الدرس في شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع حديث عبد الله بن عمر في دعاء الصباح والمساء المتضمن سؤال العافية في الدنيا والآخرة، ويبرز مكانة العافية بتكرار النبي ﷺ تعليم عمه العباس لها. ويؤكد حديث أبي بكر الصديق أن لا خير بعد اليقين أفضل من العافية مع توضيح معاني العفو والعافية.
العافية هي حفظ الله للعبد من كل نقمة ومحنة، وتشمل الوقاية في الدين والدنيا والآخرة والأهل والمال. ويبين المقطع أن سؤال الله العافية يستوعب جميع جوانب الحياة، كما أن الدعاء بستر العورات يطلب إخفاء العيوب والتقصير.
يؤكد المقطع أهمية ستر العورة مستشهداً بقصة المرأة السوداء مع النبي ﷺ، ويشرح معنى "اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي" داعياً لحفظ البدن من الانكشاف والقلب من الخوف. ويختم بدعاء الحفظ من الجهات الست استعاذة من شرور الشيطان ومكائده.
يشرح المقطع أن قول "اللهم احفظني من بين يدي" يعني طلب الحماية من كل ذي شر، وأبرزهم الشيطان الرجيم. فيدعو المسلم الله أن يبعده عنه ويقيه شروره ومكائده.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: من أذكار الصباح والمساء ما أخرجه أبو داود وابن ماجة وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي». والحديث صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وفقه هذا الذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ هذا الدعاء العظيم بسؤال الله العافية في الدنيا والآخرة، ومن أعطي العافية في الدنيا والآخرة فقد كمل نصيبه من الخير. فالإنسان في هذه الدنيا لا عيش له هني إلا بالعافية في دينه وفي دنياه، وسيأتي معنا ما معنى العافية في الدين والدنيا. ولأهمية طلب العافية وسؤال الله عز وجل العافية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله عمه العباس أن يعلمه شيئاً، جاء العباس ابن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، علمني شيئاً أسأله الله عز وجل. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «سل الله العافية، سل الله العافية». قال العباس: فمكثت أياماً، يعني لم أسأل النبي صلى الله عليه وسلم أياماً. قال: ثم جئت فقلت: يا رسول الله، علمني شيئاً أسأله الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وسلم: «يا عباس، يا عم رسول الله، سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة». كرر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أهمية طلب العافية. لم يزد النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم عمه دعاء على أن يسأل الله العافية، والنبي صلى الله عليه وسلم من هو سائل عمه ورحمه من أرحامه، فلا شك أنه ما سيعلمه إلا دعاء عظيماً يليق بمقام قرابته منه، فلذلك علمه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء، فهذا يدل على أهمية العافية. ولذلك جاء في هذا الحديث -حديث ذكر الصباح والمساء- طلب العافية كل يوم، وأنت تطلب العافية ليس في صباح فحسب، ولا في مساء فحسب، وإنما في الصباح وفي المساء، يعني في اليوم مرتين تسأل الله عز وجل هذا الأمر لأهميته. ومما يدل أيضاً: حديث العباس أخرجه الترمذي وصححه العلامة الألباني. وأيضاً مما يدل على أهمية طلب العافية ما جاء في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سلوا الله العفو والعافية، سلوا الله العفو والعافية، فإن أحداً لم يعط بعد اليقين خيراً من العافية، لم يعط بعد اليقين خيراً من العافية». والحديث كذلك يصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. فما هو العفو وما هي العافية؟ العفو هو محو الذنوب وسترها وعدم المؤاخذة عليها. ولذلك عائشة رضي الله تعالى عنها لما قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فما أقول؟ فقال لها رضي الله صلى الله عليه وسلم: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». فهذا أيضاً دعاء عظيم أن تسأل الله عز وجل العفو، فإذا عفى الله عنك وستر ذنبك ورفع عنك عقوبته فيا سعادتك، فأنت بهذا تنال أعلى المطالب وتنجى بإذن الله عز وجل من أعظم الشدائد. فلذلك جاء في هذا الحديث طلب العفو في كل صباح ومساء: «اللهم إني أسألك العفو والعافية». عرفنا العفو، فما هي العافية؟ العافية هي تأمين الله لعبده من كل نقمة ومحنة، وذلك بصرف السوء عنه ووقايته من البلايا والأسقام وحفظه من الشرور والآثار. هذا المعنى العام للعافية أن الله عز وجل يقيك من كل نقمة ومحنة، والنقم والمحن يتعرض لها كثير من الخلق، ولعل سبب ذلك عدم حرصهم على مثل هذه التحصينات النبوية. وهكذا وقايتك من البلايا والأسقام يعني الأمراض، لأن الإنسان إذا رفعت عنه العافية تنغصت حياته. كم من مريض يتمنى أن يأتي إلى المسجد ليصلي مع الناس فلم يستطع، فقد العافية. كم من إنسان يريد أن يتصدق ويريد أن يجاهد لكنه عاجز عن ذلك لمرض فلم يستطع، لا يستطيع. كم من إنسان يحب أن يطلب العلم وأن يحفظ وأن يعلم يدعو إلى الله لكنه مريض لا يستطيع، فقد هذه العافية. كم من إنسان فقير عنده أولاد يريد أن يعمل يريد أن يكسب يريد أن يعف نفسه وأهله لكنه ما يستطيع لمرضه، أعجزه هذا المرض. فانظروا إلى أهمية العافية. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح آمناً في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، كأنما ملك الدنيا بحذافيرها». الحذافير هي الأطراف، يعني المعنى كأنه حاز الدنيا جميعها، كأنما حاز الدنيا جميعها بكل ما فيها وبجميع مساحتها ولو حتى إلى الأطراف، إذا كان في أمن وأمان وعافية وقوت يوم، هذا أهنأ الناس عيشاً وأشرحهم صدراً. فانظروا إلى أهمية العافية. وفي هذا الحديث سأل النبي صلى الله عليه وسلم العافية في الدنيا والآخرة، وكذلك العافية في الدين والدنيا والأهل والمال. فما هي العافية في الدنيا والآخرة وفي الدين والدنيا وفي الأهل والمال؟ أما العافية في الدين فهو طلب الوقاية من كل أمر يشين الدين أو يخل به، يعني يكون عندك خلل في دينك، تسأل الله أن يعافيك من ذلك، كن عندك معاصي، كن عندك غفلة، كن عندك تفريط في أداء الواجبات، وعندك جرأة على اقتحام المحرمات، هذا فقد العافية في الدين. فأنت تسأل الله أن يعافيك في دينك وأن يسلمك من كل ما ينقص عليك دينك أو يشين عليك دينك أو يخل بدينك، هذه هي العافية في الدين. وأما العافية في الدنيا فهو طلب الوقاية من كل أمر يضر العبد في دنياه من مصيبة أو بلاء أو مرض أو ضراء أو نحو ذلك، فأنت تدعو الله أن يرفع عنك هذه البلايا وهذه الضراء والأمراض والأسقام، فهذه هي العافية في الدنيا. وأما العافية في الآخرة فهو طلب الوقاية من أهوال الآخرة وشدائدها وما فيها من أنواع العقوبات: من العافية من المرور على الصراط، العافية من دنو الشمس من العباد، العافية من أخذ الكتاب بالشمال، العافية من الوقوع في النار. فقولك: وفي الآخرة، أي يشمل هذه المعاني جميعاً، يشمل هذه المعاني جميعاً: طلب الوقاية من أهوال الآخرة وشدائدها وما فيها من أنواع العقوبات. وأما العافية في الأهل فبوقايتهم من الفتن وحمايتهم من البلايا والمحن، فأنت تدعو لنفسك بالعافية وتدعو لولدك كذلك بالعافية، لزوجتك بالعافية، لأمك لأبيك بالعافية، فالأهل يشمل كل الأهل والأقارب، كل الأهل والأقارب فهم أهل لك. وأما العافية في المال فبحفظه مما يتلفه من غرق أو حرق أو سرقة أو تلف أو نحو ذلك. فإذا هذا الحديث جمع سؤال الله الحفظ في جميع العوارض المؤذية والأخطار المضرة، وفي جميع ما يحب الإنسان في أمر دينه ودنياه وأهله وماله. فإذا هذا حديث عظيم ما ينبغي أن نفرط فيه وأن نغفل عنه، فلعل بسبب المحافظة والمواظبة على مثل هذه الأذكار يعصم ويحفظ من الشرور والأضرار. وأما قوله: «اللهم استر عوراتي»، ما هي العورات؟ العورات هي العيوب، وكم فينا من عيوب، ما أكثر عيوبنا! فأنت تسأل الله عز وجل أن يستر عيوبك وخلك وتقصيرك وكل ما يسوءك كشفه، كل ما تحب أن لا يكشف، فأنت تسأل الله أن يستره لك. ولولا ستر الله علينا، ولولا ستر الله علينا لافتضحنا. كم هي ذنوبنا في الخلوات، كم هي معاصينا التي لا نحب أن يطلع عليها أحد! فأنت تدعو الله عز وجل أن يسترها عليك، أن يسترها عليك، ويدخل في ذلك الحفظ، الحفظ من انكشاف العورات، من انكشاف العورات، فتسأل الله أن لا يكشف عورتك، خصوصاً النساء، فإنها كلها عورة، بخلاف الرجل فعورته من السرة إلى الركبة. ولأهمية طلب ستر العورة لما جاءت تلك المرأة السوداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: يا رسول الله، إنني أصرع وأتكشف، فادعُ الله أن يشفيني. فقال لها: «إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة». فقالت: بل أصبر، ولكن يا رسول الله، ادعُ الله ألا أتكشف. انظر إلى عفتها وإلى كذلك غيرتها، لأن كشف العورة مما يؤذي الإنسان لا مما يفرحه، بخلاف أهل زماننا اليوم لا يبالون بكشف العورات، لربما تجد واحداً يرفع ويحسر عن ثوبه أمام الناس فيظهر فخذه، وربما ما هو أعلى من ذلك. وأما النساء فحدث ولا حرج، فتتعمد المرأة كشف بعض عورتها كساقها أو قدمها أو شيئاً من وجهها أو ساعديها أو نحو ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تستر العورات: «اللهم استر عوراتي». ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قد حسر عن ثوبه فانكشف فخده، قال: «غطِّ فخذك، فإن الفخذ عورة». تجد الآن الشباب ربما يسوق الدراجة وحاسر عن فخذه يمشي أمام النساء وأمام الناس ولا يبالي بهذا، هذا خطأ، الفخذ عورة. اسأل الله أن يستر عورتك لا أن تظهرها وتبديها، هذا يدل على نزع الغيرة والستر والحياء من كثير من الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن ستر العورة أن تلبس اللباس الذي يأمن من ظهورها، نعم، لا تقتصر على لبس الرداء فقط، الإزار فقط، الفوطة دون أن تلبس بداخلها ما يستر الفخذين عند انحسار هذه الفوطة. استر نفسك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء: «اللهم استر عوراتي». فمن العورات كما تقدم عورة البدن. وأما قوله: «وآمن روعاتي»، الروعات هي جمع روعة وهو الخوف والحزن، فـ «آمن» من الأمن وهو ضد الخوف، ضد الخوف، «آمن» يعني أمِنّ روعاتي، روعاتي بمعنى: لا تجعل الخوف والحزن يستولي علي، جنبني كل أمر يخيفني أو يحزنني أو يقلقني أو يقلقني. وذكر الروعات بصيغة الجمع، ما قال: «آمن روعتي»، قال: «روعاتي»، يشير إلى كثرتها وتعددها، بل ربما كم من إنسان بسبب الخوف صار مثل المجنون، ربما فقد بعض حواسه بسبب هذا الخوف. فأنت تسأل الله أن يجنبك أسباب الخوف وأن يبعدك عنها. «وآمن روعاتي»، روعاتي جمع روعة وهو الخوف والحزن. وقوله: «اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحت»، هذا فيه سؤال الله الحفظ من المهالك والشرور التي تعرض للإنسان، وهذه المهالك والشرور لا بد أن تعرض للإنسان من إحدى الجهات الست: إما من خلفه، أو من بين يديه يعني من أمامه، وإما من يمينه، وإما من شماله، وإما من فوقه، وإما من تحته، هذه يسمونها الجهات الست. فأنت تدعو الله عز وجل أن يحفظك من جميع الشرور التي تأتي العبد من جهة من هذه الجهات الست، من هذه الجهات الست، فقد يأتيك شيء من هذا وأنت لا تدري من أي جهة، قد يفجأك البلاء وتحل بك مصيبة، فأنت تسأل الله سبحانه وتعالى أن ينجيك من هذه الشرور ومن هذه المهالك. ومن أعظم الأعداء الإنسان الذي يتربص به، ومتى ما وجد فرصة من أي جهة من الجهات ضره وأوصل إليه الشر، الشيطان الرجيم، فهو الذي يوقع الإنسان في الشرور والمصائب متى ما وجد فرصة من أي جهة كان. ولذلك ماذا قال الشيطان كما أخبر الله عز وجل عنه في كتابه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. فأنت لما تقول: «اللهم احفظني من بين يدي»، أي من كل ذي شر، ومن أعظم هؤلاء الأشرار الشيطان الرجيم، فأنت تدعو الله عز وجل أن يبعدك عن هذا الشيطان الرجيم وأن يقي