الدرس في التعليق على تفسير سورة الكهف 1، ألقاها
يبدأ الشيخ دروسه بقراءة تفسير سورة الكهف ويذكر فضائلها وعصمة من قرأها من فتنة الدجال، ثم يفسر الآيات الأولى ويشرح معنى الحمد لله وإنزال الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم. يبين أهمية القرآن في الهداية والإرشاد.
يتناول المقطع صفات القرآن الكريم مثل استقامته وصدقه وعدله، ويبين دلالات هذه الصفات على العقيدة والعمل. يشرح معاني وصف القرآن بأنه مثاني ويحتوي على الأجر الحسن.
يتناول المقطع تحذير الله للنبي من الأسف على المكذبين، ويبين أن هداية التوفيق بيد الله وحده. يشرح دور النبي في التبليغ والإنذار دون تحمل هم عدم استجابة الناس.
يُبين أن دور الرسول هو البلاغ المبين وأن الهداية بيد الله وحده، فمن يشأ الله هدايته يهتدي ومن لم يشأ يبقى على ضلاله. يُنهي بالتأكيد على هذا المفهوم ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنبدأ إن شاء الله من هذا اليوم أول درس من دروسي هذه الدورة المباركة. وكما سمعتم أن المقرر بعد صلاة الفجر قراءة تفسير سورة الكهف من تفسير العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله. وكان الاختيار لهذه السورة أولًا لتوسطها وعدم طولها، فيكون قراءتها مناسبًا مع الفترة المحددة بهذه الدورة، وكذلك أيضًا لما لهذه السورة من الفضائل. ومن هذه الفضائل ما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث البراء رضي الله تعالى عنه، أن رجلًا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قرأ سورة الكهف، فأُرى السحابة قد أظلته. فلما أصبح أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: «اقرأ، تلك السكينة تنزلت للقرآن». ومنها أيضًا ما جاء في صحيح الإمام مسلم وغيره من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال»، أي من فتنته. وجاء في رواية: «عشر آيات من آخر سورة الكهف عصم من الدجال». وبكل الروايتين يكون حفظ عشر آيات من أولها أو آخرها عصمة من الدجال. ومنها أيضًا ما جاء عند الحاكم والبيهقي، وحسنه الإمام الألباني رحمه الله، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين»، أو ما بينهما. فقراءة سورة الكهف في يوم الجمعة مستحب، وينال به العبد هذا الأجر العظيم. فلذلك يحرص المسلم على قراءتها في يوم الجمعة. قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير سورة الكهف: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا﴾. قال رحمه الله: الحمد هو الثناء عليه بصفاته التي هي كلها صفات كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة الدينية والدنيوية. الحمد هو الثناء عليه بصفاته وبنعمه. وأشار رحمه الله بهذا إلى أن الله عز وجل يحمد لأمرين: الأمر الأول لكماله سبحانه وتعالى، فهو الكامل جل وعلا في صفاته وأفعاله، فله الحمد جل وعلا كله. والأمر الثاني أنه جل وعلا يحمد لعظيم فضله وإنعامه، بما أنعم على العباد بنعم لا تعد ولا تحصى، نعم ظاهرة ونعم باطنة ونعم دينية ونعم دنيوية، فالحمد كله لله جل وعلا. وألف الحمد للإستغراق، أي كل الحمد لله. والحمد كما قال رحمه الله والثناء عليه مع المحبة والتعظيم يزاد مع المحبة والتعظيم. وأولى في لفظ الجلال لله للاستحقاق، أي أن الله عز وجل هو المستحق للحمد سبحانه وتعالى. قال: وأجل نعمه على الإطلاق إنزاله الكتاب العظيم على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. فحمد نفسه، وفي ضمنه إرشاد العباد ليحمدوه على إرسال الرسول إليهم وإنزال الكتاب عليهم، وهذا من أعظم النعم الدينية التي من الله عز وجل بها على العباد، بعثة النبي عليه الصلاة والسلام الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور. قال: ثم وصف هذا الكتاب بوصفين مجتمِعين على أنه الكامل من جميع الوجوه، وهما نفي العوج عنه وإثبات أنه مقيم مستقيم. فنفي العوج يقتضي أنه ليس في أخباره كذب، ولا في أوامره ونواهيه ظلم ولا عبث. وإثبات الاستقامة يقتضي أنه لا يخبر ولا يأمر إلا بأجل الإخبارات، وهي الأخبار التي تملأ القلوب معرفة وإيمانًا وعقلًا، كالإخبار بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومنها الغيوب المتقدمة والمتأخرة. وأن أوامره ونواهيه تزكي النفوس وتطهرها وتنميها وتكملها، لاجتمالها على كمال العدل والقسط والإخلاص والعبودية لله رب العالمين وحده لا شريك له. فكل هذه من معاني استقامة هذا الكتاب العظيم وعدم اعوجاجه، فهو صادق في أخباره، عدل في أحكامه. والله عز وجل يقول: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا صدقا في الأخبار وعدلا في الأحكام﴾. قال: وحقيق بكتاب مصوف بما ذكر أن يحمد الله نفسه على إنزاله، وأن يتمدح إلى عباده به. قال: قوله ﴿لينذر بأسا شديدا من لدن﴾ أي لينذر بهذا القرآن الكريم عقابه الذي عنده. وهذا معنى قوله ﴿بأسا شديدا من لدن﴾ البأس الشديد أي العقاب، سواء كان عقابًا عاجلًا في الدنيا أو كان آجلًا في الآخرة، من لدن أي من عنده سبحانه وتعالى. قال: أي قدره وقضاءه على من خالف أمره، وهذا يشمل عقاب الدنيا وعقاب الآخرة. وهذا أيضًا من نعمه أن خوف عباده وأنذرهم ما يضرهم ويهلكهم، كما قال تعالى لما ذكر في هذا القرآن وصف النار: ﴿ذلك يخوف الله به عباده يا عبادي فاتقون﴾. فمن رحمته بعباده أن قيض العقوبات الغليظة على من خالف أمره، وبين لهم الأسباب الموصلة إليها. ﴿ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا﴾ أي وأنزل الله على عبده الكتاب ليبشر المؤمنين به وبرسله وكتبه، الذين كمل إيمانهم فأوجب لهم عمل الصالحات. وهذا من ثمار الإيمان أن يوصل العبد إلى القيام بفعل الطاعات والتقرب إلى الله جل وعلا بأنواع الأعمال الصالحات. قال: وهي الأعمال الصالحة من واجب ومستحب التي جمعت الإخلاص والمتابعة، أن لهم أجرًا حسنا، وهو الثواب الذي رتبه الله على الإيمان والعمل الصالح. وأعظمه وأجله الفوز برضى الله ودخول الجنة التي فيها ما لا عين رات ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وهذا من معاني وصف القرآن العظيم بأنه مثاني، فيذكر الله عز وجل أهل النار ثم يذكر أهل الجنة، يذكر شيئًا من صفات أهل الكفر ثم يذكر شيئًا من صفات أهل الإيمان، وهكذا تجد ذلك في كتاب الله جل وعلا. قال: وفي وصفه بالحسن دلالة على أنه لا مكدر فيه ولا منغص بوجه من الوجوه، يعني أن هذا الأجر أجرًا حسنا، فيدل على كمال الحسن الذي ليس فيه شيء من معاني السوء والشر. قال: وإذ لو وجد فيه شيء من ذلك لم يكن حسنه تامًا. ومع ذلك فهذا الأجر الحسن ﴿ماكثين فيه أبدا﴾ لا يزول عنهم ولا يزولون عنه، كما قال الله عز وجل: ﴿لا يبغون عنه حولا﴾ أي تحولًا وتغيرًا. قال: ولا يزولون عنه، بل نعيمهم في كل وقت متزايد. وفي ذكر التبشير بما يقضي ذكر الأعمال الموجبة للمبشر به، وهو أن هذا القرآن قد اجتمع على كل عمل صالح موصل لما تستبشر به النفوس وتفرح به الأرواح. ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا﴾ من اليهود والنصارى والمشركين الذين قالوا هذه المقالة الشنيعة، فاليهود زعموا أن عزير ابن الله، والنصارى زعموا أن المسيح عيسى ابن الله، والمشركون زعموا أن الملائكة بنات الله، تعالى الله عز وجل عما يقولون علوًا كبيرًا. قال: فإنهم لم يقولوها عن علم ولا يقين، لا علم لهم ولا علم من آبائهم الذين قلدوهم واتبعوهم، بل إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس. ﴿ما لهم به من علم ولا لآبائهم﴾ يعني لأسلافهم الذين مضوا، وإنما قالوا ذلك كذبًا وافتراءً وبهتانًا. قال: ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾ أي عظمت شناعتها واشتدت عقوبتها. وأي شناعة أعظم من وصفه بالاتخاذ للولد الذي يقتضي نقصه ومشاركة غيره له في خصائص الربوبية والإلهية؟ والكذب عليه، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا؟ ولهذا قال تعالى: ﴿إن يقولون إلا كذبا﴾ أي كذبًا محضًا ما فيه من الصدق شيء. وتأمل كيف أبطل هذا القول بالتدريج والانتقال من شيء إلى أبطل منه، فأخبر أولًا أنه ﴿ما لهم به من علم ولا لآبائهم﴾ أي ليس لهم مستند في هذا القول الباطل، والقول على الله بلا علم لا شك في منعه وبطلانه، بل هو من كبائر الذنوب أن تقول على الله ما لا تعلمون. ثم أخبر ثانيًا أنه قول قبيح شنيع، فقال: ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾. ثم ذكر ثالثًا مرتبته من القبح، وهو الكذب المنافي للصدق. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على هداية الخلق، ساعيًا في ذلك أعظم السعي، فكان صلى الله عليه وسلم يفرح ويسر بهداية المهتدين، ويحزن ويأسف على المكذبين الضالين، شفقة منه صلى الله عليه وسلم عليهم ورحمة بهم، أرشده الله ألا يشغل نفسه بالأسف على هؤلاء الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال في الأخرى: ﴿لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين﴾. وقال: ﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾. وهنا قال: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا﴾. قال: وذلك أن أجرك قد وجب على الله، وهؤلاء لو علم الله فيهم خيرًا لهداهم، ولكنه علم أنهم لا يصلحون إلا للنار، فلذلك خذلهم فلم يهتدوا، أي خذلهم الله عز وجل قدرًا. والله جل وعلا يعلم من يصلح للهداية ومن لا يصلح لها، كما قال الله جل وعلا: ﴿من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾. وقال جل وعلا: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ وغيرها من الآيات الدالة على أن الهداية بيد الله جل وعلا، يؤتيها جل وعلا من يشاء. فعلم الله عز وجل من حال هؤلاء أنهم لا يقبلون الهداية ولا يقبلون الإيمان، فقضى عليهم جل وعلا بالكفر والضلال. قال: فإشغالك نفسك غمًا وأسفًا عليهم ليس فيه فائدة لك. وفي هذه الآية ونحوها عبرة، فإن المأمور بالدعاء إلى الله عليه التبليغ والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية، وسد طرق الضلال والغواية، بغاية ما يمكنه مع التوكل على الله في ذلك. فإن اهتدوا فبها ونعمة، وإلا فلا يحزن ولا يأسف، فإن ذلك مضعف للنفس، هادم للقوى، ليس فيه فائدة، أي أن يتعب نفسه ويهلك نفسه ويتحمل بحال المعرضين وعدم القابلين للهدى، فهو يؤدي الذي عليه من التبليغ والإنذار والبشارة. فمن اهتدى فبحمد الله جل وعلا وفضله، ومن أبى فهو قد قضى الله عز وجل عليه بالضلال بعدله. قال: بل يمضي على فعله الذي كلف به وتوجه إليه، وما عدا ذلك فهو خارج عن قدرته. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله له: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾، وموسى عليه السلام يقول: ﴿ربي إني لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ الآية، فمن عداهم من باب أولى وأحرى. يعني إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يهدي أو يستطيع أن يهدي أحدًا، والله عز وجل يخبره بأنه لا يملك الهداية، أي هداية التوفيق التي توصل إلى مرضاة الله جل وعلا والفوز بنعيمه والنجاة من عقابه، فهذه لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأفضل الأنبياء والرسل لا يملك هذه الهداية، فغيره من باب أولى أنه لا يملكها ولا يستطيع لها. قال تعالى: ﴿فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر﴾ أي لا يستطيع الإنسان أن يسيطر على العباد في هدايتهم وفي سوقهم إلى الله سبحانه وتعالى، وهو يبلغ ويوضح ويبين، والهداية بيد الله سبحانه وتعالى. وما على الرسول إلا البلاغ المبين، فمن شاء الله عز وجل هداه، ومن لم يشأ سبحانه وتعالى أبقاه على ظلامه. طيب الله أوقاتكم، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.