الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 64، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المؤلف آداب طلب العلم مستفيداً من قول موسى للخضر: «هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً»، مبيناً أن التواضع وإظهار الحاجة إلى علم المعلم وشكره من أسباب نيل العلم، ومحذراً من سوء الأدب الذي ينفر العالم عن تعليم الطالب.
يحذر النص من سوء الأدب مع المعلم ويضرب مثلًا بنبي الله موسى عليه السلام في تواضعه واستئذانه للخضر عند طلب العلم، مبينًا أن من آداب طالب العلم التواضع، الاستئذان، وإشعار المعلم بالحاجة إلى علمه، حتى لو كان المتعلم أفضل من معلمه كما في حال موسى مع الخضر.
يؤكد المقطع على أدب التواضع في طلب العلم، حيث ينبغي للفاضل أن يسمع من المفضول ويتعلم منه، فقد يتقن الطالب مسألة لا يحيط بها العالم، مستشهداً بقصة موسى والخضر لبيان جواز تعلم الأعلى من الأدنى، وأن العلم يؤخذ عمن فوقك ومثلك ودونك.
موسى من أولي العزم من الرسل وآتاه الله علماً عظيماً، إلا أن الخضر كان يمتلك علماً خاصاً لم يكن عند موسى، فاشتد حرص موسى على التعلم منه، وهذا يشبه حال العالم الفاضل الذي يتعلم مسألة لا يحسنها ممن هو دونه في المرتبة العامة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فلا يزال المؤلف، شيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله، في كتابه «قصص الأنبياء» يستنبط لنا الفوائد والمسائل والأحكام من قصة نبي الله موسى مع الخضر. قال: ومنها التأدب مع المعلم، والتلطف في خطابه، لقوله موسى: «هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا»، فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، وأنك هل تأذن لي أم لا، وإظهار حاجته إلى المعلم، وأنه يتعلم منه ومشتاق إلى ما عنده، بخلاف حال أهل الكبر والجفاء الذين لا يظهرون حاجتهم إلى علم المعلم. فلا أنفع للمتعلم من إظهار الحاجة إلى علم المعلم وشكره على تعليمه. ما أحوجنا يا طلاب العلم إلى الأدب! فإن الأدب مع المعلم سبب لإخراج المعلم علمه للمتعلم، وكذلك سبب لمواصلة المتعلم طلب العلم على هذا المعلم. فلربما بسبب سوء أدب المتعلم يشمئز العالم أو المعلم من هذا الطالب، فلا ينشر علمه ولا يعطيه علمه لسوء أدب هذا الطالب. وقد وقع لبعض المحدثين أنه بسبب معارضته أو قلة أدبه مع شيخه حُرِم علم هذا الشيخ. فالحذر الحذر من سوء الأدب مع المعلم، ومن كذلك عدم التلطف والتأدب مع المعلم. فانظر إلى نبي الله موسى عليه السلام، فما أراد أن يأخذ العلم عن الخضر، قال: «هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا». انظر إلى هذا الأسلوب الطيب الجميل الذي فيه معنى التواضع، التواضع للمعلم، تريد تتعلم عنده، تستأذنه، تريد أن يفتح لك درسًا، كذلك تحاول أن تشعره أنك محتاج لهذا العلم، وأنك كذلك في أمس الحاجة إلى علم هذا المعلم. وإذا أردت أن تغيب عن درسه تستأذن منه، هذا كله من الآداب التي لربما غابت و زالت في مجالس طلاب العلم وفي سير طلاب العلم. قال: ومنها تواضع الفاضل للتعلم ممن هو دونه، فإن موسى بلا ريب أفضل من الخضر، وهذا من عدة وجوه: الوجه الأول: أن موسى مجمع على نبوته ورسالته، وأما الخضر فكما تقدم مختلف في ذلك. هذا وجه. الوجه الآخر: حتى لو قلنا إن الخضر نبيًا، فإن موسى من أولي العزم من الرسل، كما هو قول كثير من أهل العلم، وأما الخضر فهو دون ذلك، ولو كان نبيًا. فمن الأدب أيضًا الذي ينبغي أن يتحلى به طالب العلم أن يتواضع لمن هو دونه، فيسمع الفاضل من المفضول، ويتعلم الفاضل من المفضول، لا حرج في ذلك، فلعل علمًا لا يكون لديك، ما عندك هذا العلم، ولكنه عند هذا الطالب الذي هو دونك. فلا ينبل الرجل كما قال السلف حتى يأخذ العلم ممن هو فوقه، وممن هو مثله، وممن هو دونه. وفوق كل ذي علم عليم. فلرب مسألة يتقنها الطالب ولا يحيط بها علمًا ذاك الفاضل الذي هو أكثر منه علمًا. ورب مبلغ أوعى من سامع. فهذا من التواضع وما يدعو إليه العلم. قال: ومنها تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه ممن مهر فيه. لم يتمهر يعني لم يتقنه ولم يعلمه، وإن كان دونه في العلم درجات. فإن موسى من أكابر أولي العزم من الرسل الذين منحهم الله وأعطاهم من العلوم ما لم يعطي سواهم، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر ما ليس عنده، أي ما ليس عند موسى عليه السلام. فلهذا اشتد حرصه على التعلم منه. وهذا شبيه المسائل التي قبله: تعلم العالم الفاضل للعلم ممن هو دونه. فمسألة لا تحسنها