الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 15، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يوضح المقطع أن الإيمان عند أهل السنة درجات يتفاضل فيها الناس، ويرد على الخوارج والمرجئة الذين يجعلونه كتلة واحدة لا تتجزأ. ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
يبيّن المقطع أن شعب الإيمان ثلاثة أنواع: قولية فعلية وقلبية، ردًّا على الخوارج والمرجئة. ثم ينتقل إلى باب زيادة الإيمان ونقصانه مستدلًّا بأحاديث وآثار موضحًا أن المعاصي تنقص الإيمان والطاعات تزيده.
يشرح المقطع أن ارتكاب الكبائر ينقص كمال الإيمان الواجب دون نفي أصله، مستدلاً بأحاديث نبوية ترفض قول الخوارج والمرجئة. ويوضح عبر رسم الدوائر أن المؤمن يخرج من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام بالمعصية ولا يخرج من الإسلام إلا بالشرك.
يختتم المتحدث بالدعاء لله أن يوفقهم للهداية ويعينهم على رضاه ويصرف عنهم الفتن الظاهرة والباطنة. كما يصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في قراءة هذا الكتاب في هذا الأسبوع. قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله تعالى وغفر له، المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة، في كتابه النافع الجليل «الشريعة»: قال: «باب ذكر أفضل الإيمان ما هو وأدنى الإيمان ما هو». فالإيمان فيه درجات بعضها فوق بعض، ومنه إيمان عالٍ كإيمان أبي بكر رضي الله عنه وإيمان الصحابة، ومنه ما دون ذلك. فالإيمان درجات متفاضلة، منها ما هو عالٍ في درجته، ومنها ما هو دون ذلك. وهذا خالف فيه الخوارج والمرجئة، فهم يقولون: الإيمان درجة واحدة. تفقت الخوارج والمرجئة على أن الإيمان كتلة واحدة ودرجة واحدة، إما أن يبقى كله وإن فعل العاصي، وإن فعل الإنسان ما فعله كما تقوله المرجئة، إلا أن ينقض العروة، هكذا يقولون، فهو كامل الإيمان لأن الإيمان كتلة واحدة جزء واحد كالرأس من الإنسان. وإما أن يذهب كله كما قالت الخوارج في مرتكب الكبيرة أو بعض الذنوب التي هم يرونها ذنوبًا، قالوا: يكفر لأن الإيمان عندهم لا يتفاضل ولا يتجزأ ولا يكون مراتب بعضها فوق بعض. فلهذا كفروا من أخل بالإيمان عندهم بارتكابه ذنبًا أو كبيرة أو ما يرونه هم من الذنوب. الإيمان عند أهل السنة والجماعة كما يقول الأئمة: كدلو ملأ ماء، فأتى إنسان فأخرج منه، غرف منه غرفة نقص من ذلك الإناء غرفة، ثم جاء فغرف منه غرفة نقص غرفتين، ثم جاء فغرف غرفة نقص ثلاث، وهكذا كلما غرف منه شيئًا نقص الماء حتى يصير في الدلو إما ماء وإما ليس فيه ماء. وهكذا الإيمان: كلما ارتكب ذنبًا نقص، كلما فعل ذنبًا نقص. وعكسه: كلما فعل طاعة كأنه أتى لدلو فيه ماء قليل فأفرغ فيه إناء فارتفع منسوب الماء في الدلو، ثم أضاف إليه إناء فارتفع قليلًا، ثم أضاف إليه إناء فارتفع، ثم أضاف إليه إناء فارتفع حتى امتلأ. هذا الإيمان كان هكذا: الإيمان الدلو، وإن نقص لا يقال إنه ليس فيه ماء، بل يقال فيه ماء قليل، بقي فيه قليل من الماء. هذا دلو نصفه فيه ماء، هذا دلو امتلأ ماء. هكذا الإيمان: يقال هذا رجل طائع صالح مؤمن. لوزن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرجح، هذا يدل على كمال إيمان أبي بكر رضي الله عنه، وهكذا من دونه دونه رضي الله عنهم أجمعين. فالعاصي ينقص إيمانه بمعصيته، والطائع يزداد إيمانه بطاعته. وهذا الأصل خالف فيه الخوارج والمرجئة، وهما طرفا نقيض. فالخوارج يقولون: إذا ارتكب ذنبًا نراه كفرًا فقد انسلخ من الإيمان، كأنما هو قطع رأس إنسان، هل يبقى حيًا؟ هكذا يقولون، وهذا غلط. وقالت المرجئة: بل نقول رأسه فيه وإن فعل ما فعل. قابلوهم في النتيجة واتفقوا على أصل واحد، وهو أن الإيمان لا يتفاضل ولا يتجزأ. ولهذا قال ابن المبارك: «من قال الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد برئ من الإرجاء دقه وجله». الذي يقول بزيادة الإيمان ونقصانه فارق المرجئة، وفارق أيضًا الخوارج. ولهذا سيعقد المصنف بابًا كبيرًا في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، لأن فيها الرد على الطائفتين: فيها الرد على الخوارج، وفيها الرد على المرجئة. قال: «باب ذكر أفضل الإيمان ما هو وأدنى الإيمان ما هو». قال رحمه الله: حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدثنا خالد - يعني الواسطي - عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». قال رحمه الله تعالى: حدثنا حامد بن شعيب بن البلخي، قال: حدثنا يحيى بن أيوب العابد، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». قالوا: أخبرنا إبراهيم بن موسى الجوزي، وقال: حدثنا أحمد بن منيع، ويعقوب الدورقي، ومجاهد بن موسى لفظه، قالوا: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». هذا الحديث ساق المصنف رحمه الله طرقه من ثلاث طرق عن أبي صالح عن أبي هريرة، والحديث في صحيح البخاري ومسلم. وفيه أن الإيمان شعب: بضع وسبعون أو بضع وستون. وبعض الحفاظ يقول: لفظ «بضع وستين» أقوى وأصح من لفظ «بضع وسبعين». هكذا قال بعض الحفاظ. والراوي هنا شك: «بضع وستون أو بضع وسبعون». البضع: من ثلاثة إلى تسعة. الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة. فيه أن الإيمان شعب، أفضل تلك الشعب: قول لا إله إلا الله، وأدنى تلك الشعب: إماطة الأذى عن الطريق، ومن تلك الشعب شعب الإيمان: الحياء. اختلف العلماء في تعداد هذه الشعب، صنف فيها المصنفات: كالحليمي، وأبي عبد الله، صنف «شعب الإيمان»، والبيهقي أيضًا، وابن حبان. أول من دخل في تعداد تلك الشعب كما يقول ابن حجر في «الفتح». ومن تأمل هذه الشعب وجد أنها ثلاثة أنواع: «قول لا إله إلا الله» هذه شعبة باللسان، و«إماطة الأذى عن الطريق» هذه بالفعل تكون بالجارحة، و«الحياء شعبة من الإيمان» هذا بالقلب. فبان بهذه الإشارة إلى أن شعب الإيمان على ثلاثة أنواع: شعب قولية، وشعب فعلية، وشعب قلبية. شعب الإيمان على ثلاثة أنواع: شعب قولية أعلاها قول لا إله إلا الله، وشعب عملية فعلية وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وشعب قلبية: والحياء شعبة من الإيمان. الحياء يكون في القلب ثم يظهر في الجارحة أثر، لكنه يكون في القلب. ولهذا حاول العلماء بناء على هذه الإشارة أن يجمعوا: شعب الأقوال، شعب الأفعال، شعب القلوب، وهو اجتهاد منهم. شاهد من الحديث أن شعب الإيمان متفاضلة: منها ما هو أفضل الشعب، ومنها ما هو أدنى الشعب، ومنها شعب لا ندري مرتبتها ولكنها من شعب الإيمان كالحيا. كل هذا رد جلي واضح على الخوارج والمرجئة الذين قالوا: إن الإيمان جزء واحد وكتلة واحدة. كل هذا رد عليهم في دعواهم وفي كلامهم. هذا باب قوي. قال رحمه الله تعالى: «باب ذكر ما دل على زيادة الإيمان ونقصانه». قلنا: زيادة الإيمان ونقصانه باب عظيم، فإنه كما قال ابن المبارك: «من قال الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد برئ من الإرجاء دقه وجله»، أي: صغيره وكبيره، لأنه ناقض أصل اعتقاد المرجئة الذين يقولون: الإيمان جزء واحد كتلة واحدة لا يزيد ولا ينقص. فمن قال بالزيادة والنقصان فقد هدم أصل قول المرجئة، كما أنه هدم أيضًا أصل قول الخوارج، أخزاهم الله جميعًا. قال: «باب ذكر ما دل على زيادة الإيمان ونقصانه». قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، وقال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا صفوان بن عيسى، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل منها قلبه، فإذا زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾». وهذا الحديث دليل على أن المعاصي تضعف الإيمان، وأنها كالنقط السوداء، نكتة سوداء في قلب المؤمن. يعني: يظهر أن الإيمان كالثوب الأبيض، فإذا نزع واستغفر عاد إلى منزلته السابقة. إذا أذنب نزل عن منزلته، وإذا عاد واستغفر رجع إلى منزلته. حتى إذا استمرأ الذنوب والمعاصي وكانت له طبعًا، عياذًا بالله، فهذا يجعل الله على قلبه الران، نوع من الحجاب، نسأل الله العافية. ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، أي: من الذنوب والمعاصي ونحوه. وقال: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثني صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي، عن أبي هريرة، قال: «الإيمان يزداد وينقص». هذا حديث ضعيف، عبد الله بن ربيعة لم يذكر، مجهول. عبد الله بن ربيعة مجهول، ذكره ابن أبي حاتم والبخاري ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهذا مجهول كما قال المعلق. وقال: حدثنا أيضًا الحلواني، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس وأبي هريرة، قال: «الإيمان يزداد وينقص». أيضًا هذا ضعيف جدًا كما قال المعلق، عن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: لا يثبت في هذا شيء مرفوع، وإنما هي موقوفات. وقال: حدثنا أبو بكر بن عبد الحميد، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا أبو جعفر الخطمي، عن جده عمير بن حبيب، قال: «الإيمان يزيد وينقص». قيل له: ما زيادته ونقصانه؟ قال: «إذا ذكرنا الله عز وجل وحمدناه وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا فذلك نقصانه». هذا الأثر صحيح، وهذا الأثر صحيح، وعمير بن حبيب صحابي. قال: حدثنا جعفر بن محمد الصندلي، قال: حدثنا الفضل بن زياد، قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن حنبل، قال: حدثنا الحسن بن موسى، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي، عن أبيه، عن جده عمير بن حبيب، قال: «الإيمان يزيد وينقص». فقيل: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: «إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه». قال رحمه الله تعالى: حدثنا... قال: حدثنا جعفر، قال: حدثنا هو الصندلي، قال: حدثنا الفضل، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن طلحة، عن زبيد، عن ذر، قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأصحابه: «هلموا نزداد إيمانًا»، فيذكرون الله تعالى. وقال: حدثنا جعفر، قال: حدثنا الفضل، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن شريك، عن هلال، عن عبد الله بن عكيم، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول في دعائه: «اللهم زدني إيمانًا ويقينًا وفقها». وقال: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا يعقوب بن حميد، يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لألباب ذوي الرأي منكن». شاهد: ناقصات دين، ونقصان الدين إنما هو علامة على نقص الإيمان، أو أنه علامة على نقص العمل الصالح في بعض الأحيان، فتراها وقد حاضت تركت الصلاة والصيام، وقد نفست تركت الصلاة والصيام وغيرها، يزداد من ذلك فلذلك نقص عنها. فإن ضد الزيادة النقصان. ناقصات دين: أي تمنعن عن العمل الصالح، فتبقى مرتبتهن كما هي، ولولا وجود الحيض المانع أو وجود النفاس المانع لازددن إيمانًا بسبب فعل الطاعات. هذا هو الشاهد من ذكر الحديث. وقال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا محمد بن مثنى، قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن». وقال: حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، والتوبة معروضة». قال رحمه الله تعالى: حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي، قال: حدثنا عيسى بن عمار الدمشقي، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن». وقال: حدثنا ابن عبد الحميد، قال: حدثنا محمد بن مثنى، قال: حدثنا أبو داود - يعني الطيالسي - قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني فراس، قال: سمعت مدرك بن عمارة يحدث عن ابن أبي أوفى - يعني عبد الله - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن». هذه الأحاديث والطرق دلت على أن فعل هذه المعصية ينفي كمال الإيمان، ينفي كمال الإيمان الواجب. «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»: أي وهو كامل الإيمان الكمال الواجب. هذا النفي ليس نفيًا لأصل الإيمان، وإنما هو نفي لكماله الواجب. هذا النفي: «لا يزني حين يزني وهو مؤمن»، ليس معناه أنه صار حال زناه كافرًا، ليس هذا المعنى، وإنما المعنى أنه نزل عن درجة كمال الإيمان الواجب إلى ما دون ذلك بسبب فعله للمعصية. هذا يدل على نقصان إيمان ونزول درجته في الإيمان، وهذا يدل على أن المعصية تنقص درجة المؤمن. فبينما كان في كمال واجب نزلت درجته بسبب الزنا، عياذًا بالله، أو السرقة أو نحوها من الكبائر، فنقصت درجته عما كان عليه من كمال إيمان واجب. والأحاديث صريحة في ذلك. هذا فيه رد على الخوارج والمرجئة القائلين: الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وفي هذه الأحاديث بيانه أن الزاني لا يكفر، ولا السارق يكفر، وهما ممن فعل الكبائر. فمجرد فعل الكبيرة يكون صاحبها معرضًا للوعيد، ولكنه لا يكون كافرًا بالله عز وجل كفرًا يخرج به عن الملة، ولكنه معرض للوعيد الوارد في عذاب من فعل هذه الكبائر. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، هذا في الشرك، ثم قال في غير الشرك: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وهذا في الكبائر وفي المعاصي. هذا رد آخر على الخوارج الذين كفروا الزاني، والذين كفروا شارب الخمر، والذين كفروا السارق بمجرد فعله السرقة أو شربه الخمر أو زناه، عياذًا بالله. وهذا ضلال مبين. فالعرب في لغتها تنفي الشيء ولا تريد نفي أصله، ولكن نفي الكمال مرادها. تقول لبعض النجارين وقد صنع دولابًا: «ما صنعت شيئًا». تقول لبعض النجارين: صنع لك دولابًا، «ما صنعت شيئًا». هو صنع دولابًا، فكيف تقول: «ما صنعت شيئًا»؟ فتقول: أعني أنك لم تتقن العمل. وتجد رجلًا معه ولده وولده ليس ببار، فيقول العرب: «هذا ليس ولده». ولا يعنون أنه ابن زنا، ما خطر على خاطرهم، ولكنهم يعنون أنه ليس بولد بار، نفوا عنه درجة البر، فنفوا قنوته. هذا أسلوب من أساليب العرب، ولا يعنون قدحه في نسبه أو نحو ذلك. هذا معروف في لغة العرب. وهكذا الأحاديث في هذا الباب، كما قال أهل العلم: كأبي عبيد، وابن أبي شيبة، وغيرهم رحمهم الله تعالى أجمعين. قال رحمه الله تعالى: حدثنا ابن عبد الحميد أيضًا، قال: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: أخبرنا أبي، عن فضيل بن يسار، قال: قيل لأبي جعفر... قيل لأبي جعفر... قيل لأبي جعفر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن». قال: فدور دارة، فقال: «هذا الإسلام». ثم دور جوفها دارة، يعني: جعل دائرة كبيرة، ثم في وسطها دائرة أصغر، ثم في وسطها... ثم ما كتب الإحسان، وإنما جعلها على دائرتين. قال: فدور دائرة، فقال: «هذا الإسلام». ثم دور في جوفها دارة، فدور دارة... الدارة هي الدائرة المستديرة حول القمر، تسمى دارة. الدارة في لغة العرب: هي الدائرة المضيئة حول القمر، الدائرة المضيئة حول القمر تسمى دارة. فمعناها: فصنع رسم دائرة، قال: «هذا الإسلام». ثم دور في جوفها دارة، فقال: «وهذا الإيمان محصور في الإسلام». أي: دائرة الإيمان أصغر، ودائرة الإسلام أكبر، فالإيمان ضمن الإسلام. فقال: «وهذا الإيمان محصور في الإسلام، فإذا سرق أو زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك». طيب، لعلنا نقف هنا. هذا، ونسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لهداه، ويعيننا على رضاه، وأن يصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يختم لنا جميعًا بالحسن، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.