الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 13، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يتناول هذا المحور الرد على طائفتي اللفظية والحكاية ممن يزعمون أن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله، مستدلاً بآيات تثبت أن المسموع والمقروء هو كلام الله عينه غير مخلوق. ويبين أن قول الحكاية نوع من القول بخلق القرآن فيه تلبيس ومخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف.
يستعرض المحور فضائل القرآن وأحاديث الحث عليه مع التحذير الشديد من بدعة الجهمية القائلة بخلق القرآن وعدّها كفراً. ويسرد قصة الخليفة المهتدي بالله مع صالح بن علي الهاشمي التي تُظهر شجاعة قول الحق ومراقبة الله تعالى.
يروي المحور قصة مناظرة الشيخ الشامي مع أحمد بن أبي دؤاد أمام الخليفة الواثق التي انتهت بانتصار حجة السلف وإسكات المعتزلة. كما يذكر موقف عالم آخر رفض القول بخلق القرآن فأُطلق سراحه بعد حجاجه القوي ورأى رؤيا للشيطان يعترف فيها بأن القرآن غير مخلوق.
يبيّن المحور أن الرؤيا ثلاثة أقسام لا يُحتج بها في الأحكام الشرعية وإنما يُستأنس بها إن وافقت الشرع. ويسوق قصة الشيخ الضرير الذي دعا على نفسه بمحو القرآن إن لم يكن مخلوقاً فاستجيب دعاؤه وعُوقب تحذيراً من الخوض في العقائد بغير علم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فَلَزِلْنَا في هذا الكتاب النافع، كتاب الشريعة للإمام الحافظ الفقيه المحدث أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله تعالى، المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة. وهذا الكتاب من كتب أهل السنة المعتمدة في بيان عقيدة السلف وبيان منهجهم. قال رحمه الله تعالى: «باب ذكر اللفظية، ومن زعم أن هذا القرآن حكاية للقرآن الذي في اللوح المحفوظ فقد كذب». وهذه الترجمة تتضمن الكلام عن طائفتين: طائفة تقول إن لفظها بالقرآن مخلوق، وطائفة أخرى تقول إن القرآن حكاية وعبارة عن كلام الله. قال رحمه الله تعالى: «باب ذكر اللفظية، ومن زعم أن هذا القرآن حكاية للقرآن الذي في اللوح المحفوظ فقد كذب». قال محمد بن الحسين رحمه الله: «احذروا رحمكم الله هؤلاء الذين يقولون إن لفظه بالقرآن مخلوق، هذا عند أحمد بن حنبل ومن كان على طريقته منكر عظيم، وقائل هذا مبتدع يجتنب ولا يكلم ولا يجالس، ويحذر منه الناس. لا يعرف العلماء غير ما تقدم ذكرنا له، وهو أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فقد كفر، ومن قال القرآن كلام الله ووقف فهو جهمي، ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي». كذا قال أحمد بن حنبل، وغلظ فيه القول جداً. وكذلك من قال إن هذا القرآن الذي يقرأه الناس وهو في المصاحف حكاية عما في اللوح المحفوظ، فهذا قول منكر تنكره العلماء، يقال لصاحب هذه المقالة: القرآن يكذبك ويرد قولك، والسنة تكذبك وترد قولك. تقدم الكلام على تفصيل القول في الرد على من زعم أن القرآن مخلوق، وكذلك الرد على من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق، وكذلك الرد على من زعم الوقف فلا يقول هو مخلوق ولا يقول غير مخلوق. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى في الرد على من يقول باللفظ أو بأن القرآن مخلوق: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، شاهد من الآية. قال: فأخبرنا الله تعالى أنه إنما يستمع الناس كلام الله تعالى، ولم يقل حكاية كلام الله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. فالمسموع كلام الله، والمقروء كلام الله، والمكتوب كلام الله، والصوت صوت القارئ. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، حتى يسمع كلام الله. فإذا سمع منك فالصوت... الصوت صوتك، والمسموع كلام الله عز وجل. قال رحمه الله: فأخبرنا الله تعالى أنه إنما يستمع الناس كلام الله تعالى، أي المسموع، ولم يقل حكاية كلام الله. وهذا القول بالحكاية هو من نوع القول بخلق القرآن؛ فإن هذا القول معناه أن هذا الموجود عبارة أو حكاية عن كلام الله، فليس هو بكلام الله، وإنما هو حكاية عن كلام الله. وحينئذ يُسألون: كلام مَن؟ كلام مَن إذا كان حكاية؟ فكلام مَن هو؟ وهذا القول هو قول بخلق القرآن، هذا القول هو قول بخلق القرآن، لكن فيه تلبيساً. القول بالحكاية أو العبارة هو نوع من القول بخلق القرآن، غير أن فيه تلبيساً وتشبيهاً على من لا يفطن لمقاصد الكلام وظاهره ومؤداه. إذا قال: إن القرآن حكاية، فيقال: إذن هو ليس حقيقة كلام الله، وإنما هو عبارة عن كلام الله وحكاية عن كلام الله، فكلام مَن؟ والحكاية مخلوقة أم خالقة؟ فهذا القول هو نوع من القول بخلق القرآن لمن تأمل وتدبر. قال رحمه الله: وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]. فأخبر أن السامع إنما يسمع القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، إذن ما الذي استمعتم له؟ القرآن. فالمسموع هو القرآن، والصوت صوت القارئ، كما قدمنا مراراً: الصوت صوت القارئ، والكلام كلام الباري جل جلاله. قال رحمه الله: وقال الله... وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، فأخبر أن السامع إنما يسمع القرآن، ولم يقل حكاية القرآن. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. وقال تعالى: والشاهد في هذا الإشارة الحسية: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ﴾، أي الذي هو مكتوب في المصاحف. فالحبر والورق والمداد مخلوق. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ﴾، أي الذي في المصاحف: الحبر مخلوق، والورق مخلوق، والجلد مخلوق، والمكتوب كلام الله عز وجل غير مخلوق. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: 29-30]. هذه الآيات... هاتان الآيتان تضمنتا أن القرآن الذي سمعوه كلام الله عز وجل، وأنه الذي أنزل على نبينا محمد كما أنزلت التوراة على موسى، فكلاهما يصدق بعضهما بعضاً، وهذا كلام عظيم جداً. فالكتب السماوية ليست متعارضة، بل هي متشابهة في كثير من الجوانب، لا سيما التوحيد. التوحيد باب واحد في جميع الكتب الرسالية. قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]. والفرق أن هذا القرآن يأتي ناسخاً لأحكام كانت في الكتب السابقة، فتكون في الكتب السابقة منسوخة، وفي القرآن... والقرآن ناسخها. ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. وجوانب الاتفاق في الأحكام والكليات والتوحيد بين هذه الكتب وبين القرآن كلها طريقها واحد، إلا في مسائل جاء شرعنا بنسخها. ولهذا قال هؤلاء الجن: ﴿كِتَابًا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. هل هذا الكتاب يعارض التوراة؟ لا يعارضه، وإنما يصدقه في أحكامه وتقريراته وإرشاداته ودعوته، إلا مسائل فقهية جاء في شرعنا نسخها وهي معروفة. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: 1-2]. ولم يقل: يستمعون حكاية القرآن، ولا قالت الجن: إنا سمعنا حكاية القرآن. هذه اللفظة: «إنا سمعنا حكاية القرآن» تقتضي أن هذا الذي بين أيدينا ليس هو القرآن، وإنما هو حكاية، كما تقول: هذا ليس فلاناً، وإنما هي صورة أو شبه أو شبيهه. فهذا يقتضي المغايرة بين الحكاية وبين القرآن نفسه. هذا القول قالته الكلابية، هذا القول قالته الكلابية وهو مشهور عنهم، وأخذه عنهم الأشاعرة، وقالوا بالعبارة، قالوا بالعبارة: عبارة عن كلام الله، حكاية عن كلام الله. وهذا القول هو من جنس القول بخلق القرآن، شَعَرَ قائله أو لم يَشْعُر. قال: ولم يقل: يستمعون حكاية القرآن، ولا قالت الجن: إنا سمعنا حكاية القرآن، كما قال من ابتدع بدعة ضلالة. أي الفرق بين الحكاية والقرآن؟ وأتى بخلاف الكتاب والسنة، وبخلاف قول المؤمنين. وقال الله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20]. قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى: وهذا في القرآن كثير لمن تدبره، هذا لمن يتدبر القرآن. فتدبر القرآن، إن العلم تحت تدبر القرآن. القراءة التي يكون فيها التدبر والتأمل يفتح الله فيها على الإنسان بفتوح عظيم. وقال: وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل الذي ليس في جوفه من القرآن شيء كالبيت الخرب». وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مثل القرآن مثل الإبل المعقلة، إن تعاهدها صاحبها أمسكها، وإن تركها ذهبت». وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو». وفي حديث آخر: «لا تسافروا بالمصاحف إلى أرض العدو، فإني أخاف أن تنالوها». وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار». وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله عز وجل قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمة ينزل عليهم هذا، وطوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا». عُلِّقَ: ويقول: حكم عليه الشيخ العلامة ناصر الدين الألباني بالوضع، وما تقدم يغني عنه. وقال ابن مسعود: «تعلموا القرآن وتلوه، فإن لكم بكل حرف عشر حسنات». وفي السنن مما ذكرناه كثير، والحمد لله. قال محمد بن الحسين رحمه الله: فينبغي للمسلمين أن يتقوا الله تعالى، ويتعلموا القرآن، ويتعلموا أحكامه، فيحلوا حلاله ويحرموا حرامه، ويعملوا بمحكمه ويؤمنوا بمتشابهه، ولا يماروا فيه، ويعلموا أنه كلام الله تعالى غير مخلوق. فإن عارضهم إنسان جهمي فقال: مخلوق، أو قال: القرآن كلام الله ووقفه، أو قال: لفظي بالقرآن مخلوق، أو قال: هذا القرآن حكاية لما في اللوح المحفوظ، فحكمه أن يهجر ولا يكلم ولا يصلى خلفه، ويحذر منه. هذه مقالة عظيمة. من يقول القرآن مخلوق فهو جهمي، وهو كافر بالله العظيم، كافر بالله العظيم. ومن توابع مقالة الجهمية قول الكلابية بالحكاية أو العبارة، عند الأشاعرة. كل ذلك من المنكرات العظيمة. قال: وعليكم بعد ذلك بالسنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنن أصحابه رضي الله عنهم، وقول التابعين، وقول أئمة المسلمين، مع ترك المراء والخصومة والجدال في الدين. فمن كان على هذا الطريق رجوت له من الله كل خير. هذا منهج السلف: لزوم السنن، لزوم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولزوم سنن أصحابه وهو هديهم، ولزوم أقوال التابعين وأقوال الأئمة من علماء المسلمين، وترك الجدال والخصومة كما يفعل المنحرفون الضالون. فهذا ممن يرجى له السلامة، كما قال الشيخ رحمه الله: فمن كان على هذا الطريق رجوت له من الله تعالى كل خير. وسأذكر بعد ذلك ما لا بد منه لمن كان هذا مذهبه وعلمه والعمل به، وسأذكر بعد ذلك ما لا بد منه لمن كان هذا مذهبه وعلمه والعمل به، من معرفة الإيمان وشريعة الإسلام حالاً بعد حال. والله الموفق لكل رشاد والمعين عليه إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. بَيَّنَ رحمه الله أنه سيذكر شرائع الإسلام من باب الإسلام والإيمان، ومعرفة أحكام كل منها مما إذا تمسك بها الإنسان نجا. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو عبد الله جعفر بن إديس القزويني، قال: حدثنا أحمد بن الممتنع بن عبد الله القرشي التيمي، قال: أخبرنا أبو الفضل صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور الهاشمي، الهاشمي، وكان من وجوه بني هاشم وأهل الجلالة والسبق منهم. قال: حضرت المهتدي بالله أمير المؤمنين، وقد جلس ينظر في أمور المسلمين في دار العامة، فنظرت إلى قصص الناس تقرأ عليه من أولها إلى آخرها، فيأمر بالتواقع فيها، وإن شاء كتب لأصحابها ويختم ويدفع إلى صاحبه بين يديه. فسرني ذلك، وجعلت أنظر إليه، فغَطَّ ونظر إلي، فغضضت عنه، حتى كان ذلك مني ومنه مراراً ثلاثاً: إذا نظر إلي غضضت، وإذا اشتغل نظرت. فقال لي: يا صالح. قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، وقمت قائماً. فقال: في نفسك منا شيء تحب أن تقوله؟ هذا يدل على فطنة المهتدي، هذا يدل على فطنته؛ فإن العيون لها لغة، العيون لها لغة تخاطب الناس. فإذا نظرت العين في العين فقد تقرأ في نظرتها كلاماً وكلاماً، وإن لم يتلفظ اللسان بحرف. فقال: في نفسك منا شيء تحب أن تقوله، أو قال: تريد أن تقوله؟ قال: فقلت: نعم يا سيدي يا أمير المؤمنين. قال لي: عد إلى موضعك. فعدت، وعاد في النظر، حتى إذا قام قال للحاجب: لا يبرح صالح، أي لا يقوم من مكانه، يجلس في مكانه صالح بن علي بن يعقوب الهاشمي. فانصرف الناس، ثم أدنيني، وقد أهمتني نفسي. فدخلت... فدخلت، فدعوت له، فقال لي: اجلس. فجلست. فقال: يا صالح، تقول لي ما دار في نفسك، أو أقول أنا، أو أقول أنا ما دار في نفسي أنه دار في نفسك؟ قلنا: لغة العيون معروفة عند أهل الفراسة، كما قال القائل الشاعر: والعين تعرف في عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها والعين تبصر في عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها فالعيون لها لغة تعرف. قال: هذا الأمير... أو أقول أنا ما دار في نفسي أنه دار في نفسك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما تعزم عليه وما تأمر به؟ فقال: وأقول أنا: كأني بك وقد استحسنت ما رأيت منا، فقلت: أي خليفة خليفتنا، إن لم يكن يقول القرآن مخلوق. فَوَرَدَ على قلبي أمر عظيم، وأهمتني نفسي. ثم قلت: يا نفسي، هل تموتين إلا مرة؟ وهل تموتين قبل أجلك؟ أجلك. هذا كلام عظيم في قول كلمة الحق. قد يخاف الإنسان من بطش بعض الباطشين، ولكنه ينسى غضب أرحم الراحمين، والموقف بين يديه سبحانه وتعالى، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. الإنسان يقول الحق ليرضي الرب جل جلاله، وإن غضب من غضب من الخلق. هذا الرجل الهاشمي صالح بن علي يستعظم أمر عدل المهتدي في رعيته، ثم يقول في نفسه: أي خليفة خليفتنا، لولا أنه يقول بخلق القرآن. والخليفة حين رأى نظراته أدرك ما في صدره من كلماته، فهمها، حتى إنه قال: أتحب أن تقول لي ما دار في نفسك، أو أقول أنا ما دار في نفسي أنه دار في نفسك؟ فلما أخبره حقاً بما دار في نفسه، خاف صالح... صالح بن علي خاف، ثم خاطب نفسه بأنها نفس واحدة: أنت لن تموت أكثر من مرة. ذكرنا في شرح سنة للرازيين أبياتاً كان قطري بن الفجاءة يتمثل بها، تضرب في الشجاعة والصبر والبسالة. قيل: إنها ما قرأها جبان إلا تشجع. ما يقرأ هذه الأبيات جبان إلا تشجع. ذكرناها... حتى إن معاوية رضي الله عنه همّ أن ينهزم فيما جرى من حروب بينهم، عفا الله عنهم جميعاً ورضي عنهم، فقال: ذكرت أبيات قطري فثبت. أبيات فيها هذا المعنى: هل تموتين يا نفس إلا مرة؟ واحد يقول قطري، وكان من شجعان العرب، كان من شجعان العرب وأبطالهم. لو... لأنه خارجي، أقول لها وقد طارت شعاعاً من الأبطال، ويحكي لن تراعي... أي يخاطب نفسه: أقول لها وقد طارت شعاعاً، أي خافت، فكأنها تفرقت أجزاء في جسده وفي صدره تخاف الموت، فكل جزء يختبئ من الأجل متفرقة، هذا معنى «شعاعاً». أقول لها وقد طارت شعاعاً من الأبطال ... ويحكي لن تراعي فإنك لو سألت بقاء يوم على الأجل الذي لك لم تطاعي فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاعي وما ثوب... وثوب الحياة بثوب عز فيطوى عن أخي الخنع اليراعي سبيل الموت غاية كل حي ... وداعيه لأهل الأرض داعي وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عد من سقط المتاعي ذكرنا شرحها فيما سبق. شاهد: الإنسان أحياناً في أيام المحن وأيام الفتن قد يصيبه شيء من الخوف، فإذا خاطب نفسه بالموت تشجع. قال رحمه الله تعالى: قال: يا صالح، تقول لي ما دار في نفسك، أو أنا، أو أقول أنا ما دار في نفسي أنه دار في نفسك؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، ما تعزم عليه وما تأمر به؟ فقال: وأقول أنا: كأني بك وقد استحسنت ما رأيت منا، فقلت: أي خليفة خليفتنا، إن لم يكن يقول القرآن مخلوق. قال صالح: فَوَرَدَ على قلبي أمر عظيم، أي خفت، وأهمتني نفسي. ثم قلت: يا نفس، هل تموتين إلا مرة واحدة؟ وهل تموتين قبل أجلك؟ وهل يجوز الكذب في جد أو هزل؟ فقلت: والله يا أمير المؤمنين، ما دار في نفسي إلا ما قلت. تشجع وقال ما في نفسه دون أي خوف أو دون أي رهبة، لأنه تذكر الموقف بين يدي الله عز وجل، وأنه لا يليق به الكذب، لا في جد ولا في هزل. قال: فقلت: والله يا أمير المؤمنين، ما دار في نفسي إلا ما قلت. ثم أطرق ملياً، ثم قال لي: ويحك، اسمع مني ما أقول، فوالله لتسمعن مني الحق. فسري عني. فقلت: يا سيدي، ومن أولى بقول الحق منك؟ حسن مخاطبة للأمراء. هذا من أدب الخطاب مع الكبار، يتأدب الإنسان في الكلام معه. هذا رجل من علية بني هاشم، ومع هذا يخاطب رجلاً من بني العباس بخطاب فيه أدب جم. قال رحمه الله تعالى: وغفر له. فقلت: يا سيدي، ومن أولى بقول الحق منك، وأنت أمير المؤمنين، وأنت خليفة رب العالمين؟ هذه الجملة بعض أهل العلم ينتقدها: «خليفة رب العالمين». هذه الجملة بعض أهل العلم ينتقدها؛ لأن الله عز وجل يقول في آدم: ﴿خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 30]. فلو اجتنبت مثل هذه اللفظة كان أولى، اجتناب مثل هذه اللفظة كان أولى. «وأنت خليفة رب العالمين، وابن عم سيد المرسلين من الأولين والآخرين». فقال: ما زلت أقول القرآن مخلوق صدراً من خلافة الواثق، حتى قدم علينا أحمد بن أبي دؤاد... حتى قدم علينا أحمد بن أبي دؤاد، شيخاً من أهل الشام، من أهل آذنة. أي جاء أحمد بن أبي دؤاد لما أمر بجمع العلماء، قالوا: اجمعوا العلماء الذين في البلدان في كل بلاد ليقولوا بخلق القرآن، ثم يخرجوا للناس، ثم يخرجوا للناس فيقولون: قد قلنا بخلق القرآن، فتثبت المقالة في الناس. قال رحمه الله تعالى: قد... ما زلت أقول القرآن مخلوق صدراً من خلافة الواثق، حتى قدم علينا أحمد بن أبي دؤاد، شيخاً من أهل الشام، من أهل آذنة. فأدخل... فأدخل الشيخ على الواثق مقيداً، وهو جميل الوجه، تام القامة، حسن الشيبة. فرأيت الواثق... الواثق قد استحيا منه ورق له، فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه. فسلم الشيخ، فأحسن السلام، ودعا، فأبلغ الدعاء وأوجز. فقال له الواثق: اجلس. ثم قال له: يا شيخ، ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك عليه. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، ابن أبي دؤاد يقل ويضيق ويضعف عن المناظرة. فغضب الواثق، وعاد مكان الرأفة... وعاد مكان الرأفة له غضباً عليه. فقال: أبو عبد الله، ابن أبي دؤاد يضيق ويقل ويضعف... ويضعف عن مناظرتك أنت؟ فقال الشيخ: هَوَّنْ عليك يا أمير المؤمنين، ما بك؟ وأذن لي في مناظرته. فقال الواثق: ما دعوتك إلا للمناظرة. فقال الشيخ: يا أحمد، بن أبي دؤاد، إلى ما دعوت الناس ودعوتني إليه؟ قال: إلى أن تقول القرآن مخلوق، لأن كل شيء دون الله مخلوق. فقال الشيخ: إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تحفظ علي وعليه ما نقول؟ قال: أفعل. قال الشيخ: أخبرني يا أحمد عن مقالتك هذه، أواجبة داخلة في عقد الدين، فلا يكون الدين كاملاً حتى يقال فيه ما قلت؟ قال: نعم. قال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين بعثه الله تعالى إلى عباده، هل ستر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً مما أمره الله تعالى به في دينه؟ قال: لا. قال الشيخ: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: تكلم. فسكت. فالتفت الشيخ إلى الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين، واحدة. فقال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن الله تعالى حين أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. كان الله تعالى الصادق في إكماله دينه، أم أنت الصادق في نقصانه، فلا يكون الدين كاملاً حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: أجب يا أحمد. فلم يجب. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، اثنتان. فقال الواثق: اثنتان. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه، أعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم جهلها؟ قال ابن أبي دؤاد: علمها. قال الشيخ: فدعا الناس إليها؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، ثلاثة. فقال الواثق: ثلاثة. فقال الشيخ: يا أحمد، فاتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ علمها كما زعمت، ولم يطالب أمته بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: واتسع لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم؟ فقال ابن أبي دؤاد: نعم. فأعرض الشيخ عنه، وأقبل على الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قدمت القول إنه... إن أحمد يضيق ويقل ويضعف عن المناظرة. يا أمير المؤمنين، إن لم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأبي بكر، ولعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم، فلا وسع الله على من لم يتسع له ما اتسع لهم من ذلك. فقال الواثق: نعم، إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم، فلا وسع الله علي. اخطعوا قيد الشيخ. فلما قطع، ضرب الشيخ بيده إلى القيد ليأخذه، فجاذبه الحداد عليه... أي أراد أن يحتفظ بتلك القيود، هذا الشيخ العظيم. قال رحمه الله تعالى: فلما قطع، ضرب الشيخ بيده إلى القيد ليأخذه، فجاذبه الحداد عليه. فقال الواثع: دع الشيخ ليأخذه. فأخذه الشيخ، فوضعه في كمه. فقال الواثق: لما جاذبت عليه؟ قال الشيخ: لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي إليه إذا مت أن يجعله بيني وبين كفني، حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله تعالى يوم القيامة، يعني ابن أبي دؤاد. فأقول: يا رب، سل عبدك هذا لم قيدني وروع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك عليه. وبكى الشيخ، فبكى الواثق، وبكينا. ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وساعة مما ناله. فقال الشيخ: والله يا أمير المؤمنين، لقد جعلتك في حل وساعة من أول يوم، إكراماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كنت رجلاً من أهله. فقال الواثق: لي إليك حاجة. فقال الشيخ: إن كانت ممكنة فعلتها. فقال الواثق: تقيم عندنا فينتفع بك فتياننا. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم... هذا الظالم، إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم، أنفع لك من مقامي عليك. وأخبرك بما في ذلك: أصير إلى أهلي وولدي، وأكف دعاءهم عليك، فقد خلفتهم على ذلك. فقال الواثق: فتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، لا حد لي أنا عنها غني، وذو مرة سوي. قال: فسل حاجتك. «ذو مرة سوي»: أي رجل قوي قادر على الكسب، ولدي شيء من مال أتعفف به. قال: فسل حاجتك. قال: أو تقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: تخلِّي سبيلي إلى الثغر الساعة. الثغر: يعني أماكن القتال، الحدودية بين المسلمين والكفار. تخلِّي سبيلي إلى الثغر الساعة، وتأذن لي. قال: قد أذنت لك. فسلم الشيخ، وخرج. قال صالح: فقال المهتدي بالله، رحمه الله، رحمه الله تعالى: فرجعت عن هذه المقالة من ذلك اليوم، وأظن الواثق بالله... وأظن الواثق بالله كان قد رجع عنها من ذلك الوقت. القصة إسنادها حسن، القصة إسنادها حسن. ولم يذكر اسم هذا الشيخ في هذه الطريق. والحاصل أنه رجل من أهل العلم، ومن أهل العقل والحكمة والذكاء والفطنة، جمع بين العلم والعقل والذكاء والفطنة، فكانت أسئلته كأنها سيف حاد يقطع ولا يُقطع، فإذا وقع قطع حجة المحاور. ولهذا كأنها قيد يقيد به المخالف، لأنه تمسك بالأصل العتيد، وهو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الميزان الذي يوزن به الناس. ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الميزان الذي يوزن به الناس، ويحاكمون إليه. فإذا حُوكِمُوا إلى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أفكارهم وأقوالهم وأعمالهم، ظهر الصادق من الكاذب، وظهر الهدى من الضلال، وظهر المحق من المبطل. فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة. فكل ما أحدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه سبب ضلالة، عياذاً بالله. قال رحمه الله تعالى: فقال المهتدي... قال صالح: قال المهتدي بالله، رحمة الله عليه: فرجعت عن هذه المقالة من ذلك اليوم، وأظن الواثق بالله كان قد رجع عنها من ذلك الوقت. يقول المعلق: قال شيخ الإسلام ابن تيمية، والقصة مشهورة. نعم، القصة لها طرق وهي مشهورة. أوردها أيضاً ابن قدامة رحمه الله مختصرة في «لمعة الاعتقاد»، وإسنادها حسن، وإسنادها حسن. وكم في الزوايا من الخبايا، كم من أناس ليسوا مشهورين عندهم من العلم الشيء العظيم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. قال: وحدّثنا أبو عبد الله القزويني أيضاً، قال: حدّثنا يحيى بن عبدك القزويني، قال: سمعت يحيى بن يوسف الزمِّي يقول: بينا أنا قائل في بعض بيوت خانات مروة، قائل: يعني نائم بالقيلولة. فإذا أنا بهول عظيم قد دخل علي، فقلت: من أنت؟ فقال: لا تخف يا أبا زكريا. قال: قلت: فنعم، من أنت؟ قال: وقمت وتهيأت لقتاله. فقال: أنا أبو مُرَّة. قال: فقلت: لا حياك الله. فقال: لو علمت أنك في هذا البيت لم أدخل، وكنت أنزل بيتاً آخر، وكان هذا منزلي حين آتي خُراسان. قال: قلت: من أين أتيت؟ قال: من العراق. قلت: وما عملت في العراق؟ قال: خلفت فيها خليفة. قلت: ومن هو؟ قال: بشر المريسي. قلت: وإلى ما يدعو؟ قال: إلى خلق القرآن. قال: وآتي... وآتي خراسان فأخلف فيها خليفة أيضاً. قال: قلت: أي شيء تقول في القرآن أنت؟ قال: أنا، وإن كنت شيطاناً رجيماً، أقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. هذه رؤية، ونوع من أنواع الأحلام، ولكنها أحلام كأنها واقع وحقيقة. فالشيطان رأس هذه الفرق الضالة، وهو مبتدع هذه البدع العظيمة، فدعاهم إليها وغرهم بها، فاغتروا بها. نسأل الله العافية. والسلام: يوم ندعو كل أناس بإمامهم. وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: خط خطوطاً صلى الله عليه وسلم، فقال: «هذه السبل، وعلى كل سبيل وعلى رأس كل سبيل منها شيطان يدعو إليها». الشيطان هو مؤسس هذه الأهواء والبدع، وهذه الآراء، زينها لأصحابها وحببها إليهم، وأرسلهم وأيدهم، وزينها لهم حتى ظنوها هدى وهي ضلالة، وظنوها صواباً وهي جهالة. نسأل الله العافية. «وعلى رأس كل سبيل منها شيطان يدعو إليه». فالرؤية موافقة للحق، وموقف أهل السنة من الرؤى أن الرؤية تسر المؤمن ولا تُغترّ، تُذكر في أواصر الأخبار على سبيل الحكاية لا على سبيل الاحتجاج. فالرؤى لا تؤخذ منها الأحكام، خلافاً لبعض طوائف المتصوفة. ليست من مصادر الشرع، ولا من مصادر الأحكام، ولا من مصادر الولاء والبراء. لا يُبدع إنسان لأنك رأيت له رؤية، ولا يُذم لأنك رأيت له رؤية. هذا لحاله وحده، وهو منهج من مناهج أهل البدع والأهواء. قال أحد العلماء، نسيت اسمه الآن، وأظنه أيوب السختياني، لعله أيوب: قال: دخلت على الأمير، قال: فرأيته متغير الوجه. ثم خرجتُ... قال: ثم أرسل في طلبي، وأراد تقييدي، وأمر بالنطع. والنطع: هو الجلدة الكبيرة التي إذا أرادوا ذبح إنسان يذبحون فيها، ثم يحملون أطرافها حتى لا يخرج الدم خارج السجادة التي ذبح عليها، فهو قطعة جلد. قال: فقلت: لما يا أمير المؤمنين؟ قال: إني رأيت رؤيا. قال: وما رأيت؟ قال: رأيتك تطأ بساط... إني رأيت رؤيا، رأيتك تطأ بساط. البساط: هو الفراش الذي يجلس عليه الأمير أو الملك. فرآه يضع رجله عليه في المنام. فذهب إلى بعض المعبرين... يعني وخوفه. قال: هذا رجل ربما ينقلب عليك أو يأخذ عليك الدولة. فأمر به ليقتل. فقال: سبحان الله، والله ما كانت رؤياك رؤيا إبراهيم حين ذبح ولده إسماعيل، ولا كنت يوسف، ولا معبرك يوسف في تعبير الرؤية. أبمثل هذه الأحلام تستحلون دماء المسلمين؟ فاستحيى الإمام... يعني: أنت ما أنت، رؤياك رؤيا إبراهيم، فذلك وحده فأراد يذبحه بالرؤية. لكن رؤية إبراهيم لإسماعيل وحده: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: 102]. قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: 102]، هذا أمر من الله عز وجل. أما أنت، رؤياك ما هي... عبارة عن أضغاث أحلام أو نحو ذلك، ليست رؤيتك رؤيا إبراهيم عليه السلام، ولا معبرك الذي يعبر لك الرؤية بيوسف الذي عرف بتعبير الرؤى. أبمثل هذه الأحلام تستحلون دماء المسلمين؟ فاستحي الأمير. الرؤية على ثلاثة أقسام: قسم منها حق من الله عز وجل، وقسم منها من الشيطان، وقسم حديث نفسه. فظهر بهذا أن ثلث الرؤية حق، وثلثاها ليس بحق. ظهر بهذا أن ثلث الرؤية يكون حقاً، وأن ثلثيها أو قسمين منها لا يكون حقاً. فإذا علمنا ذلك، علمنا أن أمر الرؤية أو الرؤى أمر يجب التحفظ فيه، يجب التحفظ فيه. إن وافقت حقاً وأدلة قبلت واستؤنس بها، ولا نحتج بالرؤى ولا بالمنامات، وإنما نستأنس بها. قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن العباس الطيالسي، قال: حدثنا أبو نُعيم... محمد بن بشار... حاء حاء... وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى. قالا: كنا نقرأ على شيخ ضرير بالبصرة، فلما أحدثوا ببغداد... فلما أحدثوا ببغداد القول بخلق القرآن، قال الشيخ: إن لم يكن القرآن مخلوقاً، فمحا الله القرآن من صدري. نسأل الله السلام والعافية، نسأل الله السلامة والعافية. هكذا يفعل... تزيين الشيطان ببعض الناس يجعله يدعو على نفسه فيصاب بالدعوة. قال رحمه الله تعالى: كنا نقرأ على شيخ ضرير بالبصرة، يعني القرآن. ومعروف أن الأعمى حفظه شديد لكتاب الله عز وجل، يهبه الله عز وجل ذاكرة قوية وحفظاً متقناً، والعميان لا يصلح لهم إلا القرآن، يتقنونه ويضبطونه ويحسنونه. كنا نقرأ على شيخ ضرير بالبصرة، فلما أحدث ببغداد القول بخلق القرآن، قال الشيخ: إن لم يكن القرآن مخلوقاً، فمحا الله القرآن من صدري. قال: فلما سمعنا هذا من قوله تركن