الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 64، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع خلاف العلماء في جواز الرواية من نسخة لم تُقابل بالأصل، موضحًا ثلاثة أقوال: المنع المطلق، والجواز المطلق، والجواز المشروط. كما يبيّن طرق المحدثين في ضبط النسخ سواء بالمقابلة بالأصل أو بحفظ الشيخ، محذرًا من مخاطر الرواية من غير مقابل.
يؤكد المقطع على ضرورة مطابقة النسخ بأصول المشايخ المعتمدين وعدم الرواية عن كتب لم تُقابل، محذرًا من التساهل في الاعتماد على الوراقين الذين قد يدخلون زيادات أو يخطئون. ويستشهد بقصة سفيان بن وكيع الذي تُرك حديثه لإصراره على الرواية عن وراق سيء.
يفصل المقطع شروط أبي بكر الإسماعيلي والبرقاني والخطيب وابن الصلاح في جواز الرواية من نسخة لم تُقابل، والتي تشترط تصريح الراوي بعدم المقابلة، ونقل النسخة من أصل معتبر، وصحة نقل الناسخ وقلة سقطه.
يخلص المقطع إلى أن الحديث يصان من لحظة السماع إلى الأداء بحمايته من المبدلين والوراق السوء، مختتمًا بأن هذا خلاصة ما ذُكر والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد، قال: وأما ما يختص بضبط الكتاب، فوجه واحد هو التساهل برواية الحديث من فرع لم يقابل بالأصل. فإن الرواية من فرع غير مقابل محل خلاف على ثلاثة أقوال: هي جزم القاضي عياض بمنع الرواية عند عدم المقابلة مطلقًا، وسُئل أبو إسحاق الإسفرائيني عن جواز الرواية منه فأجاز ذلك، فذهب بعض الأئمة إلى جوازها بشروط. طيب، الآن التساهل برواية الحديث من فرع لم يقابل بالأصل: عن فرع كتبه أو اشتراه، سواء كان كتبه بنفسه من قراءة، أو اشتراه مثلًا من أحد أو غيره، فهو فرع لم يقابل بأصل الشيخ نفسه، أو بأصل قوبل بأصل الشيخ. غالبًا أن المحدثين يجعلون من يقرأ لهم، وهذا خاصة في طريقة أهل الحجاز في العرض؛ فيعرض عليهم الكتاب، وهذا الكتاب غالبًا يكون مقابلًا بالأصل، أو غير مقابل لكن يقابله بحفظ الشيخ، أو يكون الشيخ عنده النسخة الأصلية والطالب يقرأ النسخة التي معه، فإن كان فيها تصحيح صححها الشيخ، فتكون هذه مطابقة لأصل. أو يأتي إلى الشيخ ويقول له: أريد أصلك الذي كتبت منه، فيعطيه أصله فيكتب هذا الأصل، فهذا مقابل بالأصل. أو يأخذ مثلًا أصل التلميذ الذي هو مطابق للأصل فيكتبه، فيعتبر أيضًا مطابقًا للأصل. فإذا كان طابق الأصل روى هذه النسخة. أما إذا لم يطابقها ورواها دون مطابقة، فهذا غالبًا فيه خطر، أي فيه أنه قد تكون هناك أوهام؛ الإنسان ممكن أنه في وقت الدرس يكتب شيئًا ويترك شيئًا، معنا وقت الحديث شيء يكتب وشيء يمر عليه، لأنه مع الكتابة قد لا يستدرك كل ما يقوله الشيخ. لهذا كان أهل الحديث بعضهم ينهى عن الكتابة وقت الدرس، مثل ما كان يفعل شعبة وغيره. لهذا يحتاج إلى أن يقابل بأصل. ولهذا تجد مثلًا أصحاب شعبة يقابلون أصولهم بكتاب من؟ كتاب محمد بن جعفر. فأصحاب العمش يقابلون كتبهم بكتاب أبي معاوية، كتاب أبي معاوية محمد بن خازم الضرير. فتجد هناك تلميذ من التلاميذ مع الشيخ يثق فيه، أو أن الشيخ يعطيه أصوله. فمعمر مثلًا ما كان يعطيه أصوله لأحد. لما جاء عبد الله بن المبارك أعطاه أصوله، ولما جاء سفيان بن الثوري أعطاه أصوله. فتجد أنهم لا يعطون أصولهم إلا من يثقون فيه. فإذا كان مثلًا هذا الشخص معه أصل فلان مطابق بأصل الشيخ، هنا لا بأس أن يأخذه ويكتبه ويطابق عليه. أما يروي بأصل لم يطابق، فهذا من التساهل في الضبط. وكذلك أيضًا من التساهل -مما يدخل فيه تساهل في الضبط- أن لا يتفقد كتابه، ويعتمد على الوراقين. وهذا يدخل في هذا الباب أيضًا. فتجد أنه يروي كتابًا على كتابة الوراقين، دون أن ينظر إلى هذا الكتاب، ودون أن يتأكد هل هذه الكتابة صحيحة أم لا. لأن بعض الكُتّاب والوراقين يدخلون أشياء على بعض الأئمة، مثل ما كان سفيان بن وكيع؛ هو حافظ كبير، لكنه كان وراقًا، وهو وراق سوء، فكان يدخل عليه بعض الأشياء. فنُصح فلم ينتصح. نصحوه أهل الحديث أنه لا يكتب له هذا الشخص، فلم ينتصح، فترك حديثه، وصارت الأوهام في حديثه بسبب هذا الوراق. سفيان بن وكيع يعتبر من الحفاظ الكبار، لكن بسبب عناده تركه العلماء، وظهرت النكارة في حديثه بسبب إدخال هذا الرجل بعض الأشياء. أو أنه عنده تساهل في الكتابة؛ أحيانًا الإنسان لا يتعمد هذا الأمر، معنى بعض الوراقين ما يتعمدون، لكن يكون عندهم تساهل، فيكتب سريعًا فيمر على بعض العبارات أو بعض الأسطر بسبب السرعة. أيضًا كذلك لا عنده إهمال في ضبط الحروف؛ فقد يكتب حرفًا مثلًا غينًا ويجعلها عينًا، وهكذا أشياء كثيرة تحصل في الكتابة. لهذا أيضًا هذا يعتبر من التساهل. فمثل هذه الفروع لا يجوز، أو لا ينبغي لأهل الحديث أن يروي مثل هذا. لكن العلماء، كما قال هنا المؤلف، منهم من قال لا يجوز، وهذا جزم به القاضي عياض. ومنهم من قال يجوز، وهو قول أبي إسحاق الإسفرائيني. الإسفرائيني، ويقال: الإسفرائيني والأسفرائيني، وهو من أئمة الشافعية. وقال: وذهب بعض الأئمة إلى جوازها بشروط. فاشترط أبو بكر الإسماعيلي وأبو بكر البرقاني -وهو تلميذه- أن يبين الراوي عند الأداء أنه لم يعارض بالأصل، فيقول كما قال البرقاني: «أخبرنا فلان ولم أعارض بالأصل»، يعني يصرح أن نسخته غير مقابلة بالأصل. وزاد أبو بكر الخطيب شرطًا آخر، وهو أن يكون الراوي قد نقل من الأصل المعتبر. وقال: زاد ابن الصلاح شرطًا ثالثًا، وهو أن يكون الناقل لنسخة الفرع من الأصل صحيح النقل، قليل السقط. يعني يشترط أن تكون هذه النسخة نُقلت من الأصل المعتبر، إما أصل الشيخ نفسه، أو الأصل الذي قُرئ على الشيخ، الأصل الذي قُرئ على الشيخ. فلو نقلها مثلًا من أصل لم يُقرأ على الشيخ، لكن مثلًا كتب من الأصل الذي قُرئ على الشيخ، فهذا يعتبر عندهم كأنه ناقص، أو كأن في قبوله شيء؛ لأنه الآن أصبح معرضًا للتغيير، معرضًا للتغيير. لأنه الآن لما ينقل عن هذا الكتاب، ما يدريه هل هذا الكتاب نفسه الذي كُتب من أصل الشيخ، أو أنه كُتب له، وزاد هذا الوراق، زاد فيه ونقص، زاد فيه ونقص. فلهذا اشترط الخطيب مثل هذا. أما ابن الصلاح فيقول: أن يكون ناقل نسخة الفرع من الأصل صحيح النقل، قليل السقط. أن هذا الشرط فيمن فيه الناقل نفسه، في الوراق، أن يكون هذا الوراق يعرف أنه قليل السقط، وأنه يكتب كتابه صحيحة. أما إذا كان عرف العلماء أنه يدخل ويخرج، مثل ما عرف وراق سفيان بن وكيع، فهذا مما لا تقبل رواية هذا الرجل؛ لأنه يخلط، أو لأنه عنده وراق سوء، ولم يصن كتابه. فمعلوم أن الحفظ هو صيانة الكتاب منذ أن سمع منه إلى أن يؤديه. منذ أن سمع منه إلى أن يؤديه، ماذا يصونه؟ يصونه من المبدلين والوراق السوء. يصونه من المبدلين والوراق السوء. طيب، هذا خلاصة ما يذكر، والله تعالى أعلم.