التعليقات على كتاب الأدب المفرد 48

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرح حديث أهل المعروف

يبدأ الشرح بتوضيح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين أن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، ويحث على فعل المعروف وينهى عن فعل المنكر. يشمل المعروف كل ما حث عليه الشرع.

أمثلة وتفصيل في أنواع المعروف

يتم ذكر أمثلة على أنواع المعروف التي تعتبر صدقة، مثل إعانة الرجل في دابته والمشي إلى الصلاة. يشير إلى أن كل معروف صدقة وأن لفظة المعروف تشمل جميع الطاعات والعبادات.

وجوب الصدقة على كل مسلم وتفسيرها الواسع

يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول وجوب الصدقة على كل مسلم، ويوضح أن الصدقة ليست فقط بإخراج المال بل تشمل الأفعال والأقوال الحسنة مثل الإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أفضل الأعمال وأهمية فعل المعروف في الإسلام

يشير إلى أهمية فعل المعروف في الإسلام وأنه ليس مقتصرًا على الإنفاق المالي، ويذكر أن أفضل الأعمال هي الإيمان بالله والجهاد في سبيله، مؤكدًا على قيمة فعل المعروف.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة. قال: حدثنا علي بن أبي هاشم، قال: حدثني نصير بن عمر بن يزيد بن قبيصة، عن ابن يزيد الأسدي، عن فلان، قال: سمعت برمة بن ليف بن برمة، أنه سمع قبيصة بن مرمة الأسدي، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول: «أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة». وهذا الحديث بهذا السند ضعيف؛ لأن فيه رجلا مبهما، بقوله: «عن فلان» هذا مبهم. والحديث حسنه إمامنا الألباني رحمه الله، وصححه بشواهده. وما الفرق بين المبهم والمهمل؟ من يعرف الفرق بين المبهم والمهمل؟ عبداللطيف ما يذكره، يقول: «عن فلان» هو نفسه مبهم، ما زال سواء، قال: على الرجل «عن فلان» مبهم. وما هو المهمل؟ المهمل إذا قال: «عن محمد» أو «عن علي» فلا يذكر ما يميز به عن غيره، وما يقول: «عن محمد» هناك أعوان اسمه محمد، فأهمله ولم يذكر ما يميزه عن غيره، فيسمى مهملا. وإذا قال: «عن رجل» أو «عن فلان» فهذا مبهم. والحديث كما سمعنا صحيح بشواهده. ومن لفظ الحديث أخذ الإمام البخاري رحمه الله هذا التبويب: «أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة». ومعناه: أن من كان من أهل الدنيا من أهل المعروف، ممن يفعل المعروف - والمعروف كل ما حث عليه الشرع بفعله، سواء كان مأمورا به أمر إيجاب أو استحباب، أو كان من الأمور المباحة - فمن كان من أهل المعروف في الدنيا، الذين يفعلون المأمورات ويتركون المحرمات ويعينون الناس بما يستطيعون، بأيديهم وبأموالهم، وهكذا أيضا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، إلى آخر ذلك من المعروف، فأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، أي أنهم هم الذين ينالون الأجر وينالون الدرجات العالية في الآخرة. من كان في أهل الدنيا من أهل المعروف، فهم في الآخرة كذلك ينالون المعروف، ينالون المعروف، أي الأجر والخير. وكما قال الله جل وعلا: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، وكما قال جل وعلا: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها. هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة». وهذا فيه حث على فعل المعروف، وأن الإنسان يحرص أن يكون من أهل المعروف حتى ينال الأجر العظيم يوم القيامة، فيكون من أهل المعروف في الآخرة. وكما قال جل وعلا: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، من أحسن في الدنيا أحسن إليه في الآخرة، ما نحسن في الدنيا وحسن إليه في الآخرة. وكما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «فوعزتي وجلالي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فليلومن إلا نفسه». قالوا: أهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة. أهل المنكر في الدنيا، أي الذين يفعلون المناكر في هذه الدنيا والمحرمات، يرتكبون الفواحش وهكذا يرتكبون الحرام الذي نهى الله سبحانه وتعالى عنه ورسوله، هم أهل المنكر في الآخرة، هم الذين يعاقبون يوم القيامة بالنار ويدخلون النار بسبب ما كانوا يفعلون في الدنيا. ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار، هل تجزون إلا ما كنتم تعملون؟ وهكذا فمن يفعل مثقال ذرة خيرا يرى، ومن يفعل مثقال ذرة شرا يرى. فأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، فاحرص أن تكون من أهل المعروف، واحذر أن تكون من أهل المنكر، احذر أن تكون من أهل المنكر ممن يفعلون المناكر أو يدافعون عن المناكر أو يحرضون الناس على فعل المناكر، فيوم القيامة تكون من أهل المنكر. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا عبدالله بن حسان العنبري، قال: حدثنا حبان بن عاصم، وكان حرام له أبا أمه، فحدثتني صفية ابنة عليبة، ودحية بن عليبة، وكان جدهما حرام له أبا أبيهما، أنه أخبرهم عن حرام بن عبدالله، أنه خرج حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فكان عنده حتى عرفه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ارتحل قلت في نفسي: والله لآتيَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حتى أزداد من العلم، فجئت أمشي حتى كنت بين يديه، فقلت: ما تأمرني أعمل؟ قال: «يا حرملة، ائتِ المعروف، واجتنب المنكر». ثم رجعت حتى جئت الراحلة، ثم أقبلت حتى قمت مقامي قريبا منه، فقلت: يا رسول الله، ما تأمرني أعمل؟ قال: «يا حرملة، ائتِ المعروف، واجتنب المنكر، وانظر ما يعجب أذنك أن يقول لك القوم إذا قمت من عندهم فأته، وانظر الذي تكره أن يقول لك القوم إذا قمت من عندهم فاجتنبه». فلما رجعت تفكرت، فإذا هما لم يدعا شيئا. وهذا الحديث ضعيف، وقد ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في «الضعيفة». قال: حدثنا الحسن بن عمر، قال: حدثنا معتمر، قال: ذكرت لأبي حديث أبي عثمان عن سلمان، أنه قال: «إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة»، فقال: إني سمعته من أبي عثمان يحدثه عن سلمان، فعرفت أن ذاك كذاك، فما حدثت به أحدا قط. قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا عبدالواحد عن عاصم عن أبي عثمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله. قال الشيخ الألباني رحمه الله: هذا الحديث صحيح موقوفا، وصحيح لغيره مرفوعا، يعني صح موقوفا من قول سلمان رضي الله تعالى عنه، وهو صحيح مرفوعا بشواهده. وتقدم الكلام على هذا الحديث. قال: باب إن كل معروف صدقة. قال: حدثنا علي بن عياش، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثني محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «كل معروف صدقة». الحديث صحيح، وهو في صحيح البخاري. وجاء كذلك في مسلم، عن حذيفة. وفي إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأن كل معروف صدقة، ولفظة المعروف - كما قلنا - لفظة جامعة، والنبي عليه الصلاة والسلام قد أوتي جوامع الكلم، فكلمة المعروف تشمل جميع الطاعات وجميع العبادات، ففعل الصلاة من المعروف، والصيام من المعروف، وإيتاء الزكاة من المعروف، والحج من المعروف، والجهاد من المعروف، وهكذا قراءة القرآن من المعروف، والتسبيح والتكبير والتهليل، وغير ذلك، كل هذه الطاعات والعبادات من المعروف. وكل معروف صدقة. وكما جاء عند البخارية كذلك في الصحيحين، هنا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو تحمل له متاعا عليها صدقة»، إنسان أراد أن يركب مركوبا فأعانته، إما لمرض أو لكبر أو لغير ذلك، فإذا أعنت فيعينك، لهذا المعروف وتعتبر صدقة، كأنك تصدقت. أو ترفع له متاعا معه، أمتعة أراد أن يرفعها ويحملها، فأعنته في حملها، فهو لك صدقة. وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة»، تخرج لأداء فريضة الصلاة التي أوجبها الله سبحانه وتعالى عليك، فهي لك صدقة. وكما جاء حديث أبي هريرة كذلك في الصحيحين، في الحقيقة الآخر أنه سلمنا أخبر أن الرجل إذا خرج من منزله فإنه لا يخطو خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطت عنه بها خطيئة، فذهابك إلى المسجد صدقة، فانظر كم من الصدقات التي تفعلها بذهابك إلى بيت الله جل وعلا. وهكذا أيضا قال: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة»، إذا لقيت أخاك المسلم فضحكت له أو تبسمت له، فهي لك صدقة. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق»، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق، يعني بوجه مستبشر، ما تلقاه وأنت مكشر، لا تلقاه بوجه لا تلقاه بوجه فيه الابتسامة، فهذه صدقة. وهكذا أيضا كذلك قال: «وإماطة الأذى عن الطريق صدقة»، وسيأتي الكلام في ذلك. وأغلبها بذكر أخبره النبي عليه الصلاة والسلام أن بكل تسبيحة صدقة، تقول: «سبحان الله» صدقة، وكلما أكثرت كلما زدت من الصدقات، بكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، حتى أمرك بالمعروف فهو صدقة، لما تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فلك في ذلك أجر وتكون كذلك لك صدقة. وقال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: «أجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»، يعني إذا ركع ركعتين من الضحى، فإنها تقوم مقام هذه الصدقات وهذه الأعمال كلها. فباب المعروف باب واسع، وباب الصدقات باب واسع، فليس الصدقة فقط هو بإخراج المال والتصدق بالمال، بل هي أعم من ذلك، فكما أن صدقة تكون بالمال، كذلك أيضا تقوم بالأفعال والأقوال، كما سمعنا في هذه الأحاديث: «كل معروف صدقة»، فينبغي على المسلم أن لا يحقر من المعروف شيئا، ويعلم أن باب المعروف واسع، فيكثر من الطاعات والعبادات، ويعلم أن له بذلك صدقة. قال: حدثنا شعبة، وهو ابن الحجاج، لقبه ابن مهدي رحمه الله بأمير المؤمنين في الحديث، قال: حدثني سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن جده، أي أبي موسى، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «على كل مسلم صدقة»، قال: فإن لم يجد، قال: «فيعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق»، قال: فإن لم يستطع أو لم يفعل، قال: «فيعين ذا الحاجة الملهوف»، قال: فإن لم يفعل، قال: «فيأمر بالخير أو يأمر بالمعروف»، قال: فإن لم يفعل، قال: «فيمسك عن الشر، فإنه له صدقة». الحديث الصحيح هو في الصحيحين. وفي هذا الحديث إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن على كل مسلم صدقة، على كل مسلم صدقة، وفي هذا اللفظ بالإتيان بحرف الجر «على» يدل على الوجوب، على كل مسلم صدقة، أي يجب على كل مسلم أن يتصدق. ومع ذلك فقد نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله أن هذا ليس بفرد، ونقل على ذلك الإجماع، وإنما هو من الأمور المستحبة، يعني ينبغي للمسلم أن يعتني بالصدقة وأن يتصدق. فقالوا: إن لم يجد، إن لم يجد ما يتصدق به، قال: «فيعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق»، إذا ما عنده شيء يتصدق به من المال، أوصى النبي عليه الصلاة والسلام أن يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق، وفي هذا استحباب العمل لأجل الصدقة، استحباب العمل لأجل الصدقة. فإذا أراد أن يتصدق إنسان بمال وليس عنده، فيستحب له أن يعمل ويتصدق من هذا المال الذي يكسبه، وفيه كذلك التنبيه على فضيلة التكسب والعمل حتى ينفع نفسه ويسد حاجته، وكذلك يتصدق بهذا المال الذي يعمله أو الذي يكسبه، وأن ذلك أفضل له من أن يمد يده إلى الناس، وأن يذل نفسه بالسؤال، خير له أن يعمل بدلا من أن يسأل. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يأكل أحدكم أحبله، ثم يذهب فيحتطب، فيأتي بحطب على ظهره فيبيعه فيكف وجهه عن الناس»، خير له أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه، خير له من يسأل الناس فيعطيه أحد أو يمنعه أحد، فالسؤال مذلة، والعمل عزة، وليس فيه عيب أبدا، بل هذا مما حث عليه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «فيعتمل بيديه»، يعمل لو كان عملا يسيرا، يحرص أن يكون العمل مباحا حتى يتسبب المال المباح، فينفع نفسه ويتصدق منه. قال: «فإن لم يستطع»، أي من استطاع أن يعمل أو لم يفعل، قال: «فيعين ذا الحاجة الملهوف»، يعني يعين من يحتاج إلى يعانى ومن يحتاج إلى مساعدة، كما في الحديث الآخر: «يعين الله عبدا ما دام العبد يعين أخاه». قال: «فإن لم يفعل»، إن لم يفعل ذلك، قال: «فيأمر بالخير أو يأمر بالمعروف»، يعني بأن ذلك يعتبر من الصدقة، إذا ما استطعت أن تفعل شيئا من هذه الأفعال، فأمر بالخير، كن ممن يأمر بالخير ويحرص عليه ويحث الناس عليه، وهكذا ممن يأمر بالمعروف، فذلك يكون لك بمنزلة الصدقة. قال: «فإن لم يفعل»، إن لم يأمر بالخير أو المعروف، قال: «فيمسك عن الشر، فإنه له صدقة»، إذا ما استطاع أن يأمر بالمعروف والخير، يمسك عن الشر، لا يذ أحدا، فتكون له صدقة، فتكون له صدقة. فهذا يدل على أن باب المعروف باب واسع، وأن كل معروف صدقة، كل معروف صدقة، فلهذا يحرص المسلم على فعل المعروف، ويعلم أن باب المعروف باب واسع، وليس هو مقتصرا على الإنفاق بالمال فحسب، بل هو أوسع من ذلك. قال: حدثنا مسدد، قال: حدث، عن نشان من عروة، قال: حدثني أبي، أن أبا مراوح الغفاري أخبره، أن أبا ذر أخبره، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد في سبيله». طيب، طيب. هذا الحديث إن شاء الله نوطئ له في درس آخر. والله تعالى أعلم.