شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 4

شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 4

الدرس في شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث ابن مسعود في دعاء الصباح والمساء

يستعرض المقطع حديث عبد الله بن مسعود في صحيح مسلم عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند الصباح والمساء، ويفسر ألفاظه من الإقرار بملك الله وحمده، وتوحيده بالعبادة، ونفي الشريك، وإثبات قدرته على كل شيء، مبيناً أن تقديم الثناء والتحميد قبل الدعاء هو توسل وتقرب إلى الله سبحانه.

آداب الدعاء وتفصيل الاستعاذات الواردة في الحديث

يشرح المقطع آداب الدعاء ببدء الثناء على الله وتوحيده قبل الطلب، ثم الاستعاذة بخير الليل وشره، ويوضح الفرق بين الكسل والعجز، ويفصل معاني الاستعاذة من الكسل المانع للخيرات، وسوء الكبر المتمثل في ذهاب العقل، وتخصيص الاستعاذة بعذاب القبر والنار لكون القبر أول منازل الآخرة.

آداب الأذكار الصباحية والمسائية وفضل المداومة عليها

يبيّن المقطع آداب الأذكار الصباحية والمسائية والفرق في الصيغ بينهما كقول "أصبحنا" و"أمسينا" وسؤال خير اليوم أو الليلة، ويختتم بالتأكيد على عظمة هذا الحديث وكونه سبباً لحفظ العبد من شرور الصباح والمساء، محثاً على الحرص على المداومة عليه في كل صباح ومساء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن أدعية الصباح والمساء ما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قال: «أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ربي أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها، ربي أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، ربي أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر». وإذا أصبح قال ذلك أيضاً: «أصبحنا وأصبح الملك لله». هذا حديث كذلك عظيم، وهو من الأحاديث التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها في صباحه ومساءه. ومعنى هذا الحديث: قوله «أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله». قوله «أمسينا» أي: دخلنا في المساء، و«أصبحنا» أي: دخلنا في الصباح. وقوله: «والملك لله»؛ هذا فيه اعتراف من العبد أن ما في هذا الكون ملك لله سبحانه وتعالى. فقوله: «أمسينا وأمسى الملك لله» أي: أقررنا بأن الملك لله. فإذا كان هو المالك فهو المعطي، فإذا الحمد له لا لغيره. ولذلك قرن الاعتراف بالملك لله عز وجل بالحمد له سبحانه وتعالى وحده، والحمد لله لا لغيره. ثم فيه إقرار أيضاً من العبد لتوحيد الألوهية، وأن الله سبحانه وتعالى وحده الذي يعبد، فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»؛ أي: لكمال ملكه ولانفراد حمده، فإنني ألتجأ إليه وحده، وأستعين به وحده، وأخصه بالعبادة والثناء عليه والشكر له وحده. ولهذا أعلن - أو أعلن إيماني - أعلن إيماني أي: أنه لا إله إلا الله. وقوله: «وحده لا شريك له» هذا فيه توكيد، توكيد لـ «لا إله» توكيد لـ «لا إله إلا الله وحده»، هذا توكيد لـ «لا إله»، و«لا شريك له» توكيد لـ «إلا الله»، و«لا شريك له» توحيد لـ «لا إله». نعم، وأيضاً فيكون «وحده» تأكيداً للإثبات، و«لا شريك له» تأكيداً للنفي. فهذا معنى «لا إله إلا الله». ولما أقر لله بالوحدانية أتبع ذلك بالإقرار له بالملك والحمد والقدرة على كل شيء، فقال: «له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». فالملك كله لله وبيده سبحانه وتعالى، والحمد كله لله ملكاً واستحقاقاً، وهو سبحانه على كل شيء قدير، أي: فلا يخرج عن قدرته شيء، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾، ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾. وفي الإتيان بهذه الجمل المتقدمة بين يدي الدعاء فائدة عظيمة، وهي: هذه الفائدة هي ماذا؟ هي الالتجاء إلى الله عز وجل والتوسل إليه بالثناء عليه، بالثناء عليه. وهذا من مواطن استجابة الدعاء: أنك ما تدخل مباشرة في طلبك وسؤال الله عز وجل ما تريد، وإنما تقدم هذا الدعاء بالثناء على الله كإقرارك بتوحيد الله، وبحمد الله عز وجل، وبالثناء عليه؛ لأنه هو المالك وحده أو نحو ذلك. فهذا مما يكون سبباً في استجابة الدعاء. ثم بعدما أتى بهذه الجمل المتقدمة شرع في السؤال والطلب، فقال: «ربي أسألك خير هذه الليلة وخير ما بعدها»؛ أي: أسألك خير ما أردت وقوعه في هذه الليلة للصالحين من عبادك، فكل ما أردت من خير لعبادك الصالحين المؤمنين المقربين إليك فاجعلني منهم، اجعلني منهم، وليكن هذا الخير ممن يحظى به ويصل إليه. «خير هذه الليلة»، «خير هذه الليلة»، وأيضاً قوله: «وخير ما بعدها»؛ أي: ما بعدها من الليالي، ليست هذه الليلة التي أنا فيها فحسب، بل حتى الليالي التي بعدها. وقوله: «وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها»؛ أي: أعتصم بك وألتجع إليك، كما تقدم أن الاستعاذة بمعنى الاعتصام والالتجاء بالله سبحانه وتعالى. وقوله: «من شر ما في هذه الليلة»؛ أي: من شر ما أردت وقوعه فيها من شرور ظاهرة أو باطنة، فنجني من هذه الشرور واجعلني في بعد عنها. فما أعظم هذا الدعاء! وبهذا كان من المناسب أن يأتي بها، أن يأتي به المسلم في صباحه ومسائه حتى يكون في حفظ الله عز وجل سائر يومه، في صباحه ومسائه. فلما تقول: «أعوذ بك من شر ما في هذه الليلة» ما سيصيبك شر بإذن الله، بإذن الله سبحانه وتعالى. فهو دعاء عظيم فيه معنى حفظ الرب سبحانه وتعالى لعبده. وقوله: «رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر». المراد بالكسل هنا: عدم انبعاث النفس للخير في ظهور القدرة عليه، في مع ظهور القدرة عليه. المراد بالكسل هنا: عدم انبعاث النفس للخير مع ظهور القدرة عليه. يعني: تستطيع أن تقوم بهذه العبادة وبهذه الطاعة، لكن هذه النفس استثقلت هذا العمل، وكذلك ركنت إلى الدعة وإلى الفتور والكسل. مثلاً: أنت تستطيع في اليوم أن تقرأ جزءاً أو جزئين، فكسلت هذه النفس فلم تستطيع أن تفعل ذلك. تستطيع أن تصلي من الليل ما كتب الله لك، لكن هذه النفس الأمارة بالسوء أقعدتك، وكذلك أثقلتك عن الإتيان بهذه العبادة. هذا هو الكسل: عدم انبعاث النفس للخير مع ظهور القدرة عليه. أنت قادر أن تفعل هذا، تستطيع، لست بعاجز. وهذا هو الفرق بين الكسل والعجز: العجز هو عدم انبعاث النفس للخير مع عدم القدرة عليه، مع عدم القدرة عليه. أنت مريض تعجز عن الصلاة، فهذا لا يسمى كسلاً، هذا يسمى عجزاً. ما تستطيع أن تصلي قائماً فصليت جالساً، هذا ليس كسلاً وإنما هو عجز. لماذا؟ لأنك ما تستطيع أن تصلي قائماً. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين: «صل قائماً، فإن لم تستطع فقائماً». هنا عجز عن القيام فأذن له أن يصلي جالساً. فإذا أنت تستعيذ من الكسل، وبسبب الكسل وبسبب الكسل حرم كثير مننا الخير. تستطيع أن تفعل أبواباً كثيرة من أبواب الخير، لكن بسبب الكسل حرم القيام بهذه الأعمال. فأنت تستعيذ بالله من الكسل أن لا يستولي عليك الكسل، وأن يكون عندك نشاط، ويكون عندك رغبة في فعل الصالحات وفي فعل الطاعات، فتستعيذ بالله عز وجل لتلتجئ إليه من هذا الكسل أن لا يصيبك. وأما قوله: «وسوء الكبر»؛ سوء الكبر: أي ما يورثه كبر السن من ذهاب العقل واختلاط الرأي وغير ذلك مما يسوء به الحال، كأن تكون مقعداً تحمل أو تنظف من الأذى أو نحو ذلك. فأنت تستعيذ بالله أن ترجع إلى هذه الحال، أن تموت ولا يزال خلقك سليماً، ما تخرف، ولا كذلك تختلط، وتسأل الله ذلك. فهذا أيضاً من الأدعية الطيبة المباركة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم. فالدعاء من أعظم أسباب نيل المقصود وإجابة المطلوب، فينبغي للمسلم أن يحرص عليه. ثم قال: «ربي أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر»؛ أي: أستجير بك يا الله من أن ينالني عذاب النار وعذاب القبر، والعياذ بالله. ولماذا خصهما بالذكر دون غيرهما من أهوال ومن ما يكون من عذاب في يوم القيامة؟ لأن، لأن عذاب النار وعذاب القبر أول - يعني: أعظم عذاب. فالقبر أول منازل الآخرة، من سلم فيه سلم فيما بعده. ولذلك كان عثمان بن عفان إذا جاء عند حفة قبر يبكي حتى تبتل لحيته، فيقال له: يا أمير المؤمنين، تذكر الجنة والنار وما نراك تبكي كهذا البكاء؟ فقال: «إن القبر أول منازل الآخرة، فمن سلم منه فما بعده أيسر، فما بعده أيسر». فلذلك استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب النار ومن عذاب القبر. وأما النار فألمها عظيم وعذابها شديد، والعياذ بالله. وقال الله: ﴿ وَقِيهِمْ عَذَابَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ ﴾. وكذلك يستحب للمسلم إذا أصبح أن يغير صيغة المساء بالصباح. إذا الآن مثلاً بعد العصر تريد أن تأتي بأذكار المساء، تقول: «أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك والحمد، وهو على كل شيء قدير، ربي أسألك» إلى آخر الدعاء. وأما إذا أصبحت كنت في الصباح وتريد أن تأتي بأذكار الصباح، ما تقول: «أمسينا»، تقول: «أصبحنا وأصبح الملك لله». كذلك من ما يكون من تغيير في هذا الحديث في الصباح والمساء: أن في المساء تقول: «ربي أسألك خير ما في هذه الليلة» - هذا في المساء، تقول: «ربي أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها». وأما في الصباح ما تقول: «الليلة»، تقول: «اللهم إني أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده». بدل «الليلة» تقول: «اليوم»؛ لأن هذا هو المناسب لذكر الصباح. وأما المناسب لذكر المساء أن تقول: «الليلة». فإذا في الصباح تقول: «أصبحنا وأصبح الملك لله»، وتقول: «اللهم إني أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده». وأم في المساء فتقول: «أمسينا وأمسى الملك لله»، ثم تقول: «اللهم إني أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها». فهذا حديث عظيم، علمنا معناه وأهميته، وكذلك أنه سبب في حفظ العبد من شرور الصباح والمساء. فنحافظ عليه، بارك الله فيكم، ونحفظه، ونحرص على الإتيان به في صباحنا ومسائنا. نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.