التعليق على تفسير سورة الكهف 8

الدرس في التعليق على تفسير سورة الكهف 8، ألقاها

تفسير الآيات الداعية إلى شكر الله

يفسر العلامة السعدي الآيات التي تحث على شكر الله وعدم الكفر بنعمه، ويبين أن نعمة الإيمان هي النعمة الحقيقية. يشدد على أهمية شكر الله لضمان استمرار النعم.

عاقبة الكفر بنعم الله والاغترار بها

يروي قصة رجل اغتر بنعم الله فدعا عليه صاحبه بالهلاك، ويبين أن الاغترار بالنعم سبب في زوالها. يحذر من التكبر على نعم الله ويظهر أن ذلك يؤدي إلى ذهابها.

أهمية شكر النعم وولاية الله تعالى

يؤكد أن الولاية الحق لله وحده، وأن شكر النعم يضمن بقاءها. يحذر من الاغترار بالدنيا وشهواتها، ويشير إلى أن المال والولد لا ينفعان إلا إذا كانا عونا على طاعة الله.

ولاية الله تعالى وجزاء الأعمال

يظهر أن ولاية الله تتحقق عند حصول الجزاء على الأعمال، وأن التقوى والإيمان بالله هو السبيل لولاية الله وجزاءه الحسن. يكون الجزاء إما في الدنيا أو الآخرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله، بتفسيره لقوله تعالى: ﴿قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا﴾، لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا، ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله، إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا. قال: أي قال له صاحبه المؤمن، ناصحا له ومذكرا له، حاله الأولى التي أوجده الله فيها في الدنيا من تراب، ثم من نطفة، ثم سواك رجلا، فهو الذي أنعم عليك بنعمة الإيجاد والإمداد، وواصل عليك النعم، ونقلك من طور إلى طور حتى سواك رجلا كامل الأعضاء والجوارح المحسوسة والمعقولة. وبذلك يسر لك الأسباب، وهيأ لك ما هيأ من نعم الدنيا، فلم تحصل لك الدنيا بحولك وقوتك، بل بفضل الله تعالى عليك. فكيف يليق بك أن تكفر بالله الذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا، وتجهل نعمته، وتزعم أنه لا يبعثك، وإن بعثك أنه يعطيك خيرا من جنتك؟ هذا مما لا ينبغي ولا يليق. ولهذا لما رأى صاحبه المؤمن حاله واستمراره على كفره وطغيانه، قال مخبرا عن نفسه على وجه الشكر لله والإعلان بدينه عند ورود المجادلات والشبه: «لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا». فأقر بربوبية ربه وانفراده فيها، والتزام طاعته وعبادته، وأنه لا يشرك به أحدا من المخلوقين، أي أنه ليس مثله في هذا الكفر والجحود الذي وقع فيه، وإنكاره للمعاد، وحياء الله جل وعلا للأجساد بعد أن أوجده الله جل وعلا من العدم. والذي خلق الإنسان وأوجده من العدم قادر على إحيائه بعد موته، كما قال جل وعلا: ﴿وهو الذي يبدئ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾. قال: ثم أخبر أن نعمة الله عليه بالإيمان والإسلام، ولو مع قلة ماله وولده، أنها هي النعمة الحقيقية، وأن ما عداها معرض للزوال والعقوبة عليه والنكال. فقال: «إن ترن أنا أقل إلى قوله وخير عقبا»، أي قال للكافر صاحبه المؤمن: أنت وإن فخرت علي بكثرة مالك وولدك، ورأيتني أقل منك مالا وولدا، فإن ما عند الله خير وأبقى، وما يرجى من خيره وإحسانه أفضل من جميع الدنيا التي يتنافس فيها المتنافسون. قال رحمه الله، بتفسير قول الله جل وعلا: ﴿فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماءها غورا فلن تستطيع له طلبا ووحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي قاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هناك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا﴾. قال: «فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك ويرسل عليها»، أي على جنتك التي طغيت بها وغرتك، حسبانا من السماء، أي عذابا بمطر عظيم أو غيره، مما يفسد الزروع والثمار كالمطر أو الرياح أو السيول. قال: «فتصبح بسبب ذلك صعيدا زلقا»، أي قد اقتلعت أشجارها وتلف الثمارها، وغرق زرعها، وزال نفعها، فأصبحت أرضا لا نبات فيها، ولا يصلح فيها الزرع. أو «يصبح ماءها الذي مادتها منه غورا»، أي غائرا في الأرض، غائر بمعنى بعيد المنال، عميقا في الأرض. قال: «فلن تستطيع له طلبا»، أي غائرا لا يستطاع الوصول إليه بالمعاول ولا بغيرها. وإنما دعا على جنته المؤمن غضبا لربه، لكونها غرته وأطغته واطمأن إليها، لعله ينيب ويراجع رشده ويتبصر في أمره. فاستجاب الله دعاءه، وأحيط بثمره، أي أصابه عذاب أحاط به واستهلكه، فلم يبقى منه شيء. والإحاطة بالثمر تستلزم تلف جميع أشجاره وثماره وزرعه. فندم كل الندامة، واشتد لذلك أسفه، فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها، أي على كثرة نفقاته الدنيوية عليها، حيث اضمحلت وتلاشت، فلم يبقى لها عوض. وندم أيضا على شركه وشره، ولهذا قال: «ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا». وهكذا يغتر الإنسان بما أتاه الله سبحانه وتعالى من النعم، فربما كانت النعم عليه وعطاء الله جل وعلا سببا في اغتراره وتكبره وإعراضه، كما قال الله جل وعلا: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾. وهكذا أيضا فيه أن التكبر على نعم الله وجحود نعم الله سبحانه وتعالى والكفر بها، كذلك سبب عظيم في زوال النعم وذهابها. قال: «ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا»، أي لما نزل العذاب بجنته، ذهب عنه ما كان يفتخر به من قوله لصاحبه أنه أكثر منك مالا وأعز نفرا، فلم يدفعوا عنه من العذاب شيئا، أي هؤلاء النفر الذين اعتز بهم من قومه أو عشيرته أو أصحابه، فلم يغنوا عنه شيئا. قال: أشد ما كان إليهم حاجة، وما كان بنفسه منتصرا. وكيف ينتصر أو يكون له انتصار على قضاء الله وقدره، الذي إذا أمضاه وقدره، لو اجتمع أهل السماء والأرض على إزالة شيء منه لم يقدروا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن أهل السماوات والأرض أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم ينفعوك منه بشيء». وهكذا إذا أرادوا أن يضروه بشيء لم يكتبه الله عليه فلن يستطيعوا أن يصلوا إليه بشيء من الضر. قال: ولا يستبعد من رحمة الله ولطفه أن صاحب هذه الجنة التي أحيط بها تحسنت حاله، ورزقه الله الإنابة إليه، وراجع رشده، وذهب تمرده وطغيانه، بدليل أنه أظهر الندم على شركه بربه، وأن الله أذهب عنه ما يطغيه، وعاقبه في الدنيا. وإذا أراد الله بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده سوءا أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة». قال: وفضل الله لا تحيط به الأوهام والعقول، ولا ينكره إلا ظالم جهول. «هناك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا»، أي في تلك الحال التي أجرى الله فيها العقوبة على من آثر الحياة الدنيا، والكرامة لمن آمن وعمل صالحا وشكر الله ودعا غيره لذلك، تبين وتوضح أن الولاية الحق لله وحده، فمن كان مؤمنا به تقيا كان له وليا، فأكرمه بأنواع الكرامات، ودفع عنه الشرور والملمات، كما قال الله جل وعلا: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾. فمن كان لله مؤمنا تقيا فهو ولي من أولياء الله جل وعلا. قال: ومن لم يؤمن بربه ولم يتولاه خسر دينه ودنياه، فثوابه الدين الدنيوي والأخروي خير ثواب يرجى ويؤمل. ففي هذه القصة العظيمة اعتبار بحال الذي أنعم الله عليه نعما دنيوية فألهته عن آخرته وأطغته وعصى الله فيها، أن مآلها الانقطاع والاضمحلال، وأنه وإن تمتع بها قليلا فإنه يحرمها طويلا. وأن العبد ينبغي له إذا أعجبه شيء من ماله أو ولده أن يضيف النعمة إلى موجبها ومسديها، وأن يقول: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله»، ليكون شاكرا، متسببا لبقاء نعمته عليه، لقوله: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾. يعني أن يضيف النعمة إلى المنعم سبحانه وتعالى، فلا يغتر بما أتاه الله سبحانه وتعالى من النعم. فإن شكر النعم باعترافها بالقلب بأن المعطي لها هو الله سبحانه وتعالى، ثم شكر الله جل وعلا على هذه النعمة باللسان، ثم تسخير هذه النعمة في طاعة الله جل وعلا، فهذا سبب عظيم لبقائها واستمرارها والانتفاع بها، بخلاف ما لو جحد نعمة الله ولم يشكر الله عز وجل على نعمه، فإن ذلك سبب لزوالها وذهابها. وهكذا أيضا قوله: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾، كذلك استدل به أهل العلم على أن المرء إذا رأى شيئا يعجبه فإنه كما ثبت في السنة أنه يبرك، وكذلك أيضا كما ثبت في هذه الآية أنه يقول: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله». قال رحمه الله: وفيها الإرشاد إلى التسلي عن لذات الدنيا وشهواتها بما عند الله من الخير، لقوله: «إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء». قال: وفيها أن المال والولد لا ينفعان إن لم يعينا على طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفا إلا من آمن وعمل صالحا﴾، أي فكون الإنسان عنده أموال وعنده أولاد هذا لا يغني عنه شيئا إن لم يكونوا عونا له على طاعة الله سبحانه وتعالى. وإلا فكم من الناس من كانت الأموال سببا في طغيانه وتكبره وبعده عن الله وتركه لطاعة الله، وقوعه في معصية الله. وكذلك أيضا كان الأولاد وبالا عليه وسببا في صده عن طاعة الله جل وعلا. فإذا كانت هذه الأموال والأولاد مما يعينه على طاعة الله سبحانه، فإن ذلك من توفيق الله جل وعلا للعبد. وفيه الدعاء بتلف مال من كان ماله سببا في طغيانه وكفره وخسرانه، خصوصا إن فضل نفسه بسببه على المؤمنين وفخر عليهم. وفيه أن ولاية الله وعدمها إنما تتضح نتيجتها إذا انجلت الغبرة وحق الجزاء، ووجد العاملون أجرهم، «فهناك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا»، أي عاقبة ومآلا، أي تتبين من الذي كان وليا من أولياء الله جل وعلا عند حصول الجزاء على الأعمال، سواء كان في الدنيا أو كذلك في الآخرة. فكل من كان وليا لله سبحانه وتعالى وحقق هذا المعنى بالإيمان بالله وتحقيق التقوى لله جل وعلا، كان له الثواب العظيم، وله العاقبة والمآل الحسن. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على