التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 10

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 10

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

إثبات توحيد الألوهية بامتداح الله لنفسه وتفرده بالتشريع

يقرر القرآن توحيد الألوهية من خلال آيات تمدح الله وتثبت كمال صفاته، مما يستلزم استحقاقه للعبادة وحدها. كما يؤكد تفرد الله بالتشريع للعبادات والمعاملات والحكم بالجزاء، وهو دليل قاطع على ألوهيته المطلقة.

محاسن التوحيد ومساوئ الشرك كما قررها القرآن

يستعرض المقطع محاسن التوحيد كونه الدين الفطري والعقلي والشرعي الواجب، مقابل قبح الشرك وعاقبته المؤدية للنار والخذلان. ويبين جزاء التوحيد الحسن في الدور الثلاث: الدنيا، البرزخ، والآخرة.

ثمار التوحيد وعواقب الشرك في الدنيا والآخرة

تذكر الآيات ثمرات التوحيد في الاستخلاف والأمن، وتقص قصص الأنبياء دالة على نجاة الموحدين وهلاك المشركين. ويؤكد المقطع أن كل خير من ثمرات التوحيد وكل شر من ثمرات الشرك، والبركات تنزل بقدر كمال التوحيد.

أثر الإعراض عن ذكر الله وعاقبة المعيشة الضنك

يحذر القرآن من الإعراض عن ذكر الله مبيناً أن عاقبته معيشة ضنك في الدنيا. ويختم بالتأكيد على أن أفضل الذكر هو تحقيق التوحيد، والعلم كله لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى، وهو يذكر في طريقة القرآن في تقرير التوحيد ونفي ضده: يعني هناك أساليب عدة في القرآن، متى ما تدبرها القارئ، يعني استخرج منها تقرير توحيد الألوهية لله سبحانه وتعالى. قال هنا: "ويدعوهم أيضا" - وصلنا هنا، صح - "ويدعوهم أيضا إلى هذا الأصل"، يعني من طرق إثبات تقرير الألوهية، ويدعوهم أيضا إلى هذا الأصل بما يمتدح به ويثني على نفسه الكريمة من تفرده بصفات العظمة والمجد. فمثلاً: آية الكرسي كلها توحيد: ﴿اللهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، هذا مدح لنفسه، فهذا يستلزم منه أن يكون الإله الحق. فمن كملت صفاته وأسماءه فهو المستحق للعبادة، واضح؟ فكل آية فيها امتداح الله عز وجل لنفسه وثناؤه على نفسه الكريمة، ففيها دلالة على هذا الأصل العظيم، وهو توحيد الألوهية. هذا معنى قوله: "ويدعوهم أيضا إلى هذا الأصل بما يمتدح به ويثني على نفسه الكريمة من تفرده بصفات العظمة والمجد والجلال والكمال". يعني كقول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾، هذا فيه إقرار توحيد الله سبحانه وتعالى. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فيه إثبات الألوهية لله عز وجل. كم آيات في القرآن أثنى الله عز وجل فيها على نفسه وامتدح نفسه، وأنه المتفرد بصفات العظمة والمجد! ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، هذا أيضا فيه إثبات الألوهية لله سبحانه وتعالى. وقس على هذا، سبحان الله! إذن القرآن كله توحيد، كما ذكر، كله توحيد. نعم. قال: "وأن من له هذا الكمال المطلق الذي لا يشارك فيه مشارك، أحق من أخلصت له القلوب والأعمال الظاهرة والباطنة". فالذي اتصف بهذه الصفات العظيمة الجليلة فهو أحق بالعبادة. وإذا قيل لهم: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾، لأنهم لماذا ما سجدوا؟ لأنهم لم يؤمنوا بالرحمن. فالذي يؤمن بالرحمن يعبده، لأن الرحمن هو الذي يرحمه، هو الذي يرزقه، هو الذي يهديه، هو الذي يعطيه، هو الذي يحفظه. فهو بهذا يقرر المسلم توحيد ماذا؟ الألوهية لله سبحانه وتعالى. قال: "ويقرر هذا التوحيد بأنه هو الحاكم وحده، فلا يحكم غيره شرعاً ولا جزاء". المراد بشرعاً: يعني ما يشرعه من أنواع العبادات، وكذلك من أنواع العبادات والمعاملات وغير ذلك مما ألزم الله عز وجل به عباده، هذا شرع. يصلون في اليوم والليلة خمس صلوات، هذا شرع. من الذي حكم بهذا؟ الله عز وجل. فأما قوله: "ولا جزاء"، المراد بالجزاء: يعني العقوبات. مثلاً: حد الزنا، إن كان عازباً فيجلد مئة جلدة، وإن كان يعني متزوجاً ثيباً يرجم. السارق تقطع يده. هذه أحكام جزائية، أحكام ماذا؟ جزائية. فالذي يحكم بين عباده شرعاً وجزاءً، أليس هو المستحق للعبادة؟ فكل آية جاء فيها أن الحكم لله، فهي تدل على تقرير توحيد الألوهية، لأن الذي يحكم بين عباده هو الذي يعبد، كما أن الذي يرزق هو الذي يعبد، والذي يخلق هو الذي يعبد، كذلك الذي يحكم هو الذي يعبد. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، كل هذه الآيات فيها تقرير ماذا؟ الألوهية لله عز وجل. انظروا كيف يقرر هذا الأصل العظيم في كتاب الله. قال: "وتارة يقرر هذا بذكر محاسن التوحيد، وأنه الدين الوحيد الواجب شرعاً وعقلاً وفطرة". كما قال الله عز وجل: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: طيب. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَنِ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا﴾. قلنا: العبادة بمعنى التوحيد. طيب، فمن جزاء التوحيد ماذا؟ من جزاء التوحيد أن العبد يمتع في هذه الدنيا ويرزق، وكذلك يحفظ، ونحو ذلك. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فتوحيد الله عز وجل من ثمراته تحقيق التقوى. هذا كله يعني ماذا؟ محاسن لتوحيد الله سبحانه وتعالى، محاسن لتوحيد الله سبحانه وتعالى، وأنه الدين الوحيد الواجب شرعاً وعقلاً وفطرة، كما مر في الآية: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. إذن هذا أيضا يدل على أن هذا الدين مما أمر الله عز وجل به شرعاً وعقلاً وفطرة على جميع العبيد. "ويذكر مساوئ الشرك، ويذكر مساوئ الشرك وقبحه، واختلال عقول أصحاب..."، بعد: "اختلال أديانهم، وتقليب أفئدتهم، وكونهم أضل من الأنعام سبيلا". وهذا تجده كثيراً في القرآن. من أمثلة ذلك: قال الله عز وجل: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. انظر هذا وصف بشع لحال المشرك. ومن ذلك: قال الله عز وجل: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾. كم من آيات فيها ذم الشرك! قول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. هذا فيه أعظم مساوئ للشرك، وهو أن صاحبه من أهل النار. فكم ذكر الله عز وجل من مخازي ومن مساوئ وقبيح الشرك، ومن قبيح الشرك! فكل آية جاء فيها ذكر مساوئ الشرك فهي دعوة إلى التوحيد، فهي دعوة إلى التوحيد لأنه حذر من ضده. قال: "وطارة يدعو إليه بذكر ما رتب عليه من الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة، والحياة الطيبة في الدور الثلاث". المراد بالدور الثلاث: الحياة الدنيا، وحياة البرزخ، والحياة الآخرة، الدار الآخرة، فهي ثلاث دور. فمن حقق التوحيد رتب على توحيده ذلك الجزاء الحسن. دليل ذلك كثير في القرآن: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، هذا في الدنيا، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. والإيمان منه الإيمان بألوهية الله عز وجل. فكل آية فيها ذكر محاسن الإيمان والتوحيد والعبادة، فهو من ذكر جزاء الحسن في الدنيا وفي الآخرة. من أمثل ذلك أيضا: قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. أي: يوحدونني، لا يشركون بشيء. فالتوحيد من جزائه الحسن في الدنيا في الأرض، وكذلك الرزق الطيب الحسن. وهكذا كم من آيات فيها ذكر محاسن التوحيد وجزاء الموحدين. قصص الأنبياء: قصص الأنبياء فيها دعوة إلى التوحيد، لأن الله عز وجل بيّن جزاء الموحدين وجزاء المشركين. فالموحدون نجاهم الله: قوم نوح، من الذين نجوا من الغرق، من الذين نجوا من الغرق، أليسوا أهل التوحيد؟ هذا في جزاء التوحيد أنه نجاهم من الفتن ومن الضلالات ومن الهلاك. وكذلك قوم عاد، قوم... يعني صالح، قوم... من الذي نجاهم الله عز وجل؟ نجا الله عز وجل أهل التوحيد. ومن الذين أهلكوا وعذبوا؟ عندك يا نائم، انتبه! من الذين يعني أهلكوا وعذبوا: أهل الشرك، الذين يعني لم يأتوا بالتوحيد. فقصص القرآن كله يدعو للتوحيد، لأن الله عز وجل ينجي أهل التوحيد ويهلك أهل الشرك، يهلك أهل الشرك. فإذن: كل ما رتب عليه من الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة، والحياة الطيبة في الدور الثلاث، وما رتب على ضده من العقوبات العاجلة والآجلة... يعني عقوبة الشرك: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، هذه عقوبة ماذا؟ عقوبة الشرك. كذلك قصص الأنبياء: الكفار المشركون إنما أهلكوا بسبب شركهم، طيب، وعدم تحقيقهم للتوحيد. فأيضا هذا فيه تفكر في إثباتي وتقريري هذا الأصل العظيم، وهو توحيد الألوهية. قال: "وكيف كانت عواقب المشركين؟ أسهل عواقب وشرها". ولذلك جاء عن شيخ الإسلام ابن القيم أنه ذكر أن القرآن كله توحيد، كله توحيد. ولذلك سورة الإخلاص لماذا تعدل ثلث القرآن؟ لأنها توحيد، كلها توحيد. والقرآن إما توحيد، وإما تشريع، وإما إخبار... طيب، وإما إخبار. فسورة الإخلاص اشتملت على التوحيد، لا فيها إلا توحيد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. ولذلك أعظم سورة في القرآن ما هي؟ سورة الفاتحة، لأنها توحيد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. أعظم آية في القرآن: آية الكرسي، لأنه كلها توحيد: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. ففي الحقيقة القرآن مليء بتلك الأساليب وتلك كذلك الطرق التي بها يستطيع المتدبر للقرآن أن يقرر هذا الأصل العظيم، وهو ماذا؟ توحيد الله عز وجل في ألوهيته. قال: "وبالجملة: فكل خير عاجل وآجل فإنه من ثمرات التوحيد، وكل شر عاجل وآجل فإنه من ثمرات الشرك". وصدق رحمه الله، صدق رحمه الله. كل خير يناله العبد إنما بتوحيده. كلما كمل توحيد العبد كان ذلك أعظم في نزول الخيرات والبركات عليه. وكلما ضعف من توحيده نال من الخير بحسب توحيده، بحسب توحيده. وأما من انتفى عنه التوحيد فهذا لا ينال شيئاً من الخير، بل يكون في عناء وشقاء. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾. وأعظم ذكر الله عز وجل: تحقيق التوحيد له سبحانه وتعالى. واحدة... وبهذا ننتهي من هذه القاعدة، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر