الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 168، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أقسام حرف "لو" الخمسة المحرمة والاثنين الجائزين وفق ابن عثيمين، ويطبقها على آيات سورة آل عمران التي وردت على لسان المنافقين معترضين على القدر والشرع. ويختتم بحديث أبي هريرة في صحيح مسلم الناهي عن قول "لو" لافتتاح عمل الشيطان.
يبين المقطع أن قول "لو" للندم على الماضي محرم لاعتراضه على القدر، وأن الرضا بقضاء الله ركن من الإيمان. ويستعرض الشيخ ابن عثيمين أربع فوائد من الحديث: الحرص على النافع، الاستعانة بالله، المضي في العمل، ثم تفويض النتيجة لله تعالى.
يبيّن المقطع بطلان احتجاج المشركين بالقدر على الشرك، ويفرّق بين احتجاج آدم بعد التوبة (جائز) واحتجاج العاصي قبل التوبة (محرم). ثم يستعرض ست مسائل في آداب المصيبة منها النهي عن قول "لو" للتندم، الإرشاد للاسترجاع والكلام الحسن، والأمر بالحرص على النافع مع الاستعانة بالله.
يؤكد المقطع على تسليم الأمر لله تعالى عند اختلاف المقدور عن المراد، ويعلن انتهاء الباب الحالي والانتقال للباب القادم في الدرس المقبل. ويختتم بتذكير المستمعين بأهمية الرضا بالقضاء والقدر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب ما جاء في "لو"، أي أقسام استعمال لفظ "لو". وقد تقدم معنا التفصيل في استخدامها من كلام الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله، وأنها تستخدم في خمسة مواضع للتحريم، وفي موضعين للجواز. فإذا ضبطنا ذلك، فما ذكره شيخ الإسلام من أدلة ينطبق على بعض هذه الاستخدامات أو الاستعمالات التي ذكرها الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله. فمن الأدلة التي ذكرها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾. يقول الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله: هذه الآية تصلح أن تكون "لو" فيها من اعتراض المنافقين على الشرع، ويجوز فيها أيضاً أن يكون اعتراضاً على القدر في قولهم: ما خرجنا لنقتل، بمعنى: ما خرجنا لنقتل. وعلى كلا المعنيين فـ "لو" هنا استخدمت في أمر لا يجوز؛ لأنه مر معنا أن من استخدامات "لو" أن تستعمل في الاعتراض على الشرع، أو أن تستعمل في الاعتراض على القدر. و"لو" في هذه الآية يجوز أن يقال: إنها للاعتراض على الشرع، ويجوز أن يقال: إنها للاعتراض على القدر. ووجه الشاهد منها قول له، وهذا من كلام المنافقين. وقوله: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾. وهنا "لو" فيها الاعتراض على القضاء والقدر، وهذا أيضاً من كلام المنافقين. فقد جاء في تفسير الطبري وابن جرير: أنه عبد الله بن أبي الذي قال هذا: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾، يعني: لو سمعوا كلامنا وبقوا في المدينة ولم يخرجوا في هذه الغزوة لما قُتلوا. وهذا في يوم أحد. وأما قوله: ﴿ لِإِخْوَانِهِمْ ﴾، فالمراد بهم من خرج من المؤمنين، من خرج من المؤمنين. فكيف جعل هذا المنافق أولئك إخوانه وهم مؤمنون وهو منافق؟ فحمل المفسرون هذه اللفظة في قوله: ﴿ لِإِخْوَانِهِمْ ﴾: سُمُّوا إخوانهم لموافقتهم في الظاهر. هذا معنى: بمعنى أن المنافقين إخوان للمؤمنين في الظاهر، فالمؤمن يصلي وهم يصلون، والمؤمن كذلك يأتي إلى المسجد وهم يأتون، ففي الظاهر أن المنافق مؤمن في الظاهر، وهذا معنى النفاق. فقوله: ﴿ لِإِخْوَانِهِمْ ﴾ أي: في الظاهر، وإلا فالمنافق في الباطن يبطن الكفر، يبطن الكفر والنفاق، والعياذ بالله. هذا معنى. والمعنى الآخر: الذين قالوا لإخوانهم أي: في النسب، لهم إخوان من المؤمنين في النسب. فقولهم: ﴿ لِإِخْوَانِهِمْ ﴾ أي: في النسب، ولا يمكن أن تحمل الآية أنهم إخوانهم في الإيمان؛ لأن المنافق ليس بمؤمن، المنافق ليس بمؤمن. يقول الشيخ ابن عثيمين بعد ذكره لهذين القولين: ولو قيل إن الآية شاملة للأمرين لكان صحيحاً، بمعنى: لإخوانهم في الظاهر، وأيضاً إخوانهم في النسب، إخوانهم في النسب. والشاهد من هذه الآية: ﴿ فَلَوْ أَطَاعُونَا ﴾، فـ "لو" هنا استخدمت للاعتراض على القدر، وهذا لا يجوز، وهذا لا يجوز. وقال: وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان». وقوله: "في الصحيح"، أي: في صحيح مسلم، في صحيح مسلم. وقد تقدم معنى أن شيخ الإسلام إذا قال: "في الصحيح" يحتمل أن يكون في الصحيحين، ويحتمل أن يكون في أحدهما، أي: في البخاري فقط أو في مسلم فقط. وهذا الحديث في مسلم فقط دون البخاري. ووجه الشاهد من هذا الحديث في قوله: «لو أني فعلت كذا، لو أني فعلت كذا»، فهذا من الاستعمال المحرم للفظة "لو"، لأنها استخدمت هنا للندم والتحسر. ومن مواطن تحريم قولها: أن تقال في هذا الموضع، موضع الندم والتحسر، موضع الندم والتحسر. يقول الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله: من اعترض على القدر لم يرضَ بالله رباً، ولم يحقق توحيد الربوبية؛ لأن المؤمن بالقدر هو الذي يرضى لما قدر الله عز وجل له من خير أو شر، وهذا ركن من أركان الإيمان: أن تؤمن بالقدر خيره وشره، لا تؤمن بخيره فقط وما فيه رخاء ويسر، بل كذلك تؤمن بأقدار الله المؤلمة، فلا تتحسر ولا تندم؛ لأن القدر سر الله عز وجل، والقدر من الله سبحانه وتعالى، فهو يختار لك ما فيه خير لك، ولكن قد تعلم ذلك وقد لا تعلمه، فتسلم أمرك لله سبحانه وتعالى. فلا يجوز أن تقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، هذا فيه معنى التحسر والندم على ما فات. يقول الشيخ ابن عثيمين: هذا الحديث فيه فوائد: أولاً: الحرص على ما ينفع، وترك ما يضر. فأي عمل تقدم عليه، اسأل نفسك: هل هذا العمل، هل هذا القول، هل هذا السفر، هل هذا المجلس، هل هذا المال ينفعني أو يضرني؟ فإن كان ينفع، فأمرك النبي صلى الله عليه وسلم بالحرص عليه، وإن كان يضر، أمرك النبي صلى الله عليه وسلم بتركه، وهو مفهوم المخالفة لهذا الحديث: «احرص على ما ينفعك»، أي: والشيء الذي لا ينفعك لا تحرص عليه، ولا تهتم به، ولا تشغل نفسك به. وثانياً: في هذا الحديث الاستعانة بالله، فإنك لن تستطيع أن تقدم أو أن تؤخر إلا إذا أعانك الله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾. نعم، فبغير استعانة الله عز وجل لك لا تستطيع أن تفعل شيئاً، لا تستطيع أن تحقق ما تريد إلا بإعانة الله عز وجل لك. وثالثاً: المضي في الأمر والاستمرار فيه، وعدم التعاجز. هذه المراتب إليك، يعني: هذه المراتب الثلاث: الحرص، والاستعانة، والمضي، هذه كلها من فعل العبد، من فعل العبد. فأنت الذي تجتهد وتحرص، وأنت الذي تستعين بالله، وأنت الذي تمضي وتستمر في هذا العمل، فهذه الثلاث منك. وقوله: ﴿ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٍ فَلَا تَقُلْ ﴾. قال الشيخ ابن عثيمين: إذا حصل خلاف المقصود، فهذا ليس إليك. أنت تريد أن تكسب في يومك مثلاً خمسة آلاف ريال، اجتهدت واستعنت بالله ومضيت في هذا العمل الذي ترجو أن تنال به هذا المال، لكن ما نلته، ما حصلت شيئاً، حصلت خلاف المقصود. هذا ليس لك؛ لأنك ما هو أنت الذي تقدر لنفسك، الله عز وجل هو الذي يقدر لك، فهذا بقدر الله. فإذا هذا يجعل المسلم يفوض أمره إلى الله. أنت عليك بالأسباب، ومن الأسباب: الحرص على ما ينفع، ومن الأسباب: الاستعانة بالله، ومن الأسباب: المضي في الأمر والاستمرار، وعدم التكاسل عنه والتواني والتقاعس. فأنت تبذل الأسباب، سواء كان في الرزق، سواء كان في طلب العلم، سواء كان في أمور الدنيا وغير ذلك، فلا بد من هذه الأمور الثلاثة التي هي من فعل العبد. والأمر الرابع: هو من فعل الله عز وجل، ومن ربوبية الله سبحانه وتعالى، وهو ما يقدره الله لك، وما يقسمه الله عز وجل لك. فإن كنت كذلك اطمأنت نفسك، اطمأنت نفسك، وعلمت أن أمرك بيد الله، فتفوض أمرك إلى الله. هذا معنى الحديث. ووجه الشاهد منه كما تقدم ظاهر: «لو أني فعلت كذا». ومما لم يذكر شيخ الإسلام من أقسام استخدامات "لو" المحرمة: أن تستعمل للاحتجاج بالقدر على المعصية، وهذا أيضاً محرم. ويستدل بقول الله عز وجل في قول الكافرين المشركين: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾، فهذا اعتراض على فعل الشرك بالاحتجاج بالقدر، بالاحتجاج بالقدر على هذه المعصية، فهذا أيضاً من أنواع استخدامات أو استعمالات "لو" في المحرم، في المحرم. طيب، قد يقول قائل: آدم عليه السلام احتج بالقدر فيما جاء في الصحيحين؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة»، أي: بسبب معصيته، ﴿ فَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾، فقال له آدم: «أتلومني على أمر قد قدر الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟» فقالوا: احتج آدم بالقدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فحج آدم موسى»، فحج آدم موسى. والجواب على ذلك: أن الاحتجاج بالقدر على المعايب، ومعنى المعايب: يعني أن يحتج العبد بالقدر بعد توبته وبعد إقلاعه من هذا الذنب، فهذا يجوز ولا حرج فيه، بعد التوبة من الذنب. وأما قبل التوبة، فهذا من استعمال القدر في الاحتجاج بالمعصية. فيقول العلماء: الاحتجاج بالقدر على المصائب لا يجوز، وهذا قبل التوبة. والاحتجاج بالقدر على المعايب: فهذا يجوز، وهذا بعد التوبة. ولذلك يقول ابن القيم عليه رحمة الله: الاحتجاج بالقدر منه ما ينفع، ومنه ما لا ينفع. فما كان بعد التوبة فهو مما ينفع، وما كان قبل التوبة فهو مما لا ينفع، وهو لا يجوز، لا يجوز. هذا هو التفصيل في هذه المسألة. ثم ذكر المسائل، نذكرها سريعاً وننتهي من هذا الباب: قال: الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران، ويريد: ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾، ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾، وعرفنا معناها، وأن منها ما هو استخدام في الاعتراض على القدر، ومنها ما هو استعمال في الاعتراض على الشرع. قال: الثانية: النهي الصريح عن قول "لو أني" إذا أصابك شيء، لأن هذا فيه ماذا؟ فيه تندم وتحسر، ولا يجوز للمسلم أن يتندم وأن يتحسر على أمر قد مضى وفات، على أمر قد مضى وفات، فإن ذلك من عمل الشيطان. ولذلك قال: المسألة الثالثة: تعليل النهي بأن ذلك يفتح عمل الشيطان. كيف يفتح عمل الشيطان؟ قالوا: الذي يستخدم أو الذي يتحسر ويتندم على ما مضى يصاب بالجزع، يكون حزيناً كئيباً، والحزن من الشيطان، ﴿ لِيَحْزَنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، وكذلك من الشيطان، فيصاب الجازع والمتسخط بالعجز، فلا يعمل ولا يتخذ الأسباب بسبب جزعه وبسبب تحسره، وكذلك اللوم والسخط، يلوم ويسخط، نعم، والسخط من القضاء والقدر، ونحو ذلك، وكل ذلك يفرح الشيطان. فالمؤمن القوي هو الذي إذا أصابته مصيبة قال: «إن لله وإن إليه راجعون، الحمد لله، قضاء الله وقدره، قدر الله وما شاء فعل». لذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا: أن تقول: «قدر الله وما شاء فعل»، لا تتندم ولا تتحسر. قال: الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن، يعني: أن تأتي بكلام طيب عند المصيبة، كقولك: «قدر الله وما شاء فعل»، أو استرجاع، كما قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾. قال: الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله، وقد مضى. قال: السادسة: النهي عن ضد ذلك، وهو العجز. فضد الحرص والاستعانة بالله على ما ينفع: العجز، وهو ترك السعي والاجتهاد في العمل. قال: وهو العجز، وهو التهاون والكسل عن فعل الشيء، لأنه هو الذي في مقدور الإنسان. أيش الذي في مقدور الإنسان؟ الفعل: أن يفعل ويحرص ويستعين بالله ويتخذ الأسباب. وأما النتائج فليست من مقدور العبد، النتائج ليست بمقدور العبد، ﴿ تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ ﴾. أنت تريد كذا، ويقدر الله عز وجل لك خلاف ما تريد، فسلم أمرك لله سبحانه وتعالى. وبهذا نكون انتهينا من هذا الباب، لندخل في الدرس القادم إن شاء الله إلى الباب الذي بعده. لله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر