الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 139، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
استعرض الدرس سياق غزوة تبوك في الحر الشديد وبعد المسافة، وتخلف كعب بن مالك عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم رغم قدرته. كما تناول سؤال النبي عنه عند وصول تبوك ودفاع معاذ بن جبل عنه، وعزم كعب على الصدق عند عودة النبي خلافاً للمنافقين الذين كذبوا فأنزل الله تكذيبهم في القرآن.
اعترف كعب بن مالك للنبي صلى الله عليه وسلم بصدق بتخلفه دون عذر، فأمر النبي بالانتظار حتى يقضي الله فيه. وتعرض كعب لضغط قومه ليرجع عن صدقه لكنه ثبت، ولحق به مرارة بن الربيع وهلال بن أمية معترفين بمثل اعترافه.
أشار المقطع إلى أن صدق كعب بن مالك خفف عن صاحبيه وطمأنهما بعدم الوحدة في قول الحق. وختم المتحدث بالتنويه لاستكمال الحديث في درس قادم، مشيراً إلى توبة الله عليهم كما نزلت في سورة التوبة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال العلامة المفسر عبد الرحمن الناصر السعدي رحمه الله: "قصة الثلاثة الذين خلفوا، والمراد بالذين خلفوا أي أرجئ أمرهم عندما أتوا بالصدق في تخلفهم عن غزوة تبوك. ليس المراد خلفوا عن الغزوة، وإنما خلفوا عن الحكم، خلفوا عن الحكم، فأرجأ النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم إلى أن نزلت توبتهم من فوق سبع سماوات، وهو ما ورد في سورة التوبة: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾". قال: وكذلك لقد تاب الله على الثلاثة الذين خلفوا، أي عن الخروج مع المسلمين في تلك الغزوة، وهم كعب بن مالك وصاحباه، وقصتهم مشهورة معروفة في الصحاح والسنن، فاكتفى الشارح بالإحالة. ولا بأس أن نأخذ هذه القصة من صاحبها، ألا وهو كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، مع طولها، لكن فيها من الفوائد والحكم والمواعظ ما ينتفع به المسلم إن شاء الله تعالى. قال كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه: "كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم". ومعنى ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر المسلمين بالنفور لهذه الغزوة، وهذه الغزوة كانت في السنة التاسعة من الهجرة، وكانت وجهتها جهة الروم من النصارى، لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يجمعون له يريدون غزوة، فبادرهم النبي صلى الله عليه وسلم فدعى ونادى بالخروج إلى هذه الغزوة. وكانت هذه الغزوة في حر شديد، وحين طابت الثمار، أي في وقت جني الثمار الرطب. فهنا وفي مثل هذه المواقف يظهر أهل الصدق من أهل الكذب. فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة صرح، قال: "نريد نغزو الروم"، مكان بعيد، لماذا؟ حتى يتأهب المقاتلون ويستعدوا لهذه الغزوة العظيمة البعيدة، لأن غيرها من الغزوات كانت حول المدينة، حول المدينة، وكان يوري، ومعنى يوري: يوهم، مثلاً يريد يذهب إلى الجنوب فيوهم أنه يريد يذهب إلى الشمال، وهكذا. لكن في هذه الغزوة لم يوري، وإنما صرح بوجهته. قال المفسرون: لثلاثة أمور: الأمر الأول لبعد المسافة، والأمر الثاني لشدة الحر، والأمر الثالث لقوة العدو وكثرته. فلهذه الأسباب الثلاثة لم يوري النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الغزوة. وكعب بن مالك مع صاحبيه من أهل الصدق، وصاحباهم هما: مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، والحمد لله. فلما دعا النبي صلى الله عليه وسلم الخروج إلى هذه الغزوة، يقول كعب بن مالك: "لم أكن قط أقوى ولا أيسر"، يعني كنت شاباً قوياً، وكنت مستطيعاً تجهيز الراحلة لغناه، ولي كذلك تيسير، تيسير أموره دنيوية ونحو ذلك. قال: "والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، كلهم خرجوا، ولا يجمعهم كتاب حافظ"، بمعنى أنهم ما كانوا الذي يخرج ويتعالى لسجل اسمك، لا، ما كان يجمعهم يعني كتاب دفتر أو ديوان يسجلون فيه أسماءهم، وإنما بدون تسجيل. فهنا يريد أن يقول: أن الذي يريد أن يتخلف لربما يقول: "ما ينتبه لي، ما ينتبه لي"، ولا كذلك يظهر أنه لم يحضر. فهنا قال: "ولا يجمع كتاب حافظ، فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله". كان بعض إذا تغيب يظن أنه لا أحد ينتبه له لكثرة الخارجين. قال: "وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم"، يجهز راحلته، يضع عتاده، وكذلك ما يحتاجه في غزوه، يغدو يريد أن يتجهز. قال: "فأرجع ولم أغض شيئاً"، يعني يمر عليه الوقت، وهكذا التثاقل عن التجهيز إلى أن يمضي عليه اليوم. قال: "فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد"، يعني حتى أوشك الناس على الخروج وعلى الانطلاق. قال: "فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه خارجون، تجهزوا وهم خارجون". قال: "ولم أغض من جهازي شيئاً، ما جهزت شيء، كلما يقول اليوم الثاني وهكذا، مرت عليه الأيام ولم يجهز شيئاً، والمسلمون قد تجهزوا واشتد بهم الجد"، أي السير. قال: "فلم يزل بي حتى أسرعوا، خرجوا ومشوا، وخرجوا من المدينة، ولم أجهز شيئاً". قال: "وتفارط الغزو"، أي أبعد الغزو، أبعد، صاروا بعيدين، "وهممت أن أرتحل فأدركهم"، يقول: "خلاص أنا قوي، معي راحلة سريعة، سأتجهز بعدهم بيوم وأدركهم". قال: "قال: وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك أيضاً، حتى في اليوم الذي يريد أن يلحقهم، هكذا يمر عليه دون أن يجهز شيئاً". قال: "ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، الموضع الذي نزلوا فيه، في مكان يقال له تبوك، معروف مشهور. فقال، أي النبي صلى الله عليه وسلم: ما فعل كعب؟ أين كعب بن مالك؟ غير موجود. فقال رجل: حبسه برداه ونظره في عطفه"، يعني حبسه طيب ثيابه والاعتناع بمظهره أو نحو ذلك. قال: "فقال معاذ بن جبل مدافعاً عن أخيه المسلم: بئس ما قلت"، يقول لهذا الرجل. وفي رواية جاءت أنه رجل من بني سلمة، لكن أخفاه كعب تأدباً، وهكذا عدم إظهار لسوءته أو لذنبه هذا الذي ارتكبه في جرحه لكعب. قال: "فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، يقول لهذا الرجل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً". حسن ظن، لعل له عذر، لعله، ولعله، فما نعلم عن كعب إلا خيراً، ليس هو من أهل النفاق، وليس هو من أهل الكذب، فلا نعلم عنه إلا خيراً. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما تكلم بشيء. قال: "فلما بلغني أنه توجه قافلاً، حضرني همي"، يعني بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم راجع، خلاص قافلاً، يعني راجعاً. قال: "حضرني همي، صرت في هم شديد، إيش أقول للنبي عليه الصلاة والسلام الآن وأنا لم أغزو معه، وما معي عذر، كما بيّن في أول الحديث: لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت". قال: "حضرني همي، وأقول بماذا أخرج من صخطه؟ غداً سيغضب علي، كيف أخرج من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟". فلما قيل: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً"، يعني قد وصل إلى المدينة، "زاح عني الباطل"، بمعنى أنني علمت أنه لا ينجيني إلا الصدق، أما الكذب والحيال والحلف بالباطل بالكذب، هذا لا ينفع. فعزم أن يقول الصدق، "فزاح عنه الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه"، قرر أن يصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يقول الحقيقة. قال: ﴿وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَادِماً وَجَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾، أي من أهل النفاق، كما فضحهم الله عز وجل في سورة براءة. قال: "فقال: ﴿فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نِيَّتِهِمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ﴾"، وما ينفعهم هذا الاستغفار، لقول الله عز وجل: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، لأن الله يعلم بكذبهم وبمكرهم وخداعهم. لكن النبي صلى الله عليه وسلم بشر، ما يعلم الغيب، فهو يحكم عليهم بما ظهر له، فيقبل على نيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله سبحانه وتعالى، ووكل سرائرهم إلى الله. قال: "فجئته"، جاء كعب بإيمانه، "فلما سلمت عليه تبسم، تبسم المغضب"، يعني تبسم، لكن هذا التبسم تبسم المغضب. كيف تميز بين تبسم المغضب وتبسم الفرح المسرور؟ هذا بعلامات، هذا بعلامات تظهر، المغضب تجد مثلاً وجهه محمر، أو تجد كذلك نظراته حادة ومختلفة، هذا شيء معروف، يعني معروف إنسان إذا غضب يرى على وجهه، يرى على وجهه. ومع هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم تبسم، لكن هذا التبسم تبسم المغضب، تبسم المغضب. قال: "فقال لي: ما خلفك؟ ألم تقم قد ابتعت ظهرك؟"، بمعنى اشتريت، ابتعت هنا اشتريت راحلتك وجهزت أمرك، إيش الذي أخرك؟ لماذا تخلفت؟ ما هو عدرك؟ هذا هو السؤال والتثبت في الأمر. قال: "فقلت: بلى، نعم، ابتعت ظهري، صدق، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أمس أخرج من صخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلاً"، يعني أعطيت فصاحة وإقناعاً وأسلوباً في الكلام. قال: "ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي"، إذا حدثتك حديث أنت ترضى عني لأنه كذب، لكن الله عز وجل يعلم أنه كذب، وهذا الكذب سيكون سبباً في صخط الله عز وجل علي، صخط الله عز وجل علي، وإذا سخط علي الله لا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسخط علي، "ليوشكن الله أن يسخطك علي، أن يسخطك علي". قال: "ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله"، يعني لو حدثتك الصدق، أنا مذنب معترف، ما عندي عذر، وأنت ستجد في نفسك، لكن أنا أتوب إلى الله وأرجو أن يعفو عني ربي، وأن يتوب علي، وأن يتجاوز عني هذه الخطيئة، هذا معنى كلامه. قال: "لا والله ما كان لي من عذر"، هكذا يقول كعب بن مالك، صدق: "لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما هذا فقد صدق، هذا أتى بالصدق، فقم حتى يقضي الله فيك". قال: "فقمت". قال: "وماذا؟ فقمت". قال: "وثار رجال من بني سلمة"، أي من هو من بني سلمة، سلمة، "قالوا فأتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، قد كان فيك ذنب، استغفار رسول صلى الله عليه وسلم لك"، يعني قالوا: لماذا أتيت بالصدق؟ يكفيك مثل الناس تكذب، والرسول استغفر لك، والله عز وجل يغفر ذنبك، ليش هكذا؟ يعني جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يجد عليك بصدقك هذا. قال: "ما زال، فوالله ما زالوا يؤنبوني"، يعني يكلمونه بنحو هذا الكلام، كي يتراجع عن قول الصدق، كي يتراجع عن قول الصدق. "والله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي"، تهممت أن أرجع وأقول: "لا، الكلام الأول، هذاك أنا جبت"، يعني من غير شعور أو شي، الصحيح أني أنا كنت مريض، أو كنت عاجز، أو كنت، يأتي بالكذب. قال: "حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان"، ويريد ويريدون: مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، رضي الله تعالى عنهما، "وكانوا من أهل الصدق، قالا مثل ما قلت"، أي أتوا بالصدق، ولم يتخلفوا لعذر. "مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لرجلين صالحين قد شهدا بدراً، فيهما أسوة". فمضيت حين ذكروهما لي، يعني خف عليه الأمر لما علم أنه ليس وحده الذي أتى بالصدق، وأنه تخلف وأتى بالصدق، هناك من الصحابة الأجلاء، الصحابة الصادقين، من كان مثل كعب بن مالك، فهذا هوّن عليه من أمره، ويعني خفف عنه ما لقي من تأنيب أو من مراجعة من قبل قومه. ونكمل إن شاء الله بقية هذا الحديث في درس قادم إن شاء الله. إلى هنا، والله تعالى أعلم. شكراً.