التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 9

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 9

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

طريقة القرآن في تقرير التوحيد ونفي ضده

يشرح المقطع القاعدة السادسة للشيخ السعدي بأن القرآن كله تقريباً مخصص لإثبات توحيد الألوهية ونفي الشرك بأساليب متنوعة. أبرز هذه الأساليب قصص الأنبياء المتكررة والآيات العامة الداعية لعبادة الله وحده واجتناب الطاغوت.

تدبر آيات الغاية من الخلق ودلالتها على توحيد الألوهية

يؤكد المقطع أن استشعار معاني القرآن من أعظم العبادة، موضحاً أن آيات نفي الخلق عبثاً تُقرر توحيد الألوهية وتثبت غاية وجود الجن والإنس. كما يستعرض إجماع الكتب والرسل والفطر السليمة على هذا الأصل، محذراً من أن الشرك يحبط العمل ويبطله.

استدلال توحيد الربوبية على توحيد الألوهية في القرآن الكريم

يستعرض المقطع آيات قرآنية متعددة تثبت أن الله وحده الخالق الرازق المدبر، فيستحق العبادة دون سواه. يبين أن توحيد الربوبية دليل قاطع على توحيد الألوهية كما ورد في قصص إبراهيم وآيات سور النحل والعنكبوت والأحقاف والحج.

خاتمة درس تقرير الألوهية واستكمال في درس قادم

يختم المتحدث الدرس بالتنبيه على أهمية تدبر آيات تقرير الألوهية في القرآن واستشعار معانيها عند القراءة. يعلن انتهاء الوقت على أن يُكمل ما تبقى في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وعلى آله وصحبه، وعلى آله وصحبه، وعلى آله. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد الحسان في تفسير القرآن": القاعدة السادسة: في طريقة القرآن في تقرير التوحيد ونفي ضده. ومعنى هذه القاعدة: أن القرآن مليء بإثبات التوحيد، توحيد الألوهية لله عز وجل، بأساليب مختلفة، بأساليب مختلفة. فإذا فهم الطالب هذه الأساليب عند قراءته لهذه الآيات، يستشعر هذا المعنى، وأن الله هو الإله الحق، وأنه المعبود الذي يعبد وحده دون غيره. هناك أساليب عدة سيبين بعضها المؤلف، وتفتح للطالب آفاقًا من التدبر في تقرير توحيد الربوبية ونفي ضده، وهو الشرك بالله سبحانه وتعالى. هذا معنى القاعدة. قال: "يكاد القرآن أن يكون كله لتقرير التوحيد ونفي ضده". سبحان الله! هل استشعرنا هذا لما نقرأ القرآن؟ هل نتدبر هذا، وأن هذه الآية التي قرأناها فيها تقرير التوحيد؟ قال: "القرآن يكاد أن يكون كله تقرير التوحيد". من أي ناحية هذا؟ انظر الآن ماذا يقول. قال: "وأكثر الآيات يقرر الله فيها توحيد الألوهية وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ويخبر أن جميع الرسل إنما أرسلت تدعو قومها إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا". هذا نوع من أنواع تقرير القرآن للتوحيد، تجده في آيات عدة. في كل قصة من قصص الأنبياء تستشعر هذا المعنى. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم، في مثلا قصة نوح: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنِ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴾ [نوح: 1-3]. انظر دعوته إلى عبادة الله. وثمود كذلك: ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ [الأعراف: 73]. كم من نبي يقول لقومه: "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره"؟ تقرير التوحيد ونفي ضده. هذا من أعظم أساليب تقرير التوحيد في القرآن: أن جميع الرسل كانت تدعو أقوامهم إلى التوحيد، إلى التوحيد. بل جاءت آيات عامة في ذلك، قال الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]. بعثهم بماذا؟ أن يعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. تقرير التوحيد، صح؟ قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]. تقرير التوحيد. انظر كل قصة من قصص الأنبياء، تجد أن هذا النبي يدعو قومه إلى التوحيد، فيه تقرير التوحيد. فهذا أسلوب من أساليب ماذا؟ تقرير التوحيد. كم في القرآن من قصة للأنبياء؟ كثير، قصص. فهل عندما نقرأ القرآن نستشعر هذا؟ ينبغي للمتدبر للقرآن أن يستشعر هذه المعاني، لأن استشعار هذا المعنى من أعظم العبادة لله عز وجل، من أعظم العبادة لله عز وجل، لأنه يتعلق بحق عظيم من حقوق الله سبحانه وتعالى، وهو أن يعبد وحده عز وجل. هذا أسلوب. وقال: "وأن الله تعالى إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه". هذا نوع آخر من أنواع تقرير التوحيد، وهو أن الله عز وجل ما خلق هذا الخلق عبثًا ولا سدًا، وإنما خلقهم لهذا الأمر العظيم. دليل ذلك قوله عز وجل: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]. فهذا فيه تقرير التوحيد، لأن معنى "ليعبدون" ليوحدون، كما مر معنا. وكل آية فيها نفي خلق الله عز وجل عن العبث واللعب، ففيه تقرير توحيد الألوهية. كقول الله عز وجل مثلا: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ [ص: 27]. هذا فيه إثبات التوحيد، لأن الكفار يظنون أنهم خلقوا عبثًا وسدًا، ما خلقوا من أجل عبادة الله، فهذا فيه تقرير التوحيد. قال الله عز وجل: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: 115]. هذا فيه تقرير التوحيد، لماذا؟ لأن الله ما خلقنا سدًا، أي لا نؤمر ولا ننهى، وعظم أمر هو ماذا؟ التوحيد. إذن فيه تقرير التوحيد. انظروا كيف يستنبط القارئ من القرآن هذا التدبر، وينفتح أمامه باب عظيم من أبواب التدبر. قول الله عز وجل: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ [الحجر: 85]. "بالحق" أي بالتوحيد، من أجل أن يوحد الخلق ربهم، ما خلقها باطلًا. كذلك في آخر سورة آل عمران، قول المؤمنين: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 191]. هذا فيه تقرير التوحيد. كم آيات لو مررت عليها، لو وجدت فيها هذا المعنى، وهو أن الله تعالى إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه، ما خلقهم عبثًا ولا سدًا، وإنما خلقهم لهذه الحكمة العظيمة. وقال: "وأن الكتب والرسل، بل الفطر والعقول السليمة، كلها اتفقت على هذا الأصل الذي هو أصل الأصول، الذي هو أصل الأصول كلها، وأن من لم يدن بهذا الدين الذي هو إخلاص العبادة والقلب والعمل لله وحده فعمله باطل". بمعنى أن جميع الكتب والرسل، بل والفطر والعقول السليمة، اتفقت على هذا. على أيش اتفقت؟ على أن هذا الإنسان ما خلق عبثًا ولا سدًا، وإنما خلق لعبادة الله. فإذا أشرك، فلا ينفعه أي عمل، فلا ينفعه أي عمل. لذلك قال هنا: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [الزمر: 65]. هذا فيه تقرير التوحيد ونفي ضده. فمن وحد الله قبل عمله، ومن لم يوحد الله رد عمله. هذا فيه تقرير التوحيد. وكذلك الآية الأخرى: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 88]. هذه الآية جاءت في سورة الأنعام، بعد ما ذكر الله عز وجل جملة كثيرة من الأنبياء: نوح، وموسى، وعيسى، وكثير من الأنبياء، ثم قال: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. ما كانوا يعملون، فهذا فيه هذا المعنى: إثبات التوحيد ونفي ضده، وهو الشرك بالله سبحانه وتعالى. هذا أيضًا وجه من أوجه تقرير التوحيد. وقال: "ويدع العباد إلى ما تقرر في فطرهم وعقولهم من أن الله المنفرد بالخلق والتدبير، والمنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة، هو الذي يستحق العبادة وحده، لا ينبغي أن يكون شيء منها لغيره، وأن سائر الخلق ليس عندهم أي قدرة على خلق، ولا نفع، ولا دفع، ولا دفع ضر، عن أنفسهم، فضلًا أن يغنوا عن أحد غيرهم من الله شيئًا". وهذا ما يسميه العلماء: تقرير توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية. طيب، فهذا آيات كثيرة في القرآن الكريم، مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ﴾ [النحل: 17]. الخلق، هذا ليس من توحيد الألوهية إنما هو من توحيد ماذا؟ الربوبية. لكن من يخلق هو الأحق بالعبادة، أما من لا يخلق فكيف لا يخلق ولا يقدر ولا يرزق، ثم بعد ذلك يعبد؟ فكل ما جاء في ذكر الخلق، أو النفع، أو الضر، أو التدبير، ففيه تقرير لتوحيد الألوهية. قال إبراهيم لأبيه: ﴿ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا ﴾ [مريم: 42]. إذن الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عن أحد شيئًا، هل يعبد؟ لا يعبد. وقال إبراهيم: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 16-17]. انظر: الذي لا يرزق، هل يعبد؟ إذا نادى باستدلال توحيد الربوبية بتوحيد الألوهية. كذلك في سورة الأحقاف، قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [الأحقاف: 4]. "إيتوني بكتاب من قبل هذا"، يعني: الذي ما يخلق، ولم يشارك في خلق شيء، هل يستحق العبادة؟ وإنما الذي يقدر على ذلك هو الذي يستحق العبادة. هذا فيه تقرير توحيد. أيضًا قول الله: ﴿ قُلْ إِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء: 88]. الآية الأخرى كذلك في آخر سورة الجن. ولو يسلبهم الذباب شيئًا، سورة الحج: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ [الحج: 73]. طيب، الذي ما يستطيع يخلق ذبابًا، هذا أصغر وأحقر، يعني حشرة، يعبد من دون الله؟ إذن هذا فيه تقرير الألوهية. لو تدبرت القرآن بهذا الوجه من أوجه التقرير، يعني إثبات الألوهية، لو تدبرت آيات كثيرة جدًا، ينبغي عليك عند القراءة أن تستشعر هذه المعاني. أضع هذا الآن، وذكر أيضًا غير ذلك، لكن انتهى الوقت بإصابة الدورة، فنكمل إن شاء الله ما بقي في درس قادم. إلى هنا، وراضح. شكرًا للمشاهدة، شكرًا للمشاهدة.