شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 65

شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 65

الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 65، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم التدليس وتعريفاته وأقسامه العامة

يستهل المحور بتعريف التدليس لغةً واصطلاحاً عند علماء المصطلح كابن الصلاح والبزار وابن القطان، مبيناً حقيقته في رواية الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه بصيغة تحتمل السماع، مع التمثيل بتحري المحدثين كشعبة بن الحجاج لروايات المدلسين.

تدليس الإسناد ورحلة شعبة بن الحجاج في التحري

يخصص هذا المحور للحديث عن تدليس الإسناد تحديداً، مستعرضاً قصة شعبة بن الحجاج ورحلته الطويلة بين الكوفة والمدينة والبصرة للتحقق من سماع راوي حديث عقبة بن عامر في الدعاء بعد الوضوء، مما يبرز دقة المحدثين في قبول الرواية.

صور تدليس الإسناد التفصيلية وأنواعه

يفصل المحور في صور تدليس الإسناد مبيناً الفرق بين اللقاء والسماع، مستعرضاً أنواعه كتدليس العطف الذي فعله هشيم، وتدليس السكوت، وتدليس القطع الذي وقع فيه سفيان بن عيينة، مع الإشارة إلى تدليس الصياغ.

خاتمة البحث في تدليس الإسناد والاكتفاء بالقدر المذكور

يختتم المتحدث المحور بالإشارة إلى وجود تدليس في الإسناد وقراره الاكتفاء بما ذُكر من تفصيل في أنواعه وصوره وأمثلة المحققين عليه، مختتماً النقاش عند هذا الحد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف: الفصل الرابع: ما لا يتعلق بالعدالة ولا بالضبط غالباً. عنى: ما يطعن في الراوي بما لا يتعلق بالعدالة ولا بالضبط غالباً، لكن الأصل أنه يتعلق بهما لكن ليس مباشرة. قال: وهو ثلاثة أوجه: التدليس، وكثرة الإرسال، وكثرة الرواية عن المجهولين والمتروكين. فهذه ثلاثة أشياء: التدليس، وكثرة الإرسال. والإرسال هنا ليس المقصود الإرسال إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما المقصود الرواية عمن لم يدرك؛ الرواية عمن لم يدركه، سواء كان من التابعين يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو يروي عن الصحابة وهو لم يدركهم، وغيرها من هذا، أو يروي عن مشايخ لم يدركهم ولم يراهم. فهذا يسمى إرسالاً، يدخل في ذلك الإرسال الخفي والإرسال الظاهر، وهو رواية التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم. والثالث: كثرة الرواية عن المجهولين والمتروكين؛ يكثر الرواية عنهم، ويدلسهم، كما يفعل بعض أهل الشام كبقية وغيره. سنبين -إن شاء الله- الكلام على هذا. قال: الوجه الأول: التدليس. وهو ثلاثة أقسام: تدليس الإسناد، أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه بصيغة تحتمل السماع وعدم السماع. كان يقول: «عن فلان» أو «عن فلان». وابن الصلاح جعل التدليس: أن يروي الراوي عمن سمعه أو من عاصره موهماً أنه سمع منه. وهذا معنى أدخل التدليس والإرسال الخفي معاً، أو أنه يرى -كما قال المؤلف- يرى أن الإرسال الخفي من التدليس، والأمر سهل لأن هذا اصطلاح. لكن أولى من كلام ابن الصلاح ما ذكره البزار، عمر بن عبد الخالق البزار -أو أحمد بن عمر بن عبد الخالق-، وكذلك ابن القطان الفاسي، صاحب كتاب «الوهم والإيهام». فهذا أيضاً ذكر أن التدليس هو: أن يروي الراوي عمن سمعه ما لم يسمعه منه. أن يروي الراوي عمن سمعه ما لم يسمعه منه. فـ«عنه» سمع منه، لكن هذا الحديث لم يسمعه منه. فيعرف إما برواية الآخرين عنه، أو أحياناً يصرح في بعض الروايات وبعضها لا يصرح، أو مثلاً يقول: «أنا لم أسمعه من فلان». ولهذا حرص بعض أهل الحديث أنهم لا يأخذون الحديث من مشايخهم إذا دلسوا، كما كان يفعل شعبة ويحيى بن سعيد القطان وغيرهما. فكان شعبة لا يأخذ حديث المدلسين. لهذا كان يقول: «كفيتكم تدليس ثلاثة: أبو إسحاق السبيعي، وقتادة، والأعمش». لكن أحياناً بسبب عناد -أعني: بسبب تعنتهم- أحياناً ما يستطيع أن يأخذ الحديث هل هو موصول أو ليس بموصول. فمثلاً جاء في حديث قتادة عن أنس حديث: «أقيموا الصفوف، فإن إتمام الصفوف من إقامة الصلاة». ولا الحديث الآخر: «لا صلاة بحضرتي» أو «لا... إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة». معناه: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في حضرته عندما تقام الصلاة: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». ف جاء في هذا الحديث عند أبي عوانة أن قتادة قال: قال شعبة لقتادة: «أسمعت هذا من أنس؟» فلم يجبه قتادة، فردد عليه فلم يجبه. ورواه شعبة على هذا، أو قال: أقصد فقال شعبة: «فلم أسأله خشية أن يفسده علي». يقول: ما سألتُه لأجل أنه لا يفسده علي، يقول: «ما سمعت». خلاص، فقال: «فلم أسأله بعد ذلك خشية أن يفسده علي». فدل على أن هناك أحياناً يروي مثل هذه الأحاديث. كذلك رواه عن الأعمش حديث: «إذا بزاق...» أو «إذا رأى...» معنى ظهرت أو «إذا قطرت قطرة من الزقوم في الدنيا لأفسدت» أو «لأحرقت عليهم حياتهم». وكذا هذا الحديث يأتي من طريق الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر. فهذا الحديث لم يسمعه مجاهد من ابن عمر، وإنما رواه عن ليث بن أبي سليم. لكن شعبة رواه عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر. فهذا يحصل، لا بد من الاستيثاق؛ لأنه لا يحيط بهذا، وإلا كان لا يأخذ الحديث حتى يتأكد أنه قد سمعه. ولهذا جاء في قصة شعبة: لما في حديث... حديث عقبة بن عامر في الدعاء بعد الوضوء. كان شعبة في بيته، فسمع... فسمع عبد الوهاب بن عطاء الوراق يذكر هذا الحديث، فخرج فلطم، ودخل فجلس يبكي. فقال... فخرج فقال عبد الله بن إدريس -أو قال شعبة-: «ألا زال يبكي؟» فقال عبد الله بن إدريس له: «قد ضربته». فقال: «هذا لا يفهم هذا الحديث. خرجت لما سمعت هذا الحديث من أبي إسحاق، فقلت لأبي إسحاق: من حدثك بهذا الحديث؟ فلم يجب. فقلت: فقلت: والله إن لم تجب -أو إن لم تتكلم- فسأترك حديثك كله. فقال مسعر: يا شعبة، عبد الله بن عطاء موجود، لأنه رواه عن عبد الله بن عطاء، عبد الله بن عطاء موجود عندكم، اسأله، اسأله عن هذا الحديث، بدل ما تفعل هذا. خلاص، اترك أبا إسحاق واذهب إلى عبد الله بن عطاء». قال: فذهبت إلى عبد الله بن عطاء، فقال: «أخبرني إبراهيم بن سعد». قال: فذهبت إلى الحج، إبراهيم بن سعد مدني، فلقيت مالكاً، فقلت: «إبراهيم بن سعد قد حج». قال: «لا، هو في المدينة». قال: فذهبت المدينة، فلقيت إبراهيم بن سعد، فقال لي: «سمعته من زياد بن مخراق». فقال: هذا الحديث دمر علي: كوفي، مدني، بصري، أنا راح بعيد، ساعة هنا وساعة هنا. فقال له: «أحدثت؟ حدثني به زياد بن مخراق». زياد بن مخراق بصري. قال: فذهبت إلى البصرة، رجع ثاني مرة إلى البصرة، فقلت لزياد بن مخراق: «من حدثك بهذا الحديث؟» فقال لي: «يا شعبة، هذا ليس من بابك، أنا هذا ما سترضى به». فقال: «حدثني». فقال: «حدثني به شهر بن حوشب». فقال شعبة: «رحلة شهر أفسدت علي شهر». قال: «لو صح لكان لي كذا وكذا». لكن هذا الحديث الذي سأل عنه شعبة من طريق زياد بن مخراق هو من طريق شعبة، لكن الحديث جاء في صحيح مسلم من غير طريق شهر... أقصد من غير طريق شهر. لا لا لا... حديث حديث الدعاء بعد الوضوء، أشهد... حديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم. طيب. قال: لهذا كما قلنا التدليس هو... هو أن يسمع... قال البزار وابن القطان: هو... وهذا تدليس الإسناد. معنى تدليس الإسناد: أن يروي الراوي عمن سمعه ما لم يسمعه منه. أن يروي الراوي عمن سمعه ما لم يسمعه منه. وهذا لعله أفضل من قول المؤلف هنا: أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه بصيغة تحتمل السماع وعدم السماع. معنا ذكر الصيغة؛ لأنه لو قال مثلاً: «حدثنا» لكذب. لو قال: «حدثنا» لكذب. لكن هنا زاد مسألة الصيغة، وهي لا شك مفروضة معنا. يقول: قال فلان، عن فلان، أن فلان... معنا يأتي بصيغة محتملة. أما إذا جاء بصيغة التصريح بالتحديث فهذا كذب. فالتدليس مثلاً يعرف إذا كان يروي عن هذا الراوي ثم لم يسمع هذا الحديث منه. أنا كما قلنا في قصة... قصة رواها منصور عن منصور بن المعتمر عن سعد بن عبيدة عن ابن عمر. يقول سعد عن سعد بن عبيدة: «كنت في مجلس عبد الله بن عمر، قال: فناداني بعض أهلي فذهبت، ثم رجعت فرأيت المجلس قد انفض. فقلت لأبي محمد الكندي: ماذا قال أبو عبد الرحمن بعدما ذهبت؟ قال: قال: قال: أنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ‹من حلف بغير الله فقد أشرك›». فهذا الحديث لم يسمعه سعد بن عبيدة من عبد الله بن عمر. لكن تجد تصريحه، أو تجد الحديث في مثلاً في سنن الترمذي يقول: «سعد بن عبيدة عن عبد الله بن عمر»، ويوهم أنه سمعه منه وهو لم يسمعه منه. لكن بين هذا منصور، بين هذا القصة عن سعد بن عبيدة، منصور بن المعتمر. فتبين أن مثل هذا يكون تدليساً: أن يروي عمن سمعه ما لم يسمعه منه. أو بعضهم يقول: «عمن لقيه» أنه يكون أوسع؛ لأن اللقاء لا يتضمن السماع، وأن السماع أوسع من اللقاء. ممكن الإنسان يلتقي بشيخ دون أن يسمع منه. ولهذا بعضهم يعبر باللقاء أفضل من السماع حتى يدخل اللقاء؛ لأن الاتصال يحصل باللقاء ولو مرة واحدة. لهذا مثلاً يقولون: أن عطاء بن رباح، قال ابن معين وأحمد: أنه لم يسمع من ابن عمر. لكن من ناحية اللقاء لا شك أنه لقيه، لا لا لا يشك أنه لقيه، لكنه لم يسمع منه. لقيه، رآه يصلي في المسجد الحرام، رأى عطاء بن رباح ابن عمر يصلي في المسجد الحرام بعد الجمعة. لكن هل لقيه وسمع منه؟ قد روى عنه أحاديث كثيرة، لكن يقول ابن معين: أنه لم يسمع منه. لكن لقيه، هذا يعتبر متصلاً لأنه لقيه، هذا يعتبر أنه متصل. لكن إذا تبين أنه لم يسمع الحديث منه يعتبر تدليساً. فهذا تدليس الإسناد. ويدخل في تدليس الإسناد عدة تداليس: منها تدليس العطف، وهو الذي فعله هشيم، لما قال لأصحابه... معناه قال لهم: «سأحدثكم». قالوا: «حدثنا، لكن لا تدلس». قال: «سأحدثكم ولا أدلس». فكان يقول: «حدثنا فلان وفلان، حدثنا فلان وفلان». ثم قال لهم: «هل دلست عليكم؟» قالوا: «لا». قال: «بلى، قد دلست عليكم». فكل من قلتُ: «وفلان» فهو مما لم أسمعه من فلان. أنا يقول: «حدثنا فلان وفلان»، معناه أن فلان أيضاً روى هذا الحديث. رواه هشيم يحب التدليس. وأما أيضاً كذلك من تدليس الإسناد: تدليس السكوت، مثلاً يقول: «حدثنا» ويسكت، ثم يقول: «فلان». وكذلك تدليس القطع، تدليس القطع مثل ما يفعله سفيان بن عيينة، يقول مثلاً: «قال الزهري»، يجزم بأن هذا الكلام من الزهري، لهذا سمي تدليس القطع. فقيل له: «سمعته من الزهري؟» قال: «لا، لم أسمعه من الزهري، ولا من من سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري». وبعضهم يدخل أيضاً تدليس الصياغ، لكن تدليس الصياغ ممكن يدخل في تدليس الشيوخ. قال: هذا تدليس الإسناد. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.