التعليقات على كتاب الأدب المفرد 64

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 64، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

خلق النبي في التيسير والعفو والصفح

كان النبي صلى الله عليه وسلم يختار الأيسر ما لم يكن إثما، ويعفو ويصفح إلا إذا انتهكت محارم الله. هذا يدل على خلقه العظيم في التيسير والعفو.

التمييز بين الانتقام للنفس والانتقام لله واكتساب الأخلاق

ينبغي للمسلم أن يتحلى بالعفو والصفح وعدم الانتقام للنفس، وأن ينتقم لله عند انتهاك محارمه. كما يمكن اكتساب الأخلاق الحسنة بالجهد والمجاهدة.

الأخلاق الجبلية والمكتسبة ومفهوم الرزق والمحبة الإلهية

الأخلاق منها ما هو جبلية ومنها ما هو اكتسابي، ويمكن للمسلم تحسينها بالدعاء والجهاد. كما أن الله يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب، بينما الإيمان لا يعطيه إلا لمن يحب.

الأذكار كبديل للعاجز عن الطاعات والمجاهدة

أرشد النبي من عجز عن الطاعات إلى الإكثار من الأذكار مثل لا إله إلا الله وسبحان الله. هذه الأذكار تعتبر بديلاً لمن لم يستطع القيام بالطاعات.

التفريغ النصي الكامل

قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني مالك، وهو إمام دار الهجرة، عن ابن شهاب، وهو الزهري محمد بن مسلم، أن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه، ومن تقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى، فينتقم لله عز وجل. الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفي إخبار عائشة رضي الله تعالى عنها عن شيء من خلق النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما. وهذا كما قال بعض أهل العلم: إذا كان التخيير من الله جل وعلا، كأن يكون تخيير في عقوبات، فيختار الأيسر، أو كذلك أيضا فيما بينه وبين الكفار من أخذ الجزية وغير ذلك، فيختار الأيسر. وأما إذا كان في حق الله سبحانه وتعالى، أو نقول: إذا كان في حق، أو التخيير فيما يريده الكفار أو المنافقون، فهو الذي تصور أن يكون فيه إثما، بقوله: «ما لم يكن إثما»، فيكون التخيير فيه إثما إذا كان من قبل الكفار أو المنافقون، كما قال بعض أهل العلم. قال: فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، يعني: إذا كان في التخيير إثم، فإنه عليه الصلاة والسلام من أبعد الناس عنه، أن يتركه، وإذا كان التخيير ليس فيه إثم، فإنه يختار الأيسر. وهذا يدل على أن هذه الشريعة جاءت للتيسير والتخفيف على الناس، كما قال جل وعلا: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. فهذه الشريعة جاءت في رفع المشقة ورفع الحرج وللتيسير. قال: ومن تقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى، فينتقم لله عز وجل. هذا أيضا من خلق النبي عليه الصلاة والسلام، أن النبي عليه الصلاة والسلام لا ينتقم لنفسه. من تقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، أي: لا يقابل من أساء إليه وأخطأ في حقه بالانتقام منه، سواء كان في مال أو في عرض، كلام من سب أو قدح أو شتم أو غير ذلك، فلا يقابل هذه الإساءة بالانتقام. من تقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله عز وجل، يعني: إذا وقعت المعاصي وانتهكت المحرمات، انتقم النبي عليه الصلاة والسلام لله سبحانه وتعالى، كقتاله للكفار، وإقامته الحدود الشرعية التي هي من انتقام لحرمة الله سبحانه وتعالى وانتقام لله عز وجل. أما أن ينتقم لنفسه فلا، كما قالت رضي الله تعالى عنها: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادما، ولم يضرب امرأة قط، إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله عز وجل. هذا كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام، وهو خلق عظيم يدل على سعة العفو والصفح والتنازل. فمن أساء إليه، عامله عليه الصلاة والسلام بالإحسان وبالعفو والصفح. هكذا ينبغي أن يكون المسلم، لا يكون منتقم لنفسه. هذا خلق ذميم، من أساء إليك، صار في قلبك الحقد والغل عليه، تريد أن تشفي نفسك منه بأي طريقة، تريد أن تنتقم منه، إما بالكلام والتشويه والاتيان بالاتهامات والأكاذيب من أجل أن تنتقم منه، أو بالتحريض والتحريش إلى آخر ذلك، فهذا خلق سيء. هذا خلق سيء لم يكن عليه النبي عليه الصلاة والسلام، بل ينبغي أن تعفو وتصفح، كما مر معنا في الأحاديث التي مضت في فضيلة العفو والصفح، وأن ذلك أعظم للأجر. فمن أساء إليك، فينبغي أن تعامله بالإحسان، تقابل السيئة بالحسنة، تمحو تلك السيئة، وتكون كذلك أيضا ممن يلقي الأجر العظيم إذا كان في ذلك مصلحة. وأما إذا كانت المصلحة بمقابلة السيئة بالسيئة، فلا بأس بذلك، إذا كان الأصلح هو عدم العفو، كي يكون إنسانا شديدا ويغلب عليه الشر، والعفو في مثل هذا الصنف مما يجده شرا، هنا لا بأس أن تطالب بحقك، لا بأس أن تطالب بحقك وتعامله بالإساءة، فهذا يكون الأصلح في مثله أن تعامله بالإساءة كما أساء. قالت: ومن تقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى. وبعض الناس على خلاف هذا الهدي العظيم الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، ربما إذا أسئ إليه في حقه انتقم وغضب، ربما إذا سبه إنسان أقام الدنيا ويقعدها، بل ربما أراد أن يضارب ويفعل ويفعل من أجل أن فلان قال له، أتى له بسبه. وربما يسمع السب والشتام الذي هو من كبائر الذنوب، وربما كان من الكفر، كسب الدين والرب، نحو ذلك، ولا يتحرك له ساكن، ولا يبالي، ولا يبالي بهذه المحرمات، ولا يتحرك له ساكن. لكن لما كان الاعتداء عليه انتقم لنفسه، ولما انتهكت محارم الله لم ينتقم لله عز وجل، وهذا خطأ كبير، ويدل على ضعف في الإيمان. بل الذي يجب على المسلم أنه ينتقم لله عز وجل، ولا ينتقم لنفسه، بل يكون في خلقه العفو والصفح والحلم واحتمال الأذى. قال بعض العلماء: وهكذا ينبغي أن يكون الأمراء والقضاة ومن كان له منصب من المناصب، أن يكون على هذا الخلق العظيم، أي: أنه ما ينتقم لنفسه، ويستغل منصبه، ويستغل كذلك وزارته، نحو ذلك في التشفي في المسلمين إذا أساء إليه أي أحد، أو ما أحسن التعامل معه، استغل هذا المنصب الذي هو فيه وانتقم منه، كما يفعل كثير من المسؤولين. وهذا كذلك أيضا من الظلم ومن سوء الخلق، فينبغي له ماذا؟ أن يستعين ويستغل هذه المناصب في الانتقام للنفس، ربما يسجن ذاك، وهو يعلم أنه مظلوم، لكن يستغل منصبه فيضع هذا في السجن ويخرج ذاك منه، يضع المظلوم ويخرج الظالم، وهكذا يلعب في المسلمين بهذه المناصب التي في يده، وهذا من سوء الخلق ومن الظلم. بل ينبغي له أن يتخلق بهذا الخلق العظيم، لا ينتقم لنفسه، بل ينتقم لله عز وجل. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن كثير، وهو العبدي، قال: أخبرنا سفيان، وهو الثوري أبو عبد الله، عن زبيد، وهو ابن الحارث اليامي، كان رجلا عابدا، قال: عن مرة، وهو الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: «إن الله تعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله تعالى يعطي المال من أحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب». فمن ظن بالمال أن ينفقه، وخاف العدو أن يجاهده، وهاب الليل أن يكابده، فليكثر من قول: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر. وهذا الحديث صح موقوفا، ولم يصح مرفوعا، وهو في حكم المرفوع، كما قال إمام الألباني رحمه الله، لأن هذه الأمور التي أخبر بها من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. وإذا أخبر الصحابي بشيء من أمور الغيب، أو من الأخبار التي مضت أو التي ستأتي، فإن ذلك يكون له حكم الرفع، لأنه لا يمكن أن يعلم ذلك إلا عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، هذا إذا كان لم يعرف بالأخذ والرواية عن بني إسرائيل. وفي هذا الحديث: «إن الله تعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم»، فيه أن الأخلاق مقسومة، قد قسمها الله سبحانه وتعالى. إن الله تعالى قد قسم بينكم أخلاقكم، فهذا من خلقه العفو والصفح، وذاك الحلم، وذاك الأناة، وذاك الكرم، إلى آخر ذلك، فالأخلاق مقسومة. وسلك بعض أهل العلم بهذا الحديث على أن الأخلاق جبلية، على أن الأخلاق جبلية، يعني: جبل عليها الإنسان وطبع عليها، خلقه الله سبحانه وتعالى على هذا الخلق. وذهب بعض العلماء إلى أن من الأخلاق ما هي جبلية، ومنها ما هي اكتسابية، منها ما هي جبلية، يعني: يجبل عليها، يخلق على هذا الخلق، ومنها ما هي اكتسابية، يعني: يكتسب هذا الخلق. مثلاً: لا يكون من خلقه الكرم، فيكتسب هذا الخلق، ويحاول ويجاهد نفسه في الكرم حتى يصبح كريما، ويكون له هذا الخلق سجية. وهكذا في بقية الأخلاق، فيكتسب هذه الأخلاق بالكلفة، يكلف نفسه ويتخلق بها حتى تصبح عليه سهلة. وهذا هو الصحيح، أن من الأخلاق ما هو جبلي، ومنها ما هو اكتسابي. ويدل على ذلك ما جاء عند الإمام أحمد وغيره، وصححه البخاري ومسلم في حديث الأشج من عبد القيس، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة». قال: يا رسول الله، أهما فيَّ قديما أو حديثا؟ قال: «بل قديما». فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله. في هذا الحديث أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن في الأشج من عبد القيس رضي الله تعالى عنه هذين الخلقين، وأنه جبل عليهما، لم يكتسبهما، بل هما من خلقه، فدل ذلك على أن من الخلق ما هو مكتسب، ومنه ما هو جبلي. ويدل عليه كذلك حديث علي بن أبي طالب في مسلم، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: أنه كان يدعو فيقول: «اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت». فكان نبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله جل وعلا أن يهديه لأحسن الأخلاق، فدل ذلك على أن من الخلق ما هو مكتسب، كسبه الإنسان بالتخلق به. وهذا الذي أرجحه الإمام ابن القيم رحمه الله، وكذلك الحافظ ابن حجر، والصحيح أن منه ما هو جبلي، ومنه ما هو مكتسب. قال: «إن الله تعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم»، أي: كذلك أيضا أن الأرزاق مقسومة، قسم الله جل وعلا لكل إنسان رزقه، وهو في بطن أمه، كما في حديث عبد الله بن مسعود. وهكذا أيضا تدل عليه الآيات الكثيرة من كتاب الله جل وعلا: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾، ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾، ﴿قل من يرزقكم من السماوات والأرض﴾، إلى آخر ذلك من الآيات الكثيرة التي فيها بيان أن الرزق من الله جل وعلا، وأن الإنسان رزقه مقسوم، ولا يأتيه إلا ما كتب له. قال: «وإن الله تعالى يعطي المال من أحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب». الله جل وعلا يعطي المال من أحب ومن لا يحب، يعطي المال المؤمن والعاصي والكافر والطائع والعاصي، فيعطي المال من يحب ومن لا يحب، فليس إعطاء المال دليل على المحبة، ليس إعطاء المال دليل على المحبة. فالله جل وعلا يعطي من العباد من يعطيهم، وهم عصاه، بل ربما كفار، ويجعل ذلك امتحانا وابتلاء لهم، امتحانا وابتلاء لهم. وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أن الله إذا رأيتم الله يؤتي العبد على معاصيه، فاعلموا إنما هو استدراج»، ثم قرأ قول الله جل وعلا: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون﴾. فالله جل وعلا يستدرج العبد بعطائه في هذه الدنيا، يفتح عليه من زخرف الدنيا، يعطيه الأموال، يعطيه كذلك متاع الدنيا، ثم يستدرجه بذلك حتى يأخذه جل وعلا أخذ عزيز مقتدر، فيحاسب على كل ما أعطيه في هذه الدنيا، فيبتلي هذا بالمال، ويبتلي ذاك بالفقر. ولا يكون إعطاؤه هذا العبد لهذا المال دليل على محبته، ولا منع ذاك الإنسان المال دليل على سخط الله سبحانه وتعالى عليه، كلا. وكما قال جل وعلا: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمنِ، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهاننِ، كلا﴾. أي: ليس الأمر كذلك، ليس إذا ضيق الله سبحانه وتعالى على العبد بالمال، دل ذلك على إهانة الله سبحانه وتعالى له وعدم إكرامه، لا، فليس هذا مقياس، ليس هذا مقياس لمحبة الله سبحانه وتعالى للعبد، ربما يمنع ربنا جل وعلا المال على العبد، علمه أنه لو وسع عليه في المال لطغى وتجبر وتكبر، كما قال جل وعلا: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾. إذا أصابه الغنى تكبر على الله سبحانه وتعالى، كما هو حال كثير من أهل الأموال الذين أعطاهم الله جل وعلا المال فتكبروا على الله سبحانه وتعالى، وعصوا الله جل وعلا. فالله جل وعلا يعطي المال من أحب ومن لا يحب، ولو كان في إعطاء المال دليل على المحبة، لكان أولى الناس بذلك النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، الذين كانوا يعيشون في فقر عظيم. فليس هذا دليل على المحبة. ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، فالإيمان لا يعطيه الله جل وعلا إلا من أحب من عباده، فالله جل وعلا يحب الإيمان، ولا يحب الكفر، كما قال جل وعلا: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾. فالإيمان لا يعطيه الله جل وعلا إلا لمن أحب، فيعطيه جل وعلا الإيمان، ويجعله في قلبه، فيمنعه من شاء، ويعطيه من شاء. ثم ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، أو عبد الله في هذا الحديث: «فمن ظن بالمال أن ينفقه، وخاف العدو أن يجاهده، وهاب الليل أن يكابده، فليكثر من قول: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر». فأرشد إلى أن من عجز عن هذه الأشياء، عجز عن الإنفاق المال، وبخل به، وعن ملاقاة العدو ومجاهدته، وكذلك مكابدة الليل بالقيام فيه بالصلاة وتلاوة القرآن والاستغفار وغير ذلك، فليكثر من هذا الدعاء: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر.