الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 140، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجر الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك، فامتنع الناس عن كلامهم خمسين ليلة حتى ضاقت عليهم الأرض. وصف كعب بن مالك معاناته الشديدة حيث كان يخرج للصلاة والأسواق لا يكلمه أحد، حتى ابن عمه أبو قتادة لم يرد عليه السلام.
امتنع أبو قتادة عن رد السلام وقال: "الله ورسوله أعلم"، مما أبكى كعباً، وبعد أربعين ليلة أمره النبي صلى الله عليه وسلم باعتزال زوجته وعدم قربها. أطاع كعب وأرسل زوجته إلى أهلها، مما يعكس شدة العقوبة الاجتماعية والنفسية التي شملت العزلة داخل البيت وخارجه.
احتاج هلال بن أمية الكبير لخدمة زوجته، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لها بخدمته دون معاشرة، بينما رفض كعب بن مالك الإذن لزوجته بالبقاء مخافة الفتنة لشبابه. يبين المقطع الفرق بين حال الشيخ الكبير والشاب في أحكام المعاشرة أثناء المقاطعة.
يختتم المتحدث كلامه مؤكداً أن العلم الكامل عند الله تعالى، مختتماً بذلك سرد قصة التوبة والمقاطعة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فوقفنا عند قصة الثلاثة الذين خلفوا، عند قول كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه: قال: «ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثة، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف». أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يهجروا هؤلاء الثلاثة، فلا يجالسوهم ولا يحادثوهم. فلا شك أن هذا الأمر شديد على النفوس، يوم أن يهجرك أحب الناس إليك وأقرب الناس إليك. فلذلك، كما وصف الله عز وجل حال هؤلاء الثلاثة بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: 118]، الأرض واسعة، لكن بسبب هذا الجفاء وهذا الهجر ضاقت عليهم هذه الأرض، كما وصف الله، وكما ذكر كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف»، كأنه ما يعرف هذه الأرض، كأنه في أرض غربة. قال: «فلبثنا على ذلك خمسين ليلة»، يعني مدة الهجر كاملاً خمسين ليلة، ثم نزلت آية التوبة. قال: «فأما صاحبايا: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان». تستكان: يعني ضعفا، فلم يخرجا إلى خارج بيوتهم، فقعدا في بيوتهما ويبكيان على خطيئتهما. قال: «وأما أنا فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد». تصور أنت هذا المشهد: تأتي إلى المسجد، تريد أن تكلم أحداً، ما يكلمك؛ تريد أحداً يكلمك، ما أحد يكلمك. تمر بالطريق، لا أحد يوبّه لك، ولا ينتبه لك، ولا يكلمك. لا شك أن هذا موقف عظيم. قال: «وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقرب من النبي عليه الصلاة والسلام، فأسلم عليه». وهو في مجلسه بعد الصلاة، يأتي ويقول: السلام عليكم. قال: «فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟» يعني: ما يدري، هل رد النبي صلى الله عليه وسلم عليه أو لم يرد عليه. قال: «حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس» - يعني: مرّت أيام كثيرة من هذه الخمسين - «مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة»، صاحب له وصحابي جليل، والحائط هو الجدار، جدار المزرعة نحوه. قال: «وهو ابن عمي وأحب الناس إلي». انظر: قال: «فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام». ما في هجر يعني: إذا كنت وحدك يكلمك، وإذا كنت عند جماعة لا يكلمك. لا، هذا ما هو هجر، هذا ما هو لله. الهجر كما تفعل الآن جماعة الحجور: بعضهم إذا أنت عند جماعته كأنه ما يعرفك، هجر عدم رد للسلام، وإذا التقيت به وحده يهش ويبش. هذا لا... أبو قتادة، والله ما يراني الرسول، ولا أحد يراني من الصحابة أبداً. قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمني أحب الله ورسوله؟». وهو يحب الله ورسوله، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فماذا رد عليه أبو قتادة؟ قال: «الله ورسوله أعلم». بس، ما زاد على هذا. ما قال له: نعم، أنت تحب الله ورسوله. وإنما هذا أمر الرسول، لا. قال له: «الله ورسوله أعلم». قال كعب: «ففاضت عيناي». هذا الجواب أشد ما يكون، حتى لم يتحمل كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه، ففاضت عيناه من البكاء لألم هذا الجواب، لألم هذا الجواب. قال: «وتوليت»، يعني: ذهب وانصرف، «حتى تسورت الجدار». حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، يعني: كما تقدم أن الفترة خمسين، فلما مضت الأربعون من الخمسين وبقيت عشر، «إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم... إذا رسول رسول الله... إذا رسول رسول الله يأتيني»، فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك». فقلت: «أطلقها أم ماذا أفعل؟» قال: «لا، بل اعتزلها ولا تقربها». وهذا أيضاً من العقوبة، أو من كذلك ما يكون ردعاً وزجراً لمن فعل مثل ذلك. فانظر: لا يكلمه ناس خارج البيت، ولا يوجد من يؤنسه داخل البيت. المرأة تؤنس الرجل. إذا رأيت ضيقاً في الشارع، في المسجد، في السوق، تأتي عند أهلك وتتونس معهم. هذا أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعتزل امرأته ولا يقربها، ولا يقربها. ولذلك استفسر كعب: قال: «لطلقها أم ماذا؟» يعني: لو قال له: نعم، يقول لك: طلقها، هل سيطلقها؟ لا شك أنه سيطلقها استجابة. ما قال: قد هجرني أربعين ليلة مع أصحابه، أنا ما سأستجيب له. كلا وحاشا، بل استسلم لأمر الله ورسوله. فقال: «ماذا أفعل؟ هل أطلقها؟» فقال له: «لا، اعتزلها ولا تقربها»، يعني: لا تعاشرها. قال: «وأرسل إلى صاحبي فمثل ذلك»، أي: أمرهم باعتزال نسائهم. فقلت لامرأتي: «الحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر». يعني: هو طلب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعتزل أهله، لو كانوا عنده في البيت. لكنه كان شاباً، وفيخشى أن يزل ويخالف، ويقع على أهله، كذاك الذي وقع على أهله في نهار رمضان. فلذلك رأى أن تبتعد عنه هذه الزوجة، وذلك بالذهاب عند أهلها، حتى يقضي الله ويأتي الأمر من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وليس معنى «الحقي بأهلك» أنه طلقها، لا، وإنما تبقى عندهم إلى أن يأتي ما يخالف ما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم». ومعنى «ضائع»: يعني إذا لم أكن عنده في البيت، ما يستطيع أن يقوم بنفسه، ما يستطيع أن يقوم بنفسه من أكل أو شرب أو غسل أو نحو ذلك. فهذا معنى قولها: «رجل ضائع، ليس له خادم»، ما عنده من يخدمه إلا زوجته. وهذا فيه أنه متقرر عند الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن من حسن العشرة أن تخدم المرأة زوجها، أن تخدم المرأة زوجها. قال: «فهل تكره أن أخدمه؟» وهذا أيضاً فيه حرص هذه المرأة على امتثال أمر الله وأمر رسوله، تخشى أنها لو خدمته لخالفت أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك استفسرت هذا الاستفسار: «فهل تكره أن أخدمه؟» يعني: أبقى في بيته، لا أخرج من بيته، لكنه لا يقربني. هذا معنى كلامها. قال: «لا، ولكن لا يقربك»، يعني: لا يعاشرك. قالت: «إنه، والله، ما به حركة إلى شيء»، يعني: ما عنده رغبة للمعاشرة. «والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا»، يعني: إلى يومه هذا. وبعضهم قال: أيضاً أن الهمومة والغمومة، وكذلك كبر السن، كل هذه من أسباب ضعف الباءة. قال: «فقال لي بعض أهلي» - أي: قالوا لكعب بن مالك -: «لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه». قالوا لكعب: «لماذا أنت جعلت زوجتك تذهب إلى أهلها؟ اجعلها في بيتك وتخدمك، كما أذن لهلال بن أمية». قال: «فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها؟» أي: لعله يمنعني، وأنا رجل شاب، يعني: لست كهلال، أخشى أن أقع في المحظور، أن أقع في المحظور. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا اليوم لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في دروس قادمة. إلى هنا، والله تعالى أعلم، والله تعالى أعلم.