الدرس في التعليق على تفسير سورة الكهف 11، ألقاها
يتناول تفسير العلامة السعدي للآيات التي تتحدث عن موسى والخضر، ويشرح معاني الآيات ودلالاتها. يذكر آراء العلماء في تفسيرها وقصة لقاء موسى والخضر.
يشرح أحداث قصة موسى والخضر وتفسير الخضر لأفعاله الثلاثة. يُظهر الحكمة وراء أفعال الخضر ودلالتها على نبوة الخضر وفضل العلم.
يستعرض فوائد من قصة موسى مع العبد الصالح، منها جواز إخبار الإنسان بمطلبه إذا كان في ذلك مصلحة، واستحباب اختيار خادم ذكي، ونزول المعونة على العبد بحسب قيامه بالطاعات.
يناقش دلالة قول الخضر "ما فعلته عن أمري" على نبوته، ويرد على من يفسر الوحي بالإلهام، ويبين أن الوحي في حالة الخضر يدل على نبوته.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره: قال: «آتيناه رحمة من عندنا» أي: أعطاه الله رحمة خاصة، بها زاد علمه وحسن عمله، وفسرها بعض أهل العلم بالوحي، كما ذكر ذلك العلامة الشنقيطي رحمه الله في تفسيره «أضواء البيان»، وذكر لها شواهد من القرآن تدل على هذا المعنى. وقد رجح رحمه الله أن الخضر نبي، وذكر عدة دلائل على ذلك، ومنها هذه الآية: «وآتيناه رحمة من عندنا»، فالسر بأن المراد بها الوحي الذي أوحاه الله سبحانه وتعالى إليه. قال: «وعلمناه من لدنا علما» أي: من عندنا علما، وكان قد أعطي من العلم ما لم يعطَ موسى، وإن كان موسى عليه السلام أعلم منه بأكثر الأشياء، وخصوصا في العلوم الإيمانية والأصولية؛ لأنه من أولي العزم من المرسلين، الذين فضلهم الله على سائر الخلق بالعلم والعمل وغير ذلك. والمراد بالأصولية: يعني أصول الأشياء وأساساتها. وهذه الآيات تدل على أن موسى عليه السلام الصاحب الخضر هو موسى صاحب بني إسرائيل، ويدل على ذلك أيضا ما ثبت في صحيح البخاري في ذكر النبي عليه الصلاة والسلام لهذه القصة التي حصلت بين موسى والخضر. وجاء في صحيح البخاري أن نوفا البكالي، أحد القصاص، ذكر أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، إنه موسى آخر. فلما ذكر سعيد بن جبير هذا لابن عباس، قال: «كذب عدو الله»، بل هو موسى صاحب بني إسرائيل. قال: «فلما اجتمع به موسى، قال له على وجه الأدب والمشاورة والإخبار عن مطلبه: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا؟» قال: أي: علما أتبعك على أن تعلمني مما علمك الله ما به أسترشد وأهتدي وأعرف به الحق في تلك القضايا. وهذا فيه دلالة على أن العلم النافع الذي يهدي صاحبه ويرشده إلى الله، فيرفع عنه الجهل، وهكذا أيضا يعرفه بربه سبحانه وتعالى. قال: «وكان الخضر قد أعطاه الله من الإلهام والكرامة ما به يحصل له الاطلاع على بواطن كثير من الأشياء التي خفيت حتى على موسى عليه السلام». وهذا لأن الخضر كان نبيا، أوحى الله سبحانه وتعالى إليه بأشياء لم يوحِ بها إلى موسى عليه السلام، فخفيت على موسى. قال: «فقال الخضر لموسى: لا أمتنع من ذلك، ولكنك لن تستطيع معي صبرا» أي: لا تقدر على اتباعي وملازمتي؛ لأنك ترى ما لا تقدر على الصبر عليه من الأمور التي ظاهرها المنكر وباطنها غير ذلك. ولهذا قال: «وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا؟» أي: كيف تصبر على أمر ما أحطت بباطنه وظاهره، ولا علمت المقصود منه ومآله؟ فقال موسى: «ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا». وهذا عزم منه قبل أن يوجد الشيء الممتحن به. والعزم شيء، ووجود الصبر شيء آخر. فلذلك ما صبر موسى عليه السلام حين وقع الأمر، مع أنه قال: «ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا». والخضر اشترط عليه أنه لا يسأل عما يفعل، ووعد موسى بالصبر، لكنه ما صبر. قال: «فحينئذ قال له الخضر: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرى» أي: لا تبتدئني بسؤال منك وإنكار، حتى أكون أنا الذي أخبرك بحاله في الوقت الذي ينبغي إخبارك به. فنهاه عن سؤاله، ووعده أن يوقفه على حقيقة الأمر، يعني في الوقت المناسب. قال: «فانطلق حتى إذا ركب في السفينة خرقها» أي: اقتلع الخضر منها لوحا، وكان له مقصود في ذلك سيبينه. فلم يصبر موسى عليه السلام؛ لأن ظاهره أنه منكر؛ لأنه عيب للسفينة وسبب لغرق أهلها. وجاء في بعض الروايات أن موسى لما مشى مع الخضر، فوجد سفينة، فطلب الركوب - يعني أصحاب السفينة طلب منهم الركوب - فلما عرف أنه الخضر لم يأخذ منه أجرة. فلما رأى موسى ما فعل، واقتلع منها - يعني جزءا كاد منها أن تغرق - أنكر موسى ذلك، فقال: «أخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئا إمرا!» قال: أي: عظيما شنيعا. وهذا من عدم صبره عليه السلام. فقال له الخضر: «ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا؟» أي: فوقع كما أخبرتك. وكان هذا من موسى نسيانا. قال: «لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا» أي: لا تعسر علي الأمر، واسمح لي؛ فإن ذلك وقع على وجه النسيان، فلا تؤاخذني في أول مرة. والإنسان إذا وقع منه شيء على جهة النسيان، فإنه لا يؤاخذ به. قال: «فجمع بين الإقرار به والعذر منه، وأنه ما ينبغي لك - أيها الخضر - الشدة على صاحبك». فسمح عنه الخضر. فانطلق حتى إذا لقيا غلاما - أي: صغيرا - فقتله - أي: الخضر - فاشتد بموسى الغضب، وأخذته الحمية الدينية حين قتل غلاما صغيرا لم يذنب. قال: «قتلت نفسا زكية بغير نفس، لقد جئت شيئا نكرا!» وأي نكر مثل قتل الصغير الذي ليس عليه ذنب، ولم يقتل أحد - يعني: ما الداعي إلى قتله وهو صغير غير مكلف، ولم يأت بشيء يوجب قتله؟ وكان هذا الفعل منكرا في شريعة موسى عليه السلام، فلهذا أنكره ولم يتحمل موسى ما رأى. قال: «وكان الأول من موسى نسيانا، وهذه غير نسيان» يعني: هذا الإنكار لم يقع على جهة النسيان كالمرة الأولى. قال: «ولكن عدم صبر». فقال له الخضر معاتبا ومذكرا: «ألم أقل لك إن إن إن إن: «إنك لن تستطيع معي صبرا؟»» وهنا قال: «ألم أقل لك»، وفي المرة الأولى: «ألم أقل إنك». في المرة الأولى كانت أخف، وفي الثانية أشد. قال له موسى: «إن سألتك عن شيء بعدها - أي: بعد هذه المرة - فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني عذرا» أي: أعذرت مني ولم تقصر - يعني: قد سامحت وأعذرت في الأولى والثانية. وإذا سألتك في الثالثة - خلاص - تنقطع بيني وبينك هذه الصحبة. قال: «فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية، استطعم أهلها - أي: استضافاهم - فأبوا أن يضيفوهما. فوجد فيها جدارا يريد أن ينقض - أي: عاث واستهدم - فأقامه - أي: الخضر - بناه وأعاده جديدا. فقال له موسى: «لو شئت لاتخذت عليه أجرا» يعني: كان ينبغي أن تأخذ أجرا مقابل إصلاح هذا الجدار؛ لأن أهل هذه القرية ما أطعمونا ولا قاموا بضيافتنا. وهذا من بخلهم وشحهم. فقال له: «لو شئت لاتخذت عليه أجرا». قال: «أي: أهل هذه القرية لم يضيفونا مع وجوب ذلك عليهم» أي: أن الضيافة واجبة، وهم لم يقوموا بهذا الواجب. وأنت تبنيه من دون أجرة، وأنت تقدر عليها. فحينئذ لم يفِ موسى عليه السلام بما قال، واستعذر الخضر منه، فقال: «هذا فراق بيني وبينك؛ فإنك شرط ذلك على نفسك، فلم يبق الآن عذر ولا موضع للصحبة». ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر هذا الموضع والحديث في البخاري، قال: «وددنا لو أن موسى صبر حتى يقص الله علينا من شأنهما أو من أخبارهما». قال: «سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا» أي: سأخبرك بما أنكرت علي، وأنبئك بأن لي في ذلك من المآرب. وما يقول إليه الأمر: «تأويل» يعني: التفسير. هذه الوقائع التي حصلت، وأنت أنكرتها. قال: «أما السفينة التي خرقتها، فكانت لمساكين يعملون في البحر، يقضي ذلك الرقة عليهم والرأفة بهم». فأردت أن أعيبها. «وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا» أي: كان مرورهم على ذلك الملك الظالم، فكل سفينة صالحة تمر عليه ما فيها عيب، غصبها وأخذها ظلما. فأردت أن أخرقها؛ ليكون فيها عيب، فتسلم من ذلك الظلم - يعني: أنه خرقها حتى لا يأخذ هذا الظالم؛ لما يرى فيه هذا العيب - يأبى أن يأخذها. فحينئذ تسلم لأصحابها. وهذا من الحيل المشروعة. فالحيل على قسمين: حيل ممنوعة، وهو ما يتوصل بها إلى الحرام، وهي محرمة. وحيل مشروعة، وهو ما يتوصل بها إلى الحلال، ما يتوصل بها إلى الحق أو دفع الباطل، فإنها مشروعة. ومنها ما فعله الخضر في هذه السفينة، فهذه من الحيل المشروعة؛ لأنه فعل ذلك حيلة حتى تسلم هذه السفينة لأصحابها. وفيه كذلك أيضا أن المسكين قد يكون عنده سفينة، أو عنده سيارة، أو عنده شيء من المراكب، ومع ذلك فهو مسكين؛ لماذا؟ لأنها لا تغطي حاجته التي يحتاج لها. وهذا يدل على أن المسكين أشد حالا من الفقير؛ أن المسكين أشد حالا من الفقير. قال: «وأما الغلام الذي قتلته، فكان أبواه مؤمنين، فخشينا يرهقهما طغيانا وكفرا». وكان ذلك الغلام قد قدر عليه أنه لو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا - أي: لحملهما على الطغيان والكفر - إما لأجل محبتهما إياه أو للحاجة إليه، يحملهما على ذلك - أي: فقتلته للطلاع على ذلك، سلامة لدين أبويه المؤمنين. وأي فائدة أعظم من هذه الفائدة الجليلة؟ وهو وإن كان فيه إساءة إليهما وقطع لذريتهما، فإن الله تعالى سيعطيهما من الذرية ما هو خير منه. وهذا دليل من أدلة نبوة الخضر؛ لأن الخضر - ما الذي أعلمه أن هذا الغلام سيكون كافرا وهو ما زال غلاما لم يبلغ بعد؟ ما الذي أدراه أنه إذا كبر وبلغ صار كافرا؟ لا شك أن مثل هذا لا يعلم إلا بوحي من الله سبحانه وتعالى، فأطلعه الله سبحانه وتعالى على ذلك. قال: «فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحمة» أي: ولدا صالحا زكيا، واصلا لرحمه. فإن الغلام الذي قتل لو بلغ لعقهما أشد العقوق؛ بحملهما على الكفر والطغيان. قال: «وأما الجدار الذي أقمته، فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحا» أي: حالهما تفتضي رأفة بهما ورحمتهما، ولكونهما صغيرين أعدما أباهما، وحفظهم الله أيضا بصلاح والدهما. فأراد ربك أن يبلغ أشدهما ويستخرج كنزهما - أي: فلهذا هدمت الجدار واستخرجت ما تحته من كنزهما وردته وأعدته مجانا - أي: من غير مقابل - من أجل حفظ كنز هذين الولدين. قال: «رحمة من ربك» أي: هذا الذي فعلته رحمة من الله، آتاها الله عبده الخضر. وفي قوله: «وكان أبوهما صالحا»، فيه دلالة على أن الله عز وجل قد يحفظ ذرية العبد الصالح بصلاح والديه، يحفظ الله سبحانه وتعالى ذرية العبد الصالح بصلاحه. فلما كان أبوهما صالحا، حفظ الله عز وجل ذريته - ما لهما من المال - حفظا من الله سبحانه وتعالى، ورحمة وإكراما لوالدهما الصالح. ولهذا كان بعض السلف يقول لأولاده: «إني لأتق الله سبحانه وتعالى رجاء أن يصلحكم الله». قال: «وما فعلته عن أمري» أي: ما أتيت شيئا من قبل نفسي ومجرد إرادتي، وإنما ذلك من رحمة الله وأمره. وهذا أيضا موضع آخر يدل على أن الخضر نبي؛ في قوله: «وما فعلته عن أمري»، إذا من الذي أمره وأوحى إليه هذه الأمور؟ هو الله سبحانه وتعالى. قال: «ذلك الذي فسرته لك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا». وفي هذه القصة العجيبة الجليلة من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله. فمنها: فضيلة العلم؛ حيث أن الله سبحانه وتعالى علم الخضر علما لم يكن عند موسى عليه السلام. وموسى عنده علم، لكن علمه يتفاوت. وأهل العلم في العلم متفاوتون؛ فبعضهم علمه كثير، وبعضهم علمه قليل، ومنهم من يعلم شيئا يجهله الآخر، وهكذا ليسوا في العلم في درجة واحدة. فالخضر علمه الله لم يعلمه موسى، وموسى عنده من العلم ما لا يعلمه الخضر. قال: «والرحلة في طلبه» يعني: الرحلة في طلب العلم؛ لأن موسى رحل لما أوحى الله إلى موسى حين سأله رجل: «هل أحد أعلى منك؟» قال: «لا». فأوحى الله إليه أن عبد الخضر أعلم منك. قال: «يا رب، كيف الوصول؟ كيف السبيل إليه؟» فأوحى الله إليه بما مر معنا من أخذ الحوت، فإذا فقده فهو في ذلك الموضع. فرحل موسى رحلا إلى الخضر حتى يتعلم منه. وهذا فيه أيضا أن صاحب العلم لا يستغني بما عنده من العلم؛ إن استطاع أن يرحل إلى غيره من أهل العلم فيستفيد منهم، فيفعل ذلك، وينبغي أن يفعل ذلك؛ فإنه كلما ازداد علما كلما رفع الجهل عن نفسه. قال: «وأنه أهم الأمور» يعني: الرحلة في طلب العلم وتحصيله. قال: «فإن موسى عليه السلام رحل مسافة طويلة، ولقي النصب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك». وهذا من فضل العلم أن يرحل فيه، ويترك الإنسان بلده وأهله، لكن يعني بالضوابط الشرعية التي ليس فيها إفراط ولا تفريط. قال: «ومنها: البداءة بالأهم فالأهم؛ فإن زيادة العلم وعلم الإنسان أهم من ترك ذلك والاشتغال بالتعليم من دون تزود من العلم، والجمع بين الأمرين أكمل» يعني: الجمع بين طلب العلم وتعليم العلم هذا أكمل. يجمع الإنسان بين تزود من العلم وتحصيل العلم، وبين تعليم العلم. فإن لم يمكن، وحتاج إلى أن يتزود من العلم، فيذهب ويرحل في طلب العلم. فإن لم يستطع، وكان عنده شيء من العلم، جلس لتعليم الناس وتفقيهم في أحكام الشريعة. قالوا: «منها: جواز أخذ الخادم في الحضر والسفر لكفاية المؤن» أخذ الخادم - يعني: من يخدم الإنسان في حمل أمتعته، وفي إتيانه بالأشياء التي يحتاج لها - إذا كان يخدمه في الحضر، جاز أن يأخذه ويخدمه في السفر؛ وأنه لا يمتنع من ذلك، مدام أنه مهيأ للعمل عنده وخدمته، فلا فرق بين أن يخدمه في الحضر وبين أن يخدمه في السفر. ووجه ذلك أن الخضر - أن موسى عليه السلام لما رحل - أخذ معه خادمه الذي يخدمه، فكان معه في حال سفره. قال: «وطلب الراحة كما فعل موسى» يعني: لا بأس بذلك؛ أن الإنسان يرتاح، ويقوم الآخر بخدمته الذي هو من عمله. قال: «ومنها: أن المسافر لطلب علم أو جهاد أو نحوه، إذا اقتضت المصلحة الإخبار بمطلبه وأين يريده، فإنه أكمل من كتمه؛ فإن في إظهاره فوائد من الاستعداد له واتخاذ عدته وإتيان الأمر على بصيرة». وإظهار الشوق لهذه العبادة الجليلة كما قال موسى: «لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا». وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حين غزا تبوك بوجه ما أن عادته التورية. وذلك تبع للمصلحة - يعني: إذا اقتضت المصلحة الإخبار بوجه الذي يريد والموضع الذي ينوي الذهاب إليه، وكان في ذلك مصلحة لأجل الاستعداد وأخذ الأهبة ونحو ذلك، فلا بأس. وإن كانت المصلحة كتم ذلك وعدم الإخبار، كتمه. والنبي صلى الله عليه وسلم كان بكثير من المغازي يوري - ما يخبر - يعني أصحابه بالجهة التي يريدها من باب الخدعة للعدو؛ حتى لا يعلم الأعداء أين يتجه وأين يريد. ولما أراد تبوك صرح لهم - صرح لهم - بمقصده الذي يريد؛ حتى يستعد لذلك. وكذلك أيضا يأخذ الأمر بجد. وهذا كله تبع للمصلحة. قال: «ومنها: إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان على وجه التسويل والتزيين، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره؛ لقول فتى موسى: «وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره»» يعني: نسب النسيان إلى الشيطان؛ أنه الذي أنساه. وهذا فيه - يعني - جواز إضافة الشر وأسباب الشر إلى الشيطان؛ لأن الشيطان ماذا؟ شر، ويدعو إلى الشر. فكون الإنسان ينسب الشر إليه، هذا لا بأس به. وإن كان الشر من خلق الله سبحانه وتعالى؛ الشر من خلق الله، لكن لا يضاف إلى الله إضافة فعل؛ فالفاعل للشر هو المخلوق، وإن كان الله خلقه. فهو يضاف إلى الله إضافة خلق، ولا يضاف إليه إضافة فعل؛ فليس في أفعال الله شر؛ أفعال الله كلها خير. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه أن يقول: «والشر ليس إليك» ليس من أفعالك؛ ليس من أفعالك الشر؛ فالأفعال الله سبحانه وتعالى كلها خير. قال: «ومنها: جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس من نصب وجوع أو عطش، إذا لم يكن على وجه التسخط، وكان صدقا؛ لقول موسى: «لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا» أي: تعبا ومشقة». فإخبار الإنسان بذلك على جهة الإخبار، هذا لا بأس به؛ يقول: «أنا جائع»، «أنا عطشان»، «لقد لقيت - مثلا - تعبا في هذا السفر أو في هذه الرحلة»، هذا ما في شيء. أما أن يكون على سبيل التسخط، فهذا الذي يؤاخذ عليه الإنسان. قال: «ومنها: استحباب كون خادم الإنسان ذكيا فطنا كيسا؛ ليتم له أمره الذي يريده» يعني: أن يختار خادما عنده شيء من الذكاء والفطنة؛ حتى ينتفع به في خدمته، وربما يقوم بأشياء دون أن يطلبها منه؛ بسبب ذكائه؛ هو يعرف ما الذي يحتاجه صاحبه وما الذي لا يحتاجه، فيوفر عليه كثيرا من الجهد. وكذلك أيضا يريحه من غير تعب ومشقة؛ بخلاف لو كان غبيا ليس بفطن؛ فهو في كل أمر يحتاج إلى أمر؛ كل فعل يريده يحتاج أن يأمره: «افعل كذا ولا تفعل كذا، قدم كذا وأخر كذا»، فيتعب المخدوم من عدم ذكاء خادمه. قال رحمه الله: «ومنها: استحباب إطعام الإنسان خادمه من ما أكله، وأكلهما جميعا؛ لأن ظاهر قوله: «آتنا غداءنا» إضافة إلى الجميع؛ أنه أكله وهو جميعا». وهذا مما حث عليه النبي عليه الصلاة والسلام؛ أن يحسن الإنسان إلى خادمه؛ إن لم يجلسه معه في المائدة طعامه، فليناوله لقمة أو لقمتين؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «ومنها: أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأن الموافق لأمر الله يعان ما لا يعان غيره؛ لقوله: «لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا»». والإشارة إلى السفر المجاوز لمجمع البحرين. وأما الأول فلم يشتك منه التعب مع طوله؛ لأنه السفر على الحقيقة. وأما الأخير، فالظاهر أنه بعض يوم؛ لأنهم فقدوا الحوت حتى أووا إلى الصخرة، فالظاهر أنهم باتوا عندها، ثم ساروا من الغد حتى إذا جاء وقت الغداء، قال موسى لفتاه: «آتنا غداءنا». فحينئذ تذكر أنه نسيه في الموضع الذي إليه منتهى قصده - يعني: مراده بذلك - رحمه الله - أن العبد إذا قام بما أمره الله سبحانه وتعالى به، فإن كان هذا الفعل الذي يفعله مما أمر الله به، وهو فيه طاعة لله وتقوى لله، أعانه الله سبحانه وتعالى عليه؛ حتى إنه لا يجد في أدائه له شيء من التعب والمشقة، ما لو كان على غير ذلك. فالله عز وجل يعين عبده على فعل الطاعة والعبادة؛ حتى إن الإنسان - يعني - لا يجد مشقة وتعبا؛ مثلا الصيام إذا صام، والصيام - نشك أنه عبادة وطاعة - كصيام رمضان - مثلا - فيجد - يعني - سهولة في أداء هذه العبادة، ويعان من الله سبحانه وتعالى؛ لأن فعلها طاعة لله ومما أمر الله سبحانه وتعالى به، فيعين الله جل وعلا العبد على هذه العبادة والطاعة. وهكذا السفر إن كان لطاعة وقربة لله جل وعلا، أعانه الله ويسر له أموره. وربما إن كان لي معصية وأمر مخالف لدين الله، كان فيه من المشقة والتعب والنصب ما لا يعلمه إلا الله. قالوا: «منها: أن ذلك العبد الذي لقياه ليس نبيا، بل عبدا صالحا؛ لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته. ولو كان نبيا لذكر ذلك كما ذكره غيره». وهذا ليس بصحيح؛ فكونه وصفه بالعبودية لا ينفي أن يكون نبيا؛ أليس الله عز وجل مدح نبيه في أعظم المقامات، ووصفه وصف العبودية في مقام الإسراء؟ قال: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا» هل معنى هذا لأنه ليس بنبي؟ وهكذا في مقام التحدي: «إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا» ذكره بلفظ العبودية، وصف العبودية. وهكذا أيضا في إنزال القرآن: «الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب». فوصفه الله بوصف العبودية في أعظم المقامات، وهذا لا ينفي أن يكون نبيا. قال: «وأما قوله في آخر القصة: «وما فعلته عن أمري»، فإنه لا يدل على أنه نبي، وإنما يدل على الإلهام والتحديث كما يكون لغير الأنبياء». وهذا ليس بصحيح؛ لأن الإلهام الذي يلهم الله به العبد لا يوصل به إلى حد سفك الدماء؛ فكونه يقتل صبيا صغيرا ويخبر بأنه إذا كبر كان كافرا، من أين له هذا؟ من أين له هذا؟ هذا لا يعلم إلا بوحي من الله؛ لأن هذا أمر غيبي، هذا أمر غيبي. أما الإلهام قد يلهم به - يعني - شيء لا يصيل مثل هذا الحد، لا يصيل مثل هذا الحد. فهذا القول من المؤلف رحمه الله ليس بصحيح؛ بل قوله: «ما فعلته عن أمري» دليل على نبوته، وأنه ما فعل هذا إلا بأمر من الله؛ لأن من الذي سيأمره؟ هو الآن يخبر أنه ما فعل هذا بأمره. طيب من الآمر؟ من الذي له الأمر؟ والتحليل والتحريم والأمر والنهي أليس هو الله سبحانه وتعالى؟ فهذا دليل ظاهر على أنه نبي. قال: «وإنما يدل على الإلهام والتحديث كما يكون لغير الأنبياء؛ كما قال تعالى: «أوحينا إلى موسى أن أرضعيه» إلى أم موسى «أن أرضعيه»، فبصرت «في صغطف» هنا في هذه الآية «فبصرت». ونري «لأخته» قالوا: «أوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوته» اقصد «أوحينا إلى أم موسى أن أرضعي» يعني: هذه الآية فقط في إيحاء الله سبحانه وتعالى إليها «أوحينا» بمعنى ألهمنا؛ يريد أن الوحي هنا بمعنى الإلهام. «وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه» أي: ألهمنا أم موسى أن ترضعه. وهكذا أيضا «أوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوته» يعني: أوحى - ألهم - الله النحل أن تتخذ من الجبال بيوته. نقول: نعم، هذا صحيح؛ أن الوحي يطلق ويراد به الإلهام إذا لم تدل قرينة أخرى على إرادة ماذا؟ النبوة ووحي الرسالة. إذا كان وحيا لم يقترن بما يدل على أنه وحي نبوة، فنعم هو إلهام، هو إلهام. أما إن دلت القراءة على أن المراد بهذا الوحي وحي النبوة، فإنه يحمل على إيحاء النبوة. وهذا هو الذي حصل للخضر عليه السلام. طيب من أراد زيادة في النظر في دلائل نبوة الخضر، فيرجع إلى تفسير العلامة الشنقيطي رحمه الله عند هذه السورة. طيب نكتفي بهذا القدر، صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.