الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 72، ألقاها
يؤكد الإمام الطحاوي على أهمية الإيمان باللوح والقلم وما كتب فيه من مقادير، ويعتبر ذلك جزءًا من الإيمان بالقضاء والقدر. اللوح المحفوظ يحتوي على مقادير كل شيء منذ خلق القلم.
يتناول شرح حديث "أول ما خلق الله القلم" ومسألة ترتيب خلق العرش والقلم واللوح، ويبين أن العرش مخلوق قبل كتابة المقادير في اللوح. القلم له دور في كتابة ما سيحدث إلى يوم القيامة.
يشرح مفهوم التقوى والتوكل على الله، ويبين أن التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب مستنداً إلى الآيات والأحاديث. من يتقي الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، والله يكفي عبده إذا توكل عليه.
ذكر دعاء بعض الصحابة لتغيير قدرهم من الشقاء إلى السعادة، وتأكيد أن ما يصيب العبد هو ما كتب له. ختم بالثناء على الله والاستغفار، مما يعكس التوكل على الله.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الطحاوي رحمه الله: ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قدر. قال الشارح رحمه الله: قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، لله فيه كل يوم ستون وثلاثمئة لحظة، وعرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ستين وثلاثمئة نظرة، يخلق بكل نظرة، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء». قال: اللوح المذكور هو الذي كتب الله مقادير الخلائق فيه، والقلم المذكور هو الذي خلقه الله وكتب به في اللوح المذكور المقادير، كما في سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: يا رب، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. قال رحمه الله تعالى: قوله: ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه. قد كتب، أي قد كتب. والشيخ رحمه الله تعالى بعد أن تكلم وذكر ما ذكر من مسائل القضاء والقدر، أتبع ذلك بالكلام على اللوح والقلم، وأن الإيمان باللوح والقلم من الإيمان بالقضاء والقدر، لأن الكتابة مرتبة من مراتب القضاء والقدر، وهي المرتبة الثانية من مراتب القضاء والقدر. قوله رحمه الله تعالى: ونؤمن باللوح والقلم، هذا فرع عن الإيمان بعلم الله جل وعلا السابق لكل شيء. وما سطر باللوح يدل على أن الله جل وعلا قد علم الأشياء قبل وقوعها، وكتبها عنده سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ. قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. الشاهد منه واضح. قال: وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني، وهو الإمام الشهير صاحب المعاجم الثلاثة. والحديث كما ذكر الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في التحقيق بأنه ضعيف. قوله رحمه الله تعالى: اللوح المذكور هو الذي كتب الله مقادير الخلائق فيه، والقلم المذكور هو الذي خلقه الله وكتب به في اللوح المذكور المقادير، أي ما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: واختلف العلماء هل القلم أول المخلوقات أو العرش على قولين ذكرهما الحافظ أبو العلا الهمذاني. قوله رحمه الله تعالى: واختلف العلماء هل القلم أول مخلوقات أو العرش. شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى حينما ذكر هذه المسألة ذكرها بلفظ أدق، فقال رحمه الله تعالى: واختلف العلماء في أيهما خلق أول اللوح أو القلم. قال: وأصحهما أن العرش قبل القلم، لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء». وهذا الحديث كما ذكر في صحيح مسلم، وهو نص في المسألة في أن العرش كان مخلوقا قبل كتابة المقادير في اللوح. قال: فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش، والتقدير وقع عند أول خلق القلم بحديث عبادة. قال: ولا يخلو قوله: أول ما خلق الله القلم إلى آخره، إما أن يكون جملة أو جملتين. قال: فإن كان جملة، وهو الصحيح، كان معناه أنه عند أول خلقه قال له: اكتب. قال: وإن كان جملتين، وهو مروي برفع أول والقلم، فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، فيتفق الحديثان. قال: والقلم الثاني قلم الوحي، وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله. وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم، والأقلام كلها خدم لأقلامهم. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى ليجعلوه كائنا لم يقدروا عليه. جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال الشارح رحمه الله: تقدم حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله، بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن، فيما العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما استقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير». قال: والذي دلت عليه السنة أن الأقلام أربعة. وهذا التقسيم غير التقسيم المقدم ذكره. قال: القلم الأول العام الشامل لجميع المخلوقات، وهو الذي تقدم ذكره مع اللوح. والقلم الثاني حين خلق آدم، وهو قلم عام أيضا، لكن لبني آدم. قال: وإذا علم العبد أن كل شيء من عند الله، فالواجب إفراده سبحانه بالخشية والتقوى. قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾. قال: في القرآن كثير كثيرة، ولابد لكل عبد أن يتقي أشياء، فإنه لا يعيش وحده. قال: فإذا اتقى العبد ربه كفاه مؤنة الناس. قال: ويحبه الله فيحبه الناس، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أحب الله العبد، نادى جبرائيل: إني أحب فلانا، فأحبه. ثم ينادي جبرائيل في السماء: إن الله يحب فلانا، فأحبه، فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القبول في الأرض». قال: وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب. وهذا فاسد. قال: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب. قال الطحاوي رحمه الله تعالى: وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه. قال الشارح رحمه الله: هذا بناء على ما تقدم من أن المقدر كائن لا محالة. قال: ومن يتوكل على الله فهو حسبه، أي فهو كافيه، ولا يحوجه إلى غيره. قال: وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، فقال البغوي: قال مقاتل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا. قال: ومن هذا ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أنهم كانوا يدعون: «اللهم إن كنت كتبتني من الأشقياء فامحه واكتبني من السعداء». قال: وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وآتوب إليك.