الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 56، ألقاها
يناقش المقطع مسألة رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة، حيث اتفقت الأمة على أن الكفار لا يرون الله تعالى، واختلفوا في رؤية المؤمنين له في الآخرة. كما ناقش مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لله تعالى في الدنيا.
يناقش المقطع مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه، ويخلص إلى أن النبي لم ير ربه بعينيه في الدنيا، واختلف في رؤيته بقلبه، ورآه في المنام. الجمهور من الصحابة وعلماء السلف على أن النبي لم ير ربه.
يشرح الشارح مفهوم التأويل الصحيح والفاسد، حيث يعتبر التأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاءت به السنة، بينما التأويل الفاسد هو الذي يخالف السنة. التأويل يحتاج إلى دليل من السياق أو قرينة تقتضيه.
يتناول المقطع شرح كيفية معرفة مراد المتكلم من خلال التصريح أو القرائن، ويحذر من تأويل كلام الله ورسوله بدون دليل، مشيرا إلى أن أهل الأهواء يطعنون في ثبوت النصوص أو في مدلولها.
أهل الأهواء يرفضون حمل النصوص الدينية على ظاهرها إذا كانت توحي بالتشبيه أو الكفر، ويعتبرون ذلك محالا في حق الله تعالى، ويلجأون إلى تأويلها بناء على استحالة المعنى الظاهر.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: وقوله «والرؤية حق لأهل الجنة» تخصيص أهل الجنة بالذكر يفهم منه هنا في الرؤية عن غيرهم، ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾. واختلف في رؤية أهل المحشر على ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا يراه إلا المؤمنون، الثاني يراه أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه ولا يرونه بعد ذلك، الثالث يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار. وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف، أي: كذلك الخلاف في تكليم الله عز وجل لأهل الموقف، هل يكلم المؤمنين فقط أم المؤمنين مع الكفار أم المؤمنين مع المنافقين؟ وأصح هذه الأقوال بالنسبة لرؤية الله عز وجل: هل يراه المؤمنون فقط أو يراه غيرهم؟ ذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن أبي يعلى عن قاضي أبي يعلى أن الأمة في مسألة رؤية الله عز وجل قسمان: أهل السنة والجماعة، وغير أهل السنة والجماعة، والكل يقول: أو منهم من يقول: أهل السنة والجماعة يقولون بأن المؤمنين يرون ربهم، وغير أهل السنة والجماعة يقولون بأن أحدا لا يرى ربه عز وجل. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فثبت بهذا إجماع الأمة من أهل السنة وغيرهم على أن الكفار لا يرون ربهم عز وجل. على أن الكفار لا يرون ربهم، وكل خلاف بعد الإجماع فإنه غير معتبر، وكل خلاف بعد الإجماع فإنه غير معتبر. والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله: «واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه»، ولم يتنازع في ذلك إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة، منهم من نفى رؤيته بالعين، ومنهم من أثبتها له صلى الله عليه وسلم. وحكى القاضي عياض في كتابه «الشفاء» اختلاف الصحابة ومن بعدهم في رؤيته صلى الله عليه وسلم، وإنكار عائشة رضي الله عنها أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه، وأنها قالت لمسروق حين سألها: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب. ثم قال: وقال جماعة بقول عائشة رضي الله عنها، وهو المشهور عن ابن مسعود وأبي هريرة، واختلف عنه. وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم رآه بعينه. وروى عطاء عنه أنه رآه بقلبه. ثم ذكر أقوالا وفوائد. طيب قوله رحمه الله تعالى: «واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه»، أي: أن الأمة متفقة على أن أحدا لا يرى ربه جل وعلا في الدنيا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: «الحديث أبي هريرة: إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»، وهذا نص واضح صريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدا من الأمة لا يرى ربه جل وعلا في هذه الدنيا، وإنما يرونه إذا ماتوا. هذه مسألة، مسألة ثانية وهي ذكر بعضهم أنه وقع فيها النزاع، وهي: هل رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ربه بعينيه في الدنيا أم لا؟ ذكر بعضهم في هذه المسألة خلافا ونزاعا بين الصحابة وبين كذلك من جاء بعدهم، فذكروا عن جمهور الصحابة بأنهم قالوا: بأن أحدا لم يرى ربه جل وعلا بعينه، ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا كما ذكر عن عائشة، وعن ابن مسعود، وعن أبي هريرة، وعن غيرهم من الصحابة والتابعين. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه روي عنه أنه قال: أن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه، رأى ربه بعينه. وهذا الحديث عن ابن عباس، أي: قوله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه، كما ذكر العلامة الألباني رحمه الله تعالى في «التحقيق» أنه ضعيف، أن هذا ضعيف إلى ابن عباس رضي الله عنهما. قال: أخرجه ابن خزيمة في «التوحيد» بألفاظ مضطربة عنه موقوفا، والحديث كذلك رواه غيره، فرواه الطبراني في «معجمه الكبير» من طريق مجالد عن الشعب عن ابن عباس، ومجالد ضعيف، بل منهم من حكم على حديثه بأنه ضعيف جدا. وكذلك له طرق أخرى جاء من طريق عطاء، ومن طريق أبي العالية، ولا يخل شيء منها مما قال. ولا يخل شيء منها مما قال، فالآثار أو الأسانيد المروية عن ابن عباس رضي الله عنهما لا يخل شيء منها مما قال. سيأتي لهذا مزيد بيان، أي: للمسألة وهي: هل قول ابن عباس رضي الله عنهما أن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينيه أم أنه رأى ربه بقلبه؟ سيأتي الكلام على هذه المسألة. قال رحمه الله: «ثم قال: وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع ولا نص»، والمعول فيه على آيتي «النجم»، والتنازع فيهما مأثور، والاحتمال لهما ممكن. وهذا القول الذي قاله القاضي عياض رحمه الله، والحق: فإن الرؤية في الدنيا ممكنة، إذ لو لم تكن ممكنة لما سألها موسى عليه السلام، لكن لم يرد نص بأنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه، بل ورد ما يدل على نفي الرؤية، وهو ما رواه مسلم في «صحيحه» عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: نور أن أراه»، وفي رواية: «رأيت نورا». وقد روى مسلم أيضا عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القصد ويرفع، إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور»، وفي رواية: «النار»، «لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه من تهى إليه بصره من خلقه». فيكون - والله أعلم - معنى قوله لأبي ذر: «رأيت نورا»، أنه رأى الحجاب، ومعنى قوله: «نور أن أراه»، النور الذي هو الحجاب يمنع من رؤيته، فأنا أراه، أي: فكيف أراه، والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته، فهذا صريح في نفي الرؤية، والله أعلم. على أن هذا الحديث الذي رواه مسلم: «حديث أبي ذر: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: نور أن أراه»، هذه اللفظة حكما أو أنكرها بعض الحفاظ، منهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكذا ابن خزيمة، وذكروا أن اللفظة المحفوظ: «أنه قال: رأيت نورا»، وهو اللفظ الآخر الذي رواه كذلك الإمام مسلم رحمه الله تعالى. فعلى هذا لا إشكال، يكون رأى أنوارا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولم يرى ربه جل وعلى بعيني رأسه، لم يرى ربه بعيني رأسه. كما قال الشارح: أن النزاع والخلاف في هذه المسألة ناتج عن آية «النجم»، وهي قول الله جل وعلى: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾، ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾. فقال بعض أهل العلم: حمل بعض أهل العلم أنه رأى صلى الله عليه وسلم ربه جل وعلى ليلة الإسراء، رأى ربه عز وجل ليلة الإسراء. وبعض أهل العلم أو أكثر أهل العلم قالوا: بأن المراد بالرؤية هنا الرؤية جبريل عليه السلام على حقيقته، على صورته التي خلقه الله جل وعلى عليها، كما جاء ذلك مفسرا عن عائشة، وعن أبي هريرة، وعن ابن مسعود، وكلها في الصحاح، في «صحيح مسلم» وغيره، فيها ذكر هذا الأمر. سيأتي - بإذن الله جل وعلا - كذلك مزيد بيان لهذه المسألة. قال رحمه الله: «وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك». ونحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب تعالى أعظم وأعلى، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليه البتة. يقول: «وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي رحمه الله تعالى اتفاق الصحابة على ذلك»، على ماذا؟ على أن الله جل وعلا لم يره نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بعيني رأسه، بعيني رأسه. وهذا يجرنا إلى أن نعلم أن النزاع المذكور، إلى أن النزاع المذكور في أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينيه، إنما هو نزاع مبني على قول ابن عباس، وقول ابن عباس كما سمعتم لم يثبت. وإذا كان لم يثبت، فليس في المسألة خلاف عن الصحابة، ليس في المسألة خلاف عن الصحابة. وإذا علم هذا، فلنعلم أن ما ذكره الشارح رحمه الله تعالى قد يتبين ويتضح، وذلك أن نعلم أن هذا الباب يتضح إذا اتضحت ثلاث مسائل: أولى هذه المسائل: هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ربه بعينه في الدنيا؟ والجواب: أن أحدا لم يرى ربه عز وجل بعينيه في الدنيا، ولا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهذا باتفاق السلف، كما قاله الدارمي الإمام أبو سعيد الدارمي رحمه الله، وكذلك نقل هذا الاتفاق شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وتلميذه الآخر ابن كثير - رحم الله الجميع - نقلوا اتفاق الصحابة واتفاق السلف على أن أحدا لم يرى ربه جل وعلا بعينه، ولا نبينا صلى الله عليه وسلم. هذا وقد علمنا أن المروي عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه لم يثبت، يعني: من نقل الخلاف، فقد اعتمد على المروي عن ابن عباس، والمروي عن ابن عباس لم يثبت إلى ابن عباس رضي الله عنهما. هذا إذا علم هذا، علم أن الأمر لم يثبت. وكذلك من ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال بهذا القول، قال بهذا القول، فإن هذا القول أنكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أي: أنكر أن يكون الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال بأن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى ربه جل وعلا بعينيه، وذكر ذلك عنه تلميذه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، كما في «زاد المعاد». إذن: لا خلاف بين الصحابة، ولا بين الأئمة في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه جل وعلا بعينيه، فضلا عن غيره من الأمة. هذه المسألة الأولى. المسألة الثانية: هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ربه بفؤاده؟ هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ربه بفؤاده؟ أي: ما يسميه العلماء «رؤية قلبية»، هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه جل وعلا رؤية قلبية أم لا؟ كذلك ذكر في هذه المسألة الخلاف، كالمسألة الأولى، فذكروا أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، جمهور الصحابة على أنه لم يره لا بعين بصره ولا بقلبه، لا بعينه ولا ماذا؟ ولا بقلبه، وإنما رأى جبريل. وقد نص على هذا، وأنه رأى جبريل ولم يرى ربه جل وعلا، عائشة رضي الله عنها وأرضاها، أي: نصت بأنها سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن هذه الآية: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾، «من رأيت؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت جبريل على صورته التي خلقه الله جل وعلا عليها»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والحديث في «صحيح مسلم». والحديث في «صحيح مسلم». وكما قيل: «إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل»، واضح جماعة له، وهذا الحديث والتفسير كذلك جاء عن ابن مسعود، وجاء كذلك من حديث أبي هريرة: أنهم فسروا ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾، «ما رأى جبريل»، «رأى جبريل». طيب وذهب ابن عباس والإمام أحمد - رحمهما الله تعالى جميعا - إلى أنه رآه بفؤاده. ومستند ابن عباس، ثم الإمام أحمد بعده، مستنده ابن عباس، ومستند ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾. وقد علمت أن المقصود بقول الله جل وعلا: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ بأنه رأى جبريل، كما فسره بذلك من نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نفسه. وإذا جاء - كما سمعتم - «نهر الله بطل نهر معقل»، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما رأى جبريل على صورته، فالراجح - كما هو ظاهر - قول الجمهور، قول الجمهور من الصحابة، وهذا القول هو الذي قال به ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ثم بعده ابن القيم، وابن كثير - رحم الله الجميع -. المسألة الثالثة وهي: هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ربه في المنام؟ هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ربه في المنام؟ والجواب: نعم، فقد ثبت في حديث معاذ، وثوبان، وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رأيت ربي الليلة في أحسن صورة». «رأيت ربي الليلة في أحسن صورة»، والحديث، ورؤية الأنبياء حق، ورؤية الأنبياء حق. فهذا خلاصة ما يقال في هذه المسألة، في مسألة رؤية الله جل وعلا في الدنيا، بالعين لم يره، بالقلب لم يره، في المنام رآه، هذا هو القول الفصل في هذه المسألة، وهو الذي - كما سمعتم - عليه المحققون، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، ومن سار على سيرهم. والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله: «وقوله: بغير إحاطة ولا كيفية»، هذا لكمال عظمته وبهائه، سبحانه وتعالى، لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به كما يعلم، ولا يحاط به علما. قال تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، وقال تعالى: ﴿ولا يحيطون به علما﴾. وقوله وتفسيره على ما أراد الله وعلمه، إلى أن قال: «لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا»، أي: كما فعلت المعتزلة بنصوص الكتاب والسنة في الرؤية، وذلك تحريف لكلام الله وكلام رسوله عن مواضعه. فالتأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاءت به السنة، والفاسد المخالف له. فكل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق، ما فيه لمعنى مشكلة. المهم: ظاهرنا في نسخة: «فكل تأويل لمعنى لم يدل عليه دليل اكتبوا هذا في نسخة». «فكل تأويل لمعنى». فقال رحمه الله: «فكل تأويل لمعنى لم يدل عليه دليل من السياق، ولا معه قرينة تقتضيه، فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه». طيب ها هنا بيان من الشارح رحمه الله تعالى لقول الإمام الطحاوي رحمه الله: «وتفسيره على ما أراد الله وعلمه»، على ما أراد الله وعلمه، أي: لا ما أردنا نحن، لا ما أردنا نحن، بل يفسر الكلام على ما أراده المتكلم، على ما أراده المتكلم، لا بهوى من السامع، ولا برأيه من السامع، بل يكون متوقفا على ماذا؟ على ما أراده المتكلم. إذا قال: «إلا قال»، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، كما ذكر رحمه الله تعالى بآرائنا متأولين، أي: نقول بأن هذا الظاهر غير مراد، من أين لك هذا؟ أرى هذا أنه غير مراد برأيه المحض. قال: «ولا متوهمين بأهوائنا»، كذلك متوهمين في النص أنه غير مراد، ما برهانك ودليلك؟ البرهان هو الهوى والعقل، الهوى والعقل، أي: ليس عنده مستند صريح من كتاب، ولا من سنة، يمنع من حمل الظاهر على ظاهره. لذا قال رحمه الله: «ولا متوهمين بآرائنا بأهوائنا»، قال: «أي: كما فعلت المعتزلة بنصوص الكتاب والسنة في الرؤية»، وذلك تحريف لكلام الله وكلام رسوله عن مواضعه. فالتأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاءت به السنة، التأويل الصحيح ما هو؟ هو ما جاء موافقا لما جاءت به السنة، لأن الحق يؤيد الحق، وينصر الحق، ويوضح الحق، ويبين الحق، ولا يكون مضادا للحق أبدا، لأنه كله من عند الله جل وعلا، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. لذا قال الشارح رحمه الله: قال: «فالتأويل الصحيح الذي يوافق ما جاءت به السنة، والفاسد المخالف له»، أي: ما كان مخالفا للسنة، فهو تأويل فاسد مردود، يعلم بمجرد أن يعلم الإنسان أنه مخالف، أنه مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «فكل تأويل لمعنى لم يدل عليه دليل من السياق»، وهذا تنبيه وتوضيح للتأويل، متى يكون معتبرا ومتى لا يكون معتبرا؟ فيقول: «فكل تأويل لمعنى لم يدل عليه دليل من السياق، ولا معه قرينة تقتضيه»، أي: تقتضي أن يخرج الظاهر عن ظاهره. قال: «فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه»، أي: لا يقصده أي: لا يقصد المتكلم الهادي أن الظاهر غير مراد، ولأن التأويل هو المراد. لأن حقيقة التأويل عند المتأخرين ما هو؟ حقيقة التأويل عند المتأخرين هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر، إلى معنى آخر، ولا بد أن يكون بقرينة، لا بد أن يكون الصارف عن الظاهر بماذا؟ بقرينة. وعند عدم وجود القرينة، فإن هذا التأويل غير معتبر، بل هو تأويل باطل. إذا قال إنسان لإنسان: «رأيت أسدا»، إيش الأصل هاهنا؟ والظاهر هاهنا يا جماعة: «الحيوان أو الرجل الشجاع»، الأصل أنه ماذا؟ الحيوان. إن احتفت به قرينة، إن احتفت به قرينة، قال: «كنا في معركة فرأيت أسدا»، هاهنا يا جماعة: «فرأيت أسدا يبطش بالناس بالأعداء بطشا»، هنا قرينة قد تكون مراد بها ماذا؟ بالأسد «الرجل الشجاع». وإذا أضفنا القرينة قرينة فقال: «فرأيت أسدا يرمي»، «رأيت أسدا يرمي»، هاهنا أي أسد هذا؟ هاهنا يا جماعة: «الرجل الشجاع»، قرينة ساق الكلام معه ماذا؟ قرينة. واضح. وأما إذا كان عاريا عن القرينة، فالأصل بقاء الظاهر على ماذا؟ على ظاهره. لذا قال الشارح رحمه الله: قال: «فكل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق، ولا معه قرينة تقتضيه»، أي: تقتضي أن يخرج الظاهر عن ظاهره. قال: «فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه». المبين الهادي، سواء كان المبين الرب جل وعلا في كلامه، أو كان رسوله صلى الله عليه وسلم. فالله جل وعلا مبين بين للناس، يرحمك الله، وضح للناس، ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بين للناس ووضح للناس. قال الله جل وعلا في حقه صلى الله عليه وسلم: ﴿ونزلنا عليك الذكرى لتبين للناس ما نزل إليهم﴾. وقال الله جل وعلا في حقنا: ﴿سيريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم﴾. الله جل وعلا يبين ويهدي، والنبي صلى الله عليه وسلم يبين ويهدي. قال الله جل وعلا في حقه: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾. واضح. فإذا المبين والهادي، سواء كان سواء كان الله جل وعلا أو كان رسوله صلى الله عليه وسلم، من المحال غاية المحال أن يذكر كلاما ولا يريد بذلك الكلام ظاهره، وإنما يريد به معنى آخر، ثم إنه لا يبين ولا يدل السامع من قريب ولا من بعيد على أن الظاهر غير مراد، هذا محال. قال رحمه الله: «فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه، إذ لو قصده لحف بالكلام قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره، حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ». فإن الله أنزل كلامه بيانا وهدى. فإذا أراد به خلاف ظاهره، ولم يحف به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره، الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد، لم يكن بيانا ولا هدى. فالتأويل إخبار بمراد متكلم، لا إن شاء. إذن: من زعم أن الظاهر غير مراد، فقد نسب إلى الله جل وعلا ما لم يرده. ومن زعم أن كلام رسوله صلى الله عليه وسلم غير مراد، أي: ظاهره، فقد نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يرده. فيكون مفتر على الله، متقول عليه، ومفتر كذلك على رسوله، متقول. فمتقول ماذا؟ متقول عليه، أي: متقول على الله، ومتقول على رسوله صلى الله عليه وسلم. إذ أن الله جل وعلا إذا لم يرد من الكلام الظاهر، لا أوضح أن الظاهر غير مراد، بأن يأتي بقرينة تبين أن الظاهر غير مراد. وأما والكلام لم يحتب به، أي: قرينة، لا من قريب ولا من بعيد، فإنه يدل على ماذا؟ يدل على أن هذا الظاهر مراد. كيف؟ وقد تنوع ذلك الظاهر وتعدد، وأتي بألفاظ وعبارات وتوكيدات تدل على أن الظاهر هو المقصود، وهو المعني من كلام المتكلم. فكيف بعد هذا يقال: بأن الظاهر غير مراد؟ قال رحمه الله: «وفي هذا الموضع يغلط كثير من الناس». فإن المقصود فهم مراد المتكلم بكلامه. فإذا قيل: «معنى اللقب كذا وكذا»، كان إخبارا بالذي على المتكلم. فإن لم يكن الخبر مطابقا، كان كذبا على المتكلم. ويعرف مراد المتكلم بطرق متعددة، منها: أن يصرح بإرادة ذلك المعنى. ومنها: أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع، ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى. فكيف إذا حق بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقته وما وضع له؟ فقوله: «وكلم الله موسى تكليما»، أي: هنا أكد ماذا؟ الفعل بالمصدر، أكد الفعل بالمصدر. وهذا يدلنا على أن قوله صلى الله: «وقول الله جل وعلا: وكلم»، مقصود حقيقته، مقصود حقيقته. إذا أكد هذا الفعل بماذا؟ بالمصدر. وقوله رحمه الله تعالى قبل هذا: «فالتأويل إخبار بمراد المتكلم، لا إن شاء»، أي: لا كلام منشأ مبتدأ، بل هو إخبار عن مراد المتكلم. فكأن المؤول يقول: بأن الله جل وعلا لم يرد كذا وأراد كذا، وأن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يرد كذا وأراد كذا. فيكون مخبرا عن مراد الله جل وعلا، وعن مراد رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فإن كان مخبرا عنهم بخلاف الواقع، فهو كاذب على الله، وكاذب على رسوله صلى الله عليه وسلم. وكثى بهذا فريا. والشارح رحمه الله تعالى نبه على أن مراد المتكلم يعرف بطرق متعددة، وذكر منها: قال: «أن يصرح بإرادة ذلك المعنى»، أن يصرح بإرادة ذلك المعنى، كما في الآية: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾. أن يصرح بأنه أراد هذا المعنى بالتوكيدات. قال: «أمن أن يستعمل الله الذي له معنى ظاهر بالوضع، ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى»، معنى ظاهر، وله احتمال مرجوح، ولم يأتي بقرينة تدل على الاحتمال المرجوح، فالأصل ماذا؟ الأصل بقاء الظاهر على ظاهره. واضح. هذا يا جماعة قد فضل. قال رحمه الله: «كقوله: وكلم الله موسى تكليما، وإنكم ترون ربكم عيانا كما ترون الشمس في الظاهرة، ليس دونها سحاب، ليس دونها سحاب». طيب الحديث: «وإنكم ترون ربكم عيانا»، على صحة هذه اللفظة يكون هذا فيه كذلك توكيد المعنى: «ترون ربكم عيانا»، فيكون فيه توكيد الفعل بالمصدر، توكيد للفعل، أي: «ترون» بماذا؟ بالمصدر «عيانا». وإن لم تصح هذه الرواية، فعندنا توكيد آخر، عندنا توكيد آخر، ما هو؟ التشبيه في قوله: «كما ترون الشمس في الظاهرة، ليس دونها سحاب»، والتشبيه، أي: تشبيه الرؤية بالرؤية، يدل على ماذا؟ يدل على أن الظاهر مقصود ومراد. فعلى صحة الرواية يكون عندنا توكيدان للظاهر، الأول: المصدر «عيانا»، والثاني قوله: «كما ترون»، التشبيه «كما ترون الشمس في الظاهرة، ليس بينها سحاب». فضل. قال رحمه الله: «فهذا مما يقطع به السامع له بمراد متكلم». فإذا أخبر عن مراده بما دل عليه حقيقة لفظه الذي وضع له، مع القرائن المؤكدة، كان صادقا في إخباره. وأما إذا تأول الكلام بما لا يدل عليه، ولا اقترن به ما يدل عليه لإخباره بأن هذا مراده، كذب عليه، وهو تأويل بالرأي، وتوهم بالهوى. وهذا - كما هو معلوم - ساحة أهل الأهواء، ومسرح أهل الأهواء الذين تكلموا في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بالهوى والرأي، فقالوا: «هذا مراد لله، وهذا ليس مرادا لله، وهذا مرادا لرسول الله، وهذا ليس مرادا لرسول الله»، ظلما وبغيا وعدوانا. وليس عندهم أثارة من علم على هذه المقالات، لا على النفي، ولا على الإثبات، لا على النفي، ولا على الإثبات. ما هو معنى النفي؟ النفي: نفي الظاهر. قال الله جل وعلا مثلا: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾، قالوا: «لم يكلم الله جل وعلا موسى تكليما»، ولا على الإثبات، قالوا: «وإنما أراد بالتكليم أنه أراد به كذا وكذا»، كما يقال: «إنما أراد تعنيفه بمخاطبة الحكمة»، كما ذكر ذلك الزمخشري في «كشافه» عند هذه الآية. ومنهم من ذكر غير ذلك. الحاصل: أنهم ليس عندهم دليل، ولا برهان على أن الظاهر غير مراد، على نفي الظاهر، ولا عندهم دليل على إثبات المعنى الذي أثبته، فهم متقولون على الله جل وعلا في النفي، وكذلك متقولون على الله جل وعلا في إثبات المعنى الذي قالوا بأنه هو المقصود والمراد لله رب العالمين. قال رحمه الله: «حقيقة الأمر أن قول القائل: نحمله على كذا، أو نتعوله بكذا»، إنما هو من باب دفع دلالة اللفظ عما وضع له. فإن منازعه لما احتج عليه به، ولم يمكنه دفع وروده، دفع معناه، وقال: «أحمله على خلاف ظاهره». يقول: «أن قول القائل: نحمله على كذا، أو نتأوله أو نتأوله بكذا»، قال: «إنما هو من باب دفع دلالة اللفظ عما وضع له»، ذلالة اللفظ، أي: معنى اللفظ، ذلالة اللفظ، أي: ما دل عليه اللفظ من المعنى. قال: «فإن منازعه لما احتج عليه به، ولم يمكنه دفع وروده»، لماذا؟ لأن وروده ثابت بالتواتر، وروده ثابت بالتواتر، إما بكتاب الله جل وعلا، كما في قوله: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾، ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾. وإما بالأحاديث المتواترة، كأحاديث الرؤية. من حيث الورود ثابت. فانتقل إلى ماذا؟ إلى المعنى، إلى المدلول. قال: «بأن المدلول غير مراد». وهذا يبين لنا حال أهل الأهواء: أنهم إن استطاعوا أولا أن يطعنوا في الثبوت، طعنوا. لذا أتوا بالطاغوت الذي أطلق عليه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بأنه «طاغوت»، وهو ماذا؟ وهو تقسيم الخبر إلى «أحد» و«متواتر». فما كان من متواتر عمل به في «باب العقائد»، وما كان من «أحد» فلا يعمل به في «باب العقائد»، لماذا؟ حتى يستريحوا. إذا جاء أهل السنة والجماعة بالأدلة في «الصحيحين»، في «صحيح البخاري»، في «صحيح مسلم»، وغيرها من الكتب الصحاح، بأسانيد صحاح، قالوا: «هذا خبر أحد، ولا نقبل في العقائد». واضح. جماعة. فإذا جاءهم أهل السنة والجماعة بالأدلة الواضحة الصريحة المتواترة من كتاب الله جل وعلا، أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، انتقلوا إلى ماذا؟ إلى المدلول، قالوا: «هذا اللفظ غير مراد». واضح. جماعة. هذا اللفظ غير مراد، دلالته غير مرادة، وإنما المراد معنى آخر، فهم إما أن يطعنوا في السند، وفي الورود مباشرة بأنه «آحاد». وإما أن يطعنوا في ماذا؟ في المدلول، ويقولون: بأن دلالته إما أن يقولوا: «ظنية». وإما أن يقولوا: بأن الظاهر غير مراد، وإنما المراد المعنى الآخر المؤول، فيذكرون ما يذكرون من التأويلات. قال رحمه الله: «فإن قال طائفة منهم: بل الحمل معنى آخر لم تذكروه»، وهو أن اللفظ لما استحال أن يراد به حقيقته وظاهره، ولا يمكن تعطيله، استدلنا بوروده وعدم إرادة ظاهره على أن مجازه هو المراد. فحملناه عليه دلالة لابتداء. طيب هذا كأن الشيخ رحمه الله تعالى يحكي عن معترض منهم، فيقول: فإن قال طائفة منهم: «بل الحمل معنى آخر لماذا؟ حملنا اللفظ على معناه المؤول، ولم نحمله على معناه الظاهر لماذا؟» يقول رحمه الله: وهو أن اللفظ لما استحال أن يراد به حقيقته وظاهره، اللفظ يستحال أن يراد به حقيقته وظاهره، لماذا؟ لأنهم في اعتقادهم أن ظاهر النص يقتضي ماذا؟ التمثيل والتشبيه، وهذا محال في حق الله جل وعلا. أهل الأهواء ينظرون إلى كتاب الله جل وعلا، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بأن ظاهرها ماذا؟ التشبيه، بل ونص بعضهم: والكفر ظاهر الكتاب والسنة: التشبيه والكفر، قالوا: «هذا محال». واضح. جماعة. محال أن نثبت الظاهر الذي هو الكفر، الذي هو التشبيه والكفر. إذن: ما هي القرينة الذي منعتنا من حمل الظاهر أو النص على ظاهره؟ استحالة حمل النص على ظاهره، لأن ظاهره الكفر والتشبيه. واضح. جماعة. ملا