الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 138، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المعلق فوائد قصة مسجد الضرار مبيناً أن أكبر مؤامرة على الإسلام قام بها المنافقون بقيادة أبي عامر الراهب، وأن تنازع الشرف والسلطة هو السبب الجذري لكل بلاء ونفاق وقتال بين المسلمين قديماً وحديثاً.
يبيّن المقطع أن أبا عامر بنى مسجد ضرار طمعاً في الزعامة الروحية فلما فقد مكانته عادى النبي صلى الله عليه وسلم حسداً، محذراً من أن طالب العلم قد يترك الخير لغضب وحب ظهور، ومؤكداً أن أقوال المنافقين والروافض كذب لا تُصدّق فهم يدّعون الحسنى ويوالون أعداء الإسلام سراً.
يوضح المقطع وجوب هدم المساجد المبنية للإضرار والتفريق بين المسلمين وهجرها، ويؤكد استحباب الصلاة في المساجد المؤسسة على التوحيد والسنة، مبيناً فضل مسجد قباء وأهله الذين أحبوا التطهر الحسي والمعنوي محذراً من الظلم والإسراف المانعين للهداية.
يقرر المقطع أن أهل الظلم هم أهل النفاق، وأن الله وصفهم بالظلم والإسراف فيه مما أدى إلى حرمانهم من الهداية والإيمان والطاعة، ويختتم الدرس بالدعاء بالنفع والعلم والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فقد أخذنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف إمام المفسرين رحمة الله بن ناصر السعدي، وهي تتمة لفوائد قصة مسجد الضرار، والمعلق على هذا الكتاب أضاف بعض الفوائد الطيبة، فلقوة استدلاله وحسن فوائده أحببنا أن نقرأها في هذا الدرس. فمما أضافه المعلق: قالوا من فوائد قصة مسجد الضرار بيان أن أكبر مؤامرة ضد الإسلام قام بها المنافقون بإرشاد الفاسق أبي عامر الراهب، كما مر معنا، وهكذا هم أهل النفاق، لا يزالون يتآمرون ضد الإسلام والمسلمين، فما هذه الفتن والحروب والصراعات الدائرة اليوم بين الدول إلا بسبب هؤلاء المنافقين من الروافض ومن على شاكلتهم، فهم يفرقون الأمة ويتمالئون مع أعداء الملة من اليهود والنصارى والمشركين. وقالوا: منها بيان أن تنازع الشرف سبب البلاء، كل البلاء. فابن أبي، أي عبد الله بن أبي، رأس المنافقين، حارب الإسلام لأنه كان يؤمل في السلطة على أهل المدينة، فحرمها بالإسلام، وأبو عامر الراهب ترهب لأجل الشرف على أهل المدينة والسلطان الروحي، فلذا لما فقدها حارب من كان سبب حرمانه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى قال له مواجهة: «ما قاتلك قوم إلا قاتلتك معهم»، ذكره الثعلبي والواحدي والبغوي وغيرهم. بل ذهب إلى الروم يؤلبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. واليهود ما حاربوا الإسلام إلا من أجل المحافظة على أملهم في ملكهم. وهذا استنباط جيد، فتنازع الشرف والسلطة والمكانة هو سبب كل بلاء، سبب كل بلاء. وأيضاً ما تقاتل من تقاتل من أهل الإسلام إلا من أجل الكراسي، ومن أجل السلطة، ومن أجل الشرف. فعبد الله بن أبي، ما الذي جعله لا يقبل الإسلام بل ينافق ويحارب الإسلام وأهله؟ ما الذي دفعه إلى ذلك؟ حب التصدر والسلطة، لأنه كان كما ذكر يؤمل السلطة، أن يكون هو الوالي وهو المتسلط على أهل المدينة، فحرمها بدخول أهل المدينة الإسلام، فصاروا في ظل دولة المسلمين وقائدها، وقائدها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فوقع في هذا البلاء العظيم الذي هو أعظم من الكفر، النفاق، بسبب التنازع في الشرف، بسبب التنازع في الشرف. وهذا البلاء هو سبب كل المصائب الدائرة في أوساط السياسيين، في أوساط كذلك الدول والزعماء ونحو ذلك. وهكذا هذا أبو عامر الراهب، مر معنا أنه هو الذي ذهب وألب على الإسلام والمسلمين، وتمالأ مع المنافقين حتى بنوا هذا المسجد، مسجد الضرار، لماذا؟ لأنه يريد أن يكون هو المتسلط الروحي على أهل المدينة، لأنه ترهب، يعني أظهر العبادة والزهد والانقطاع عن الدنيا ونحو ذلك، رجاء أن يرجع إليه، رجاء أن يتسلط على رقاب أهل المدينة، فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم فقد هذه الأمنية وهذه المكانة التي يرجوها ويأملها، فعادى النبي عليه الصلاة والسلام، وأظهر المعادة للنبي عليه الصلاة والسلام، وماذا؟ كل ذلك بسبب التنازع في الشرف. وقالوا: منها: وهكذا طالب العلم لربما يترك العلم لأنه ما مكن من دعوة، أو من مسجد، أو من حلقة، أو نحو ذلك، فيترك الخير الذي كان عليه غضباً وحباً في الظهور والتسلط، وحب الظهور يقسم الظهور. وقالوا: منها: لا يصح الاغترار بأقوال أهل النفاق، فإنها كذب كلها، لأنهم أظهروا الخير، ماذا قالوا في بنائهم لهذا المسجد؟ قالوا: ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى ﴾، ويحلفون على ذلك، يحلفون على أنهم أرادوا الحسنى، فمن لم يعرفهم سيصدقهم، لكن الله عز وجل فضحهم في الدنيا قبل الآخرة، فأهل النفاق لا تقبل أقوالهم. إذا جاءك رافضي وقال لك: الموت لإمريكا، لا تصدقه؛ الموت لإسرائيل، لا تصدقه، بل هو حليف لإمريكا وحليف لإسرائيل، لأنهم أهل كذب. ما أشبه أقوالهم هذه بقول المنافقين: ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى ﴾، فهم منهم وإليهم، فلا يصدق هؤلاء المنافقون، لا يصدقون، ولا يغتر بأقوالهم. إن قالوا لك: نحن سنضرب إسرائيل، هذا كذب، هذا لعب على العقول الجاهلة التي لا تعرف حقيقة الروافض، التي لا تعرف حقيقة الروافض. وأما ما هو دائر اليوم من ضرب إسرائيل للروافض، فهذه أمور لعلها خلافات سياسية أو خلافات دنيوية بينهم، جعل بأسهم بينهم، جعل بأسهم بينهم. أما الموالاة من قبل الروافض لأعداء الإسلام فهذا قد سطرها علماء الإسلام منذ ظهورهم في موالاتهم للتتار ولغيرهم من أعداء الإسلام، كما فعل ابن العلقمي، كما فعل ابن العلقمي. وقد تكون هذه الحروب الآن بين إسرائيل وبين الروافض من أجل كذلك أن يكسب الروافض شعبية، وكذلك من أجل أن يظهروا بمظهر العدو، ومن تحت الكواليس أمور أخرى الله أعلم بها. فهؤلاء لا يؤتمنون، ولا يصدقون، ولا يصدقون، وإن أظهروا ما أظهروا، فهم أهل مكر وخديعة، وأهل نفاق وتمالؤ مع أعداء الإسلام. وقالوا: منها: أيما مسجد بني للإضرار والتفرق بين المسلمين، وجب هدمه، وتحرم الصلاة فيه، إذا كان بني على هذا الأساس كما بنى المنافقون مسجدهم. إذا بنوا هذا المسجد على وجه الإضرار والتفرق والمعاداة والمعاداة للإسلام والمسلمين، فهذا يجب هدمه من قبل ولي أمر المسلمين، ويجب هجره، ولا يجوز أن يعمر بصلاة أو بغيرها. وقالوا: منها: استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء والتنزه عن ملابسة القاذورات. ومن باب أولى استحباب الصلاة مع جماعة الموحدين، ومع جماعة المتمسكين بالسنة والمحبين لها. فيا أيها المسلم، إذا خيرت في الصلاة بين مسجدين، فاختر المسجد الذي جماعته جماعة على السنة وعلى التوحيد، واحذر من الصلاة في مساجد المبتدعة أو مساجد عامة الناس، إلا إذا اضطررت إلى ذلك أو فيما شق عليك، فلا بأس، كأن لا يوجد مسجد أقرب إليك من مساجد أهل الصلاة وأهل الخير وأهل التوحيد، فحينئذ تصلي معهم من باب الصلاة خلف كل بر وفاجر. لكن عند الاختيار وعدم الاضطرار، فاختر المسجد الذي هو أقرب إلى السنة، والذي أسس على السنة وعلى الدعوة إلى التوحيد والعلم والأخلاق والعبادة ونحو ذلك. فانظر كيف أثنى الله عز وجل على جماعة مسجد قباء: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾. ذكر العلماء أن التطهر هنا الطهارة الحسية، وهذا قد مر معنا في كلام المفسر أنه يشمل الطهارة الحسية والطهارة المعنوية، الطهارة المعنوية، الطهارة من الشرك ومن البدع ومن الخرافات، والطهارة الحسية من النجاسات والأحداث، سواء كان الحدث الأكبر أو الحدث الأصغر. وقالوا: فيها فضل التطهر والمبالغة في الطهارتين الروحية والبدنية، الروحية يعني المعنوية. نعم، وقد تقدم معنا أن سبب هذه الآية أن أهل قباء كانوا يتبعون الماء بالحجارة، بمعنى أنهم أولاً يزيلون النجاسة وعينها بالحجارة، ثم يتبعون ذلك بالماء. وقالوا: فيها التحذير من الظلم والإسراف فيه، فإنه يحرم صاحبه هداية الله، فيهلك وهو ظالم، فيخسر دنيا وأخرى. وأهل الظلم هم أهل النفاق، هم أهل النفاق، لأن الله عز وجل قال في آخر الآية: ﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾، فوصفهم بالظلم والإسراف فيه، فحرموا الهداية وحرموا كذلك الإيمان والطاعة. بهذا قد انتهينا من هذه القصة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وأن يعلمنا ما جهلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. شكراً شكراً