الدرس في التعليق على تفسير سورة الكهف 9، ألقاها
يشرح العلامة السعدي آية الكهف ويبين أن الدنيا فانية وزينتها مؤقتة، بينما الباقيات الصالحات خير ثوابًا وأملًا. يشمل ذلك جميع الطاعات الواجبة والمستحبة.
يصف المقطع أهوال يوم القيامة وما فيه من شدائد، ويبين أن الله يحاسب جميع الخلق على أعمالهم. يُعطى كل فرد كتابًا بأعماله ويُجازى بها.
يتناول هذا الفصل إبطال الشرك بالله ويبين أن الله وحده هو الخالق المدبر. يصف حال المشركين يوم القيامة وتباعد شركائهم عنهم.
يحذر المقطع الكافرين من عذاب الله إذا لم يؤمنوا ويبين أن عدم إيمانهم ليس بسبب عدم وضوح الهدى. يُذكّرهم بعاقبة الكفر وعذاب الله للأولين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره عند قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. قال: يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أصلا ولمن قام بوراثته بعده تبعا: «اضرب للناس مثل الحياة الدنيا»... ويريد من قام بوراثته بعده، يعني من أهل العلم؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، كما أخبر عليه الصلاة والسلام. قال: «اضرب للناس مثل الحياة الدنيا»؛ ليتصوروها حق التصور، ويعرفوا ظاهرها وباطنها، فيقيسوا بينها وبين الدار الباقية، ويؤثروا أيهما أولى بالإيثار. وأن مثل هذه الحياة الدنيا كمثل المطر ينزل على الأرض، فيختلط نباتها، أو تنبت من كل زوج بهيج، فبينما زهرتها وزخرفها تسر الناظرين، وتفرح المتفرجين، وتأخذ بعيون الغافلين، إذ أصبحت هشيما تذروه الرياح، فذهب ذلك النبات الناضر والزهر الزاهر والمنظر البهي، فأصبحت الأرض غبراء ترابا، قد انحرف عنها النظر، وصدف عنها البصر -يعني أعرض عنها- وأوحشت القلب. كذلك هذه الدنيا، بينما صاحبها قد أعجب بشبابه، وفاق فيها على أقرانه وأترابه، وحصل درهمها ودينارها، واقتطف من لذته أزهارها، وخاض في الشهوات في جميع أوقاته، وظن أنه لا يزال فيها سائر أيامه، إذ أصابه الموت، أو أتلف ماله، فذهب عنه سروره، وزالت لذته وحبوره، واستوحش قلبه من الآلام، وفارق شبابه وقوته وما له، وانفرد بصالح أو سيء أعماله. هناك يعض الظالم على يديه حين يعلم حقيقة ما هو عليه، ويتمنى العودة إلى الدنيا، لا ليستكمل الشهوات، بل يستدرك ما فرط منه من الغفلات بالتوبة والأعمال الصالحات. فالعاقل الجازم الموفق يعرض على نفسه هذه الحالة، ويقول لنفسه: قدري أنك قد متى ولا بد أن تموت، فأي الحالتين تختارين: الاغترار بزخرف هذه الدار والتمتع بها كتمتع الأنعام السارحة، أم العمل لدار أكلها دائم وظلها ظليل، وفيها تشتهي الأنفس وتلذ الأعين؟ فبهذا يعرف توفيق العبد من خذلانه، وربحه من خسرانه. ولهذا أخبر تعالى أن «المال والبنون زينة الحياة الدنيا» أي: ليس وراء ذلك شيء، وأن الذي يبقى للإنسان وينفعه ويسره: الباقيات الصالحات. وهذا يشمل جميع الطاعات الواجبة والمستحبة من حقوق الله وحقوق عباده: من صلاة وزكاة وصدقة، وحج وعمرة، وتسبيح وتحميد وتهليل، وقراءة وطلب علم نافع، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وصلة رحم، وبر والدين، وقيام بحق الزوجات والمماليك والبهائم، وجميع وجوه الإحسان إلى الخلق. كل هذا من الباقيات الصالحات. وهذا أحسن ما يفسر به الباقيات الصالحات؛ فهي تشمل كل خير وعمل صالح يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، سواء كان من حقوق الله أو حقوق خلقه. قال: «فهذه خير عند الله ثوابا وخير أملا»؛ فثوابها يبقى ويتضاعف على الآباد، ويؤمل أجرها وبرها ونفعها عند الحاجة. فهذه التي ينبغي أن يتنافس بها المتنافسون، ويستبق إليها العاملون، ويجد في تحصيلها المجتهدون. وتأمل كيف لما ضرب الله مثل الدنيا وحالها واضمحلالها، ذكر أن الذي فيها نوعان: نوع من زينتها يتمتع به قليلا ثم يزول بلا فائدة تعود لصاحبه، بل ربما لحقته مضرته، وهو المال والبنون -أي: إن لم يستعمل به على طاعة الله سبحانه وتعالى كان وبالا عليه- ونوع يبقى لصاحبه على الدوام، وهي الباقيات الصالحات. فهذه موعظة بليغة من المؤلف رحمه الله في بيان حقيقة هذه الدنيا وحقارتها وسرعة زوالها وذهابها، وكيف يغتر الإنسان بها، مع أن الذي ينبغي أن يعمل لآخرته، وأن لا يركن إلى هذه الحياة الدنيا الفانية. قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. قال: يخبر تعالى عن حال يوم القيامة وما فيه من الأهوال المقلقة والشدائد المزعجة، فقال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ أي: يزيلها عن أماكنها، يجعلها كثيبا، ثم يجعلها كالعهن المنفوش -أي: الصوف الذي قد فرق بين أجزائه- ثم تضمحل وتتلاشى، وتكون هباء منبثا. وتبرز الأرض، فتصير قاعا صفصفا، لا عوج فيها ولا أمتاء -أي: لا ارتفاع ولا انخفاض- أرضا مستوية، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بيضاء نقية كالدرهم النقي» -أي كالخبز الأبيض الصافي-. قال: «ويحشر الله جميع الخلق على تلك الأرض، فلا يغادر منهم أحدا»، بل يجمع الأولين والآخرين من بطون الفلوات وفجور البحار، ويجمعهم بعدما تفرقوا، ويعيدهم بعدما تمزقوا خلقا جديدا، فيعرضون عليه صفا، ليستعرضهم وينظر في أعمالهم، ويحكم فيهم بحكمه العدل الذي لا جور فيه ولا ظلم. ويقول لهم: «لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة» أي: بلا مال ولا أهل ولا عشيرة، ما معهم إلا الأعمال التي يعملوها والمكاسب في الخير والشر التي كسبوها، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ يعني: من الأموال والأهل، إلى غير ذلك من متاع الدنيا. وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء. وقال هنا مخاطبا للمنكرين للبعث وقد شاهدوه عيانا: «بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا» أي: أنكرتم الجزاء على الأعمال، ووعد الله ووعيده فيها. قد رأيتموه وذقتموه. فحينئذ تحضر كتب الأعمال التي كتبها الملائكة الكرام، فتطير لها القلوب، وتعظم من وقعها الكروب، وتكاد لها الصم الصلاب تذوب. ويشفق منها المجرمون، فإذا رأوها مصطرة عليهم أعمالهم، محصى عليهم أقوالهم وأفعالهم، قالوا: «يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها» أي: لا يترك خطيئة صغيرة ولا كبيرة إلا وهي مكتوبة فيه محفوظة، لم ينس منها عمل سر ولا علانية، ولا ليل ولا نهار. «ووجدوا ما عملوا حاضرا» لا يقدرون على إنكاره، «ولا يظلم ربك أحدا» فحينئذ يجازون بها، ويقررون بها، ويخزون، ويحق عليهم العذاب، ذلك بما قدمت أيديكم، وأن الله ليس بظلام للعبيد، بل هم غير خارجين عن عدله وفضله. والله جل وعلا يستطيع أن يحاسب العباد من غير وجود هذه الصحف التي فيها أعمالهم التي عملوها من صالح وسيء الأعمال، ولكن هذا من باب قطع الحجة على العبد حتى لا يكون له حجة على الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾. قال: يخبر الله تعالى عن عداوة إبليس لآدم وذريته، وأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم إكراما وتعظيما، وامتثالا لأمر الله، فامتثلوا ذلك إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه، وقال: «أسجد لمن خلقت طينا»، وقال: «أنا خير منه»، فتبين بهذا عداوته لله ولأبيكم، فكيف تتخذونه وذريته -أي: الشياطين- أولياء من دوني، وهم لكم عدو؟ «بئس للظالمين بدلا» أي: بئس مختارا لأنفسهم من ولاية الشيطان الذي لا يأمرهم إلا بالفحشاء والمنكر، عن ولاية الرحمن الذي كل السعادة والفلاح والسرور في ولايته. وفي هذه الآية الحث على اتخاذ الشيطان عدوا والإغراء بذلك، بل قد صرح الله جل وعلا بذلك في آيات أخر، كما في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. قال: وذكر السبب الموجب لذلك، وأنه لا يفعل ذلك إلا ظالم -يعني: من يتخذ الشيطان وليا- وأي ظلم أعظم من ظلم من اتخذ عدوه الحقيقي وليا، وترك الولي الحميد؟ قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾. قال: يقول تعالى: ما أشهدت الشياطين وهؤلاء المضلين خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم، أي: ما أحضرتهم ذلك ولا شاورتهم عليه، فكيف يكونون خالقين لشيء من ذلك؟ بل المنفرد بالخلق والتدبير والحكمة والتقدير هو الله، خالق الأشياء كلها، المتصرف فيها بحكمته، فكيف يجعل له شركاء من الشياطين يوالون ويطاعون كما يطاع الله، وهم لم يخلقوا ولم يشهدوا خلقا ولم يعاونوا الله تعالى؟ ولهذا قال: «وما كنت متخذ المضلين عضدا» أي: معاونين مظاهرين لله على شأن من الشؤون، أي: ما ينبغي ولا يليق بالله أن يجعل لهم قصطا من التدبير؛ لأنهم ساعون في إضلال الخلق والعداوة لربهم، فاللائق أن يقصيهم ولا يدنيهم -يعني: أن يبعدهم لا أن يقربهم-. ولما ذكر حال من أشرك به في الدنيا، وأبطل هذا الشرك غاية الإبطال، وحكم بجهل صاحبه وسفهه، أخبر عن حالهم مع شركائهم يوم القيامة، وأن الله يقول لهم: «نادوا، شركائي بزعمكم، على موجب زعمكم الفاسد»، وإلا فالحقيقة: ليس لله شريك في الأرض ولا في السماء. والله جل وعلا هو الغني سبحانه، الذي له الغنى الكامل، فهو لا يحتاج إلى أحد من عباده أو من مخلوقاته، لا يحتاج إلى ظهير ولا معين، سبحانه فهو القوي جل وعلا الغني. قال: «أي: نادوهم لينفعوكم ويخلصوكم من الشدائد، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم» أي: أرادوا أن ينفعوهم وأن يدفعوا عنهم شيئا من الضر أو أن يحصل لهم شيء من النفع؛ «لأن الحكم والملك يومئذ لله»؛ لأن الحكم والملك يومئذ لله، لا أحد يملك مثقال ذرة من النفع لنفسه ولا لغيره. «وجعلنا بينهما» -أي: بين المشركين وشركائهم- «موبقا» أي: مهلكا يفرق بينهم وبينهم، ويبعد بعضهم من بعض، ويتبين حينئذ عداوة الشركاء لشركائهم، وكفرهم بهم، وتبريهم منهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. وهكذا يتبرأ الأتباع من المتبوعين، والأتباع من المتبوعين، وكل يلعن بعضهم بعضا، كما أخبر الله سبحانه وتعالى في آيات أخر. قال رحمه الله: «ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا». أي: لما كان يوم القيامة، وحصل من الحساب ما حصل، وتميز كل فريق من الخلق بأعمالهم، وحقت كلمة العذاب على المجرمين، فرأوا جهنم قبل دخولها، فانزعجوا واشتد قلقهم لظنهم أنهم مواقعوها. وظنهم هنا بمعنى اليقين -أي: أيقنوا بدخولهم النار والعذاب فيها-. قال: وهذا الظن -قال المفسرون- إنه بمعنى اليقين، فأيقنوا أنهم داخلوها، «ولم يجدوا عنها مصرفا» أي: معدلا يعدلون إليه، ولا شافع لهم من دون إذنه. وفي هذا من التخويف والترهيب ما ترعد له الأفئدة والقلوب. قال رحمه الله: «ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل، وكان الإنسان أكثر شيء جدلا». يخبر الله تعالى عن عظمة القرآن وجلالته وعمومه، وأنه صرف فيه من كل مثل، أي: من كل طريق موصل إلى العلوم النافعة والسعادة الأبدية، وكل طريق يعصم من الشر والهلاك؛ ففيه أمثال الحلال والحرام، وجزاء الأعمال، والترغيب والترهيب، والأخبار الصادقة النافعة للقلوب اعتقادا وطمأنينة ونورا. وهذا مما يوجب التسليم لهذا القرآن، وتلقيه بالانقياد والطاعة، وعدم المنازعة له في أمر من الأمور. ومع ذلك كان كثير من الناس يجادلون في الحق بعدما تبين، ويجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، ولهذا قال: «وكان الإنسان أكثر شيء جدلا». ومعنى «ليدحضوا به الحق» أي: ليدفعوه ويردوه. قال: «مجادلة ومنازعة فيه»، مع أن ذلك غير لائق بهم ولا عدل منهم. والذي أوجب لهم ذلك وعدم الإيمان بالله -كأن الأصح: بدون واو- يعني: مما أوجب لهم ذلك وعدم الإيمان بالله؛ إنما هو الظلم والعناد، لا لقصور في بيانه وحجته وبرهانه. وإلا فلو جاءهم العذاب، وجاءهم ما جاء قبلهم، لم تكن هذه حالهم، ولهذا قال: «وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبل». أي: ما منع الناس من الإيمان، والحال أن الهدى الذي يحصل به الفرق بين الهدى والضلال والحق والباطل قد وصل إليهم، وقامت عليهم حجة الله، فلم يمنعهم عدم البيان، بل منعهم الظلم والعدوان عن الإيمان، فلم يبق إلا أن تأتيهم سنة الله وعادته في الأولين: من أنهم إذا لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب، «أو يرون العذاب قد أقبل عليهم ورأوهم مقابلة ومعاينة» أي: فليخافوا من ذلك وليتوبوا من كفرهم قبل أن يكون العذاب الذي لا مرد له. إلا هنا صلى الله وسلم على أبينا محمد، وعلى آله وسلم.