقل: «البل». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: «وأما ما يقوله بعض الناس...» يريد بهم مدعي الكرامات، بعض الناس يريد بهم هؤلاء الذين يدعون الكرامات. كما مر معنا أن من كان من أهل الدروشة وأهل الفقر، هؤلاء أهل سماحة. وهؤلاء إذا ظهرت فيهم الولاية، فهؤلاء أولياء. قد مر معنا أن كل إنسان يعرض عمله وحاله وأقواله على كتاب الله جل وعلا، وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على ما كان عليه سلف هذه الأمة. فإن وافقها فهو الولي حقا، أي ظاهرا وباطنا إن وافقها. وإن لم يكن كذلك، كان مخالفا لها ظاهرا أو باطنا، فهذا ليس من أولياء الله جل وعلا، بل هو من أعداء الله. إن كان مخالفا لكتاب الله جل وعلا وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، لذا هؤلاء لأجل أن يؤيدوا ويؤيدوا قولهم وباطلهم استدلوا بأدلة، كقولهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها البله». والبله، الأبله هو الذي لا عقل له، أو الذي فيه نقص في عقله. وهذا غير مراد، لا شرعا ولا عقلا ولا حسا. بل الله جل وعلا خاطب أولي الألباب، الله جل وعلا كم من آية يذكر فيها ويخبر الله جل وعلا أنها آيات لأولي الألباب، وآيات لأولي العقول والحجى. أن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، أفلا يعقلون، أفلا يعلمون، أفلا يذكرون، أفلا يتفكرون، كلها خطابات لمن؟ للعقلاء أو للمجانين؟ للعقلاء. وهل أي عاقل؟ للعقلاء الذين ينتفعون بما ينفعهم، ينتفعون بما ينفعهم. فهذا الحديث كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى حديث منكر، ليس بثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو منكر مخالف لما جاءت به الشريعة. فإن الشريعة لم تمدح نقص العقل، لا من قريب ولا من بعيد، بل جاءت الشريعة بأن من كان حاله كذلك فإنه ممن يرفع عنه القلم، مجنون واضح، أو في حكمه، أو في حكم المجنون. فقولهم: «اطلعت على أهل جنة فرأيت أكثر أهلها البله»، هذا منكر وباطل كما سمعتم. والطائفة الملامية هم الذين يفعلون ما يلامون عليه، ويقولون: نحن متبعون، في الباطل، ويقصدون إخفاء المرائين، ردوا باطلهم بباطل آخر. والصراط المستقيم بين ذلك. يعني الطائفة الملامية، هذه طائفة من الطوائف التي تسير على سلوك التصوف، ويقولون: لا يظهر، يعني ينبغي أو يجب أن لا يظهر أن لا يظهر الإنسان للخلق أعماله ولا أسراره، لأجل ماذا؟ لأجل أن لا يصاب بالرياء. فماذا يصنعون؟ يقعون فيما يقعون فيه من المعاصي والمخالفات، لماذا؟ حتى يقول الناس: إن هؤلاء أهل معاصي، فلا يكون سببا في وقوعهم في الرياء. والذين يسعقون عند سماع الأنغام الحسنة مبتدعون، ضالون. وليس للإنسان أن يستدعي ما يكون سببا في زوال عقله، ولم يكن في الصحابة والتابعين من يفعل ذلك، ولو عند سماع القرآن. بل كانوا كما وصفهم الله تعالى: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وكما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هاد﴾. والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم سادات الأولياء، وأفضل البشرية بعد الأنبياء. ومع هذا انظروا إلى حالهم، كما وصفهم الله جل وعلا: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، ما هناك سكر، ما هناك إغماء، ما هناك غيبوبة، ما هناك إلا ازدياد في إيمان وطاعة وخوف من الله ورغبة فيما عند الله جل وعلا. فأين القوم من أولئك الأجلاء الأفاضل من هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وأما الذين ذكرهم العلماء بخير من عقلاء المجانين، فأولئك كان فيهم خير، ثم زالت عقولهم. ومن علامات هؤلاء أنه إذا حصل في جنونهم نوع من الصواب، تكلموا بما كان في قلوبهم من الإيمان، ويهدون بذلك في حال زوال عقلهم، بخلاف غيرهم. والحق أن يفصل، فيبين ما معه من الحق وما معه من الباطل، فيرده. ودين الله في الأرض والسماء واحد، ودين الإسلام قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، فقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس. أي أن دين الله جل وعلا وسط بين ما ذكره رحمه الله تعالى، فهو بين الغالي والجافي في جميع الأمور، لأنه الدين الوسط العدل الخيار بفضل الله رب العالمين سبحانه وتعالى. ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد». وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، عام في كل زمان. ولكن الشرائع تتنوع، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، فدين الإسلام هو ما شرعه الله سبحانه وتعالى لعباده على ألسنة رسله، وشرع هذا الدين وفروعه روايته عن الرسل. وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل مميز يمكنه من صغير وكبير وفصيح وأعجمي وذكي وبليد أن يدخل فيه بأقصر زمان. وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك، من إنكار كلمة أو تكذيب أو معارضة أو كذب على الله أو ارتياب في قول الله تعالى أو رد لما أنزل أو شك فيما نفى الله عنه الشك أو غير ذلك مما في معناه. فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام وسهولة تعليمه وسهولة تعلمه، وأنه يتعلمه الوافد ثم يولي في وقته. واختلاف تعليم النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الألفاظ بحسب من يتعلم، فإن كان بعيد الوطن كضمام بن ثعلبة النجدي، ووفد عبد القيس، علمهم ما لم يسعهم جهله، مع علمه أن دينه سينتشر في الآفاق، ويرسل إليهم من يفقههم في سائر ما يحتاجون إليه. ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت، بحيث يتعلم على التدريج، أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لابد منه، أجابه بحسب حاله وحاجته، على ما تدل قرينة حال السائل. كقوله: «قل آمنت بالله ثم استقم». وأما من شرع دينا لم يأذن به الله، ومعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن غيره من المرسلين، إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل. فما كان لازم الحق حق. وقوله: «بين الغلو والتنصير»، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم: «لا آكل اللحم»، وقال بعضهم: «لا أتزوج النساء»، وقال بعضهم: «لا أنام على فراش»، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر وأنام وأقوم وآكل اللحم وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». وقوله: «وبين التشبيه والتعطيل»، تقدم أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصف به رسوله، من غير تشبيه، فلا يقال: سمع كسمعنا، ولا بصر كبصرنا، ونحوه. ومن غير التعطيل، فلا ينفي عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به أعرف الناس به، رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك تعطيل. وقوله: «وبين الجبر والقدر»، تقدم الكلام أيضا على هذا المعنى، وأن العبد غير مجبور على أفعاله وأقواله، وأنها ليست بمنزلة حركات المرتعش، وحركات الأشجار بالرياح وغيرها. وليست مخلوقة للعبد، بل هي فعل العبد وكسبه وخلقه. وليست مخلوقة للعباد عندك أو العبد، بل هي فعل العبد وكسبه وخلق الله تعالى. وقوله: «وبين الأمن والإياس»، تقدم الكلام أيضا على هذا المعنى، وأنه يجب أن يكون العبد خائفا من عذاب ربه، راجيا رحمته. وأن الخوف والرجاء بمنزلة الجناحين للعبد في سيره إلى الله تعالى والدار الآخرة.

شاركنا على