الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 292، ألقاها
يشرح المقطع مفهوم المعاريض وأنه يجوز استخدامها في الكلام إذا كانت تحتمل أكثر من معنى، مستدلاً بموقف أم سليم مع أبي طلحة وحديث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول معاملة النساء برفق ويستدل به على جواز استخدام المعاريض، ثم ينتقل إلى أثر عمر رضي الله عنه حول خطورة الحديث بكل ما يسمع.
يناقش أهمية التحذير من الكذب ونقل الأخبار دون التأكد من صحتها، ويشير إلى أن الكذب يعتبر كبيرة من كبائر الذنوب وصفة من صفات المنافقين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد"، باب المعاريض، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له، فحدا الحادي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرفق يا أنجشة، ويحك بالقوارير. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: "باب المعاريض"، أي ما جاء في جواز استخدام المعاريض. والمعاريض جمع معراض، وهو الإتيان بلفظ أو كلام يفهم منه السامع خلاف مراد المتكلم، فهذا يقال له تعريض، يقال له التعريض أو معارض، وهو الإتيان بكلام خلاف الصريح، يعني فيه شيء من التورية. فاستخدام المعاريض أمر جائز، وليس هو من الكذب. ومن ذلك قول أم سليم رضي الله تعالى عنها لأبي طلحة حين توفي ابنها، فسألها أبو طلحة عن ولده وكان مسافرًا: كيف الولد؟ فقالت: هو أسكن ما كان، وهدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح. فظن أنها تريد أنه شفي وعوفي، وهي أرادت بذلك أنه قد مات، ولعل الموت أريح له مما كان يجد ويتألم من مرضه. ففهم رضي الله تعالى عنه خلاف ما أرادت، فهي عرضت بهذا الكلام عن الموت ولم تصرح له به. ومع ذلك لم ينكر النبي عليه الصلاة والسلام استخدامها للمعاريض، ولو كان استخدامها لا يجوز لنزل الوحي وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. فسكوته عليه الصلاة والسلام يدل على جوازه. وذكر رحمه الله حديث أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له، فحدا الحادي، والحداء هو نوع من الشعر يأتي الرجل بكلمات وبأبيات يجعل الإبل تنشط في المسير، فحدا الحادي فنشطت الإبل في سيرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرفق يا أنجشة، ويحك بالقوارير. وكان الذي يحدو هو أنجشة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أرفق، يعني قلل من الحداء حتى لا تسرع الإبل وعلى ظهورها النساء. فكنى النبي صلى الله عليه وسلم عن النساء بالقوارير، وعبر عنهن بلفظ القوارير، قال: ويحك بالقوارير. والقوارير جمع قارورة، والقارورة هي الزجاجة. فالنبي صلى الله عليه وسلم شبه النساء بالقوارير، وذلك لضعفهن ولطافتهن، فربما تتضرر الواحدة لو سقطت لنكسر شيء من أضلاعها، كسرعان ما ينكسر الزجاج. وفي رواية قال النبي صلى الله عليه وسلم: ويحك يا أنجشة، رويدك سوقك بالقوارير، يعني سقهن كما لو كنت تسوق القوارير لو كانت على ظهر هذه الإبل، فكيف ستسوقها؟ لا شك أنك ستسوقها برفق وحذر، فكذلك افعل في سوقك للنساء، فإنهن يشبهن بالقوارير. وقال بعض أهل العلم: شبهن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كذلك لضعف النساء، وكذلك سرعة تأثرهن. فخشي النبي عليه الصلاة والسلام أن يتأثرن من سماع ما يقوله هذا الحادي هنا يحدو بالإبل، فالنساء قد جبلن بميلهن للرجال، وهكذا ميل الرجال للنساء، فخاف النبي عليه الصلاة والسلام أن يتأثرن من ذلك، فأوصاه بأن يقلل ويخفف من الحداء. والشاهد هو تشبيه النبي عليه الصلاة والسلام النساء بالقوارير، وعرض بذكر القوارير عن النساء، فدل ذلك على جواز استخدام المعاريض. قال: وحدثنا الحسن بن عمر، قال: حدثنا معتمر، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا ابن عمر، عن عمر -فيما أرى- شك أبي. والقائل ذلك هو معتمر ابن سليمان التيمي، شك أبي يعني سليمان التيمي. ورواه يزيد ابن هارون عن التيمي عن أبي عثمان عن عمر من غير شك، كما ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في الحاشية، قال: أنه قال: "حسب امرئ من الكذب أن يحدث بكل ما سمع". وهذا الأثر صحيح إلى عمر رضي الله تعالى عنه، وقد صح مرفوعًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وجاء عن غيره، وهو في صحيح الإمام مسلم، قال: "حسب امرئ من الكذب أن يحدث بكل ما سمع". قال: وفيما أرى، قال عمر: أما في المعاريض ما يكفي المسلم من الكذب. فقوله رضي الله عنه: "حسب امرئ من الكذب أن يحدث بكل ما سمع"، يعني لو حدث الإنسان بكل ما يسمعه من الكلام سيقع في الكذب، لأن ما يسمعه منه ما هو صدق ومنه ما هو كذب. فلو حدث بكل خبر وبكل كلام يسمعه لوقعه في الكذب. ففي هذا بيان أنه لا ينبغي للمسلم أن يحدث بكل ما يسمع، لأن من الأخبار التي يسمعها ما هو كذب، فينبغي أن يتأنى وأن لا يتعجل في نشر الأخبار. وكذلك أيضًا فيه أن نقل الخبر إذا كان على خلاف ما هو في الواقع فيعتبر كذب، لكن لا يلزم ذلك أن يكون المخبر آثمًا، فهو يسمى كذبًا لأن الخبر إذا كان على خلاف الواقع فهو كذب، لكن حصول الإثم هذا لا بد فيه من التعمد للكذب، يعني أن يتعمد الكذب ونقل الخبر على خلاف حقيقته وعلى خلاف ما هو في الواقع. فإذا تعمد ذلك هنا حصل الإثم. وأما إن كان مجرد نقل للخبر وهو لا يعلم أن هذا الخبر كذب، فهنا لا يأثم بنقله لهذا الخبر. لكن ينبغي أن يحذر من سرعة نقل الأخبار، وكم حصلت من مفاسد كثيرة بسبب التساهل في هذا الأمر في أمر نقل الأخبار. وقوله قال عمر: أما في المعاريض ما يكفي المسلم من الكذب، يعني يريد رضي الله تعالى عنه أن في المعاريض غنية واكتفاء من أن يكذب المرء في كلامه، فيكفيه أن يعرض، فلا حاجة للكذب إذا أراد مثلًا أن لا يذكر الأمر بصراحة، فإنه لا يكذب ويكفيه التعريض. واستخدام المعاريض إذا كان لأجل إحقاق حق فهذا أمر جائز وممدوح. وأما كان استخدامها لإبطال حق أو إحقاق باطل فهذا أمر مذموم ومحرم لا يجوز. قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن مطرف ابن عبد الله من الشخير، قال: صحبت عمران بن حسين إلى البصرة، فما أتى علينا يوم إلا أنشدنا فيه الشعر، وقال: إن في معاريض الكلام لمن دوحة عن الكذب. وهذا الأثر قد مر معنا في الأبواب التي قد مضت في الكلام على الشعر، فذكره الإمام البخاري رحمه الله واستدل به على أن من الشعر حكمة. وذلك أن عمران بن حسين رضي الله تعالى عنه كان ينشد الشعر، وهنا استدل به على جواز المعاريض، وذلك بقول عمران: إن في معاريض الكلام لمن دوحة عن الكذب، يعني استغناء وكفاية. إن في المعاريض لمن دوحة يعني استغناء وكفاية عن الكذب. فإذا أراد المرء أن لا يذكر الشيء بصراحة فإنه يستخدم المعاريض وتغنيه المعاريض عن الكذب. وينبغي أن يحذر المسلم من الكذب لأنه كبيرة من كبائر الذنوب، وصفة عظيمة من صفات أهل النفاق، كما قال الله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». فمن أظهر صفات أهل النفاق الكذب، فينبغي للمسلم أن يتجنب الكذب وأن يحذر من الكذب ما استطاع. وإذا احتاج إلى عدم ذكر الشيء بصراحة فإنه يستخدم المعاريض، ففيها غنية وكفاية عن الكذب.