شرح كتاب التوحيد 255

شرح كتاب التوحيد 255

الدرس في شرح كتاب التوحيد 255، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في آية الأسماء الحسنى ودلالتها

الدرس يبدأ بشرح آية الأسماء الحسنى ودلالتها على إثبات الأسماء لله تعالى وأهمية الدعاء بها. يُبين أن حسن الأسماء يعود إلى الصفات وليس مجرد الألفاظ.

الدعاء بأسماء الله الحسنى وتفسيرها

يشرح كيفية الدعاء بأسماء الله الحسنى على صورتين: دعاء ثناء ودعاء مسألة، مع التأكيد على أهمية التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى في الدعاء.

تفصيل دعاء الثناء ودعاء المسألة والإلحاد في أسماء الله

يتم شرح معنى دعاء الثناء ودعاء المسألة وضرورة اختيار الاسم المناسب عند الدعاء، مع توضيح معنى الإلحاد في أسماء الله وأقسامه.

تحذير من الإلحاد في أسماء الله تعالى

يُناقش مفهوم الإلحاد في أسماء الله تعالى وضرورة تنزيه وتعظيم أسماء الله، مع الإشارة إلى أقسام الإلحاد المختلفة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾. أشرنا بالأمس، إخواني في الله، إلى مقدمة سريعة في بعض قواعد الأسماء أسماء الله جل وعلا التي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يكون على دراية بها ومعرفة، وخاصة ونحن نخوض هذا الباب. وأشرنا كذلكم ما علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد، وما علاقته بالأبواب السابقة. وهنا يقول ربنا جل وعلا في هذه الآية، والتي بواب عليها المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، ألا وهي: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾. هذه الآية يقول العلماء أنها اجتمعت على إثبات وعلى أمر وعلى نهي، اجتمعت واحتوت على ثلاثة أمور: إثبات، وأمر، ونهي. أما الإثبات الموجود في الآية، فهو إثبات الأسماء لله سبحانه وتعالى. وأما الأمر، وهو ما أمر الله جل وعلا به: ﴿فادعوه بها﴾. وأما النهي، فهو في قوله تعالى: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾. ستأتي معنا هذه المسائل تباعًا أولًا في هذا الباب. في هذه الآية فيه إثبات الأسماء لله، فقال ربنا جل وعلا: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾. سياق الكلام أن يكون الأسماء الحسنى لله، بتقديم العامل على المعمول، لكن في هذه الآية قدم المعمول على العامل. فإذا الآية: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾، والمراد من هذا التقديم أن يقدم المعمول على العامل لإرادة الحصر. والقاعدة عند البلاغيين: تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. ويكأن المراد من هذه الآية أن الأسماء الحسنى لا تكون إلا لله، ما هناك أحد يزاحمه جل في علا. وقد أشرنا إخواني في درسي أمس أن الله عز وجل له الأسماء الحسنى البالغة في الحسن إليها المنتهى. وأن الإنسان مهما تسمى بالأسماء، فهي لن تصل إلى هذا الحسن أبدًا. فإن الإنسان إن تسمى باسم، فلربما كان له من الحسن بقدره. لأن حسن الأسماء لا يعود، إخواني في الله، إلى لفظه وإلى بنية الكلمة، بل إن حسن الاسم يعود إلى صفته. مثاله: ما لو أن إنسانًا تسمى بعبد الله، فحسن هذا الاسم يعود إلى الصفة. ما هي الصفة في عبد الله؟ العبودية. فهل هو وبحق عبد لله؟ صدقًا وبحقًا؟ أو رجل تسمى بصالح؟ هل فيه من الصلاح أن احتوى على كل معاني الصلاح؟ وهكذا قس في باقي الأسماء التي يتسمى بها الناس. ذاك الذي تسمى بمحمد، ذاك الذي تسمى بغيرها من الأسماء الكريمة الجليلة. لكن تجد أن حسن الاسم يعود إلى الصفة، هل هو تحلى بها؟ فإن تحلى بها فإنه سيتحلى بها بقدر. أما الله جل في علا، فقد تسمى بأسماء قد احتوت على الصفات العلا. فأسماء الله الحسنى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بصفات العلا جل في علا. وهنا فائدة إخواني في الله، وهي أن أسماء الله الحسنى قام العلماء بتعريفها، ببيانها، بشرحها، لكن لا يخرج هذا الشرح منهم إلا على سبيل التمثيل والتقريب. عندما يأتي من أهل العلم من يفسر صفة الرحمة، واسم الرحيم، أو يريد أن يفسر اسم الغفور، أو يفسر اسم العلي، أو يفسر اسم الجليل، أو الكريم، أو القدير، أو العزيز، أو الحكيم، فإن العلماء عندما يفسرون هذه الأسماء إنما يفسرونها من باب التقريب. أما حقيقة الصفة، حقيقة الاسم، وما تضمنه من صفة، لا يعلم به إلا الله. ولهذا كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». أنت جل في علاك، أنت كما أثنيت على نفسك، لا نحصي. فالعلماء مهما فسروا وبينوا، لكن أرادوا من هذا البيان التقريب، لكي نعرف ما مؤدى هذا الاسم. ثم قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فادعوه بها﴾، هذا أمر أرشد ربنا جل وعلا أن هذه الأسماء الحسنى التي هي لله جل في علا ينبغي أن تستغل في مقام الدعاء، في مقام الطلب، في مقام التضرع إلى الله جل في علا. ولهذا قال العلماء: الدعاء هنا في قول ربنا جل وعلا: ﴿فادعوه بها﴾، أي ادعوا الله بأسمائه الحسنى. قال العلماء: الدعاء بأسماء الله الحسنى يكون على أحد صورتين: إما بدعاء ثناء، أو بدعاء مسألة. دعاء الثناء: وهو أنك عندما تدعو ربك جل وعلا تدعوه بأن تثني عليه بأسمائه: «اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الفرد الصمد الواحد الأحد، اللهم أنت المنان، أنت بديع السماوات والأرض، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام». فلا زلت تذكر ربك جل وعلا، تدعوه بأسمائه. وهذا نوع من أنواع التوسل إلى الله، أن تتوسل إلى الله بأسمائه. وهذا باب إخواني في الله يجهل كثير من الناس، بعض الناس إذا أراد أن يدعو ربه جل في علا لربما اختصر الطريق بأن يدخل في حاجته، يرفع كفة ضراعة إلى الله: «ربي ارزقني، ربي اعطني، ربي يسر أمري، ربي طيب». أين التوسل إلى الله بأسمائه؟ ﴿فادعوه بها﴾. الله جل في علا يحب الثناء، الله جل في علا يحب المدح. ولهذا ثبت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «ليس أحد أحب إليه المدح من الله». ما هناك أحد أحب إليه المدح من الله. قال عليه الصلاة والسلام: «ولهذا مدح نفسه». جل وعلا ولهذا مدح نفسه، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. من هذا؟ هذا ربنا يثني على نفسه بنفسه، يثني على بنفسه على نفسه. وكم هي الآيات التي يذكر ربنا جل وعلا نفسه بأسمائه الحسنى؟ فالله جل وعلا يحب المدح، يحب الثناء. ولهذا عندما مر نبينا صلى الله عليه وسلم على رجل أخذ يدعو، فلم يبدأ بحمد الله ولم يبدأ بالثناء على الله، قال عليه الصلاة والسلام: «عجل هذا». ثم بين: «إذا سأل أو دعا أحدكم ربه فليبدأ بحمد الله والثناء عليه». تثني على الله، وماذا تثني على الله؟ أعظم ما تثني به على الرب هذه الأسماء: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. توسلوا إلى الله بأسمائه. وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام من ذكره وورده في مدحه لربه: «له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن». فمن قوله ربنا جل وعلا: ﴿فادعوه بها﴾، أنك تدعو الله دعاء ثناء بأنك تثني على الله. قد مر معناه، أعظم ما تثني عليه أن تثني عليه بالاسم الأعظم، على اختلاف الروايات: «يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أنت الله الفرد الصمد الواحد الأحد، اللهم لك ملك السماوات والأرض، لك نور أنت نور السماوات والأرض، أنت خالق السماوات والأرض». تثني وتمدح، ولا زلت تمدح ربك. فالله يحب هذا من عبده، ثم سل سل يا عبد الله بما شئت من طلب. فهذا أحرى أن يستجيب الله جل وعلا لك. ولهذا جاء من أقوال بعض العلماء قالوا: إن الله جل وعلا يعطي للذاكرين أكثر مما يعطي للسائلين. يجعلها فائدة قد تغفل عن كثير من الناس، يغفل عنها كثير من الناس: إن الله يعطي للذاكرين أكثر مما يعطي للسائلين. لماذا؟ لأن السائل إنما سأل لحاجة في نفسه، وأما الذاكر فما ذكر الله إلا لرضى ربه. فتفاوتت المطالب. فذكر الله، الثناء على الله، أنت ما تريد منه شيء، إنما فقط تتقرب إلى الله. فمنزلته أعظم من منزلة الذي يسأل الذي يطلب لخاصة نفسه. الشاهد إخواني في الله، هذا النوع من قول ربنا عز وجل: ﴿فادعوه بها﴾، أن يكون لك حظ من دعاء الثناء. والثانية: ﴿فادعوه بها﴾، ما يسميه العلماء دعاء المسألة. ودعاء المسألة مفاده: وهو أنك إن طلبت من ربك جل وعلا حاجة من حوائج الدنيا، أنك تذكر عند حاجتك ما يناسبها من أسماء الله، ما يناسبها من أسماء الله. فلما تقول مثلا: «اللهم اغفر لي إنك أنت الغفور، اللهم ارحمني إنك أنت الرحيم، اللهم أنت المعين فأعني، اللهم أنت الكريم فاعطني». وهكذا تأتي باسم من أسماء الله، ثم تأتي بالطلب الذي يتلاءم مع هذا الاسم. هذا الوجه من أوجه الربط بين السؤال وبين الاسم، نزله العلماء على هذه الآية: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. وهما يسميه العلماء بدعاء المسألة، أنك إن دعوت الله جل وعلا: ﴿فادعوا الله﴾ بأن تسأله بالإسم الملائم لدعائك، بالإسم المناسب لدعائك. طبعًا هذا يحتاج إلى فقه، لأن من أسماء الله ما هي أسماء جمال، ومن أسماء الله ما هي أسماء جلال، كما فسرها العلماء. فلا تخلط يا عبد الله، فليس من الفقه في شيء أنك تقول: «اللهم اغفر لي وارحمني يا ذا الانتقام». ما يستوي. بل حتى قال علماء: لا يتقبل هذا منك أن تقول: «اللهم اغفر لي وارحمني إنك أنت السميع البصير». وإن كان السميع والبصير من أسماء الله الجليلة، لكن هذا المقام ما يترتب كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله. فلابد عند أسماء الله جل وعلا أن تختار الاسم المناسب. ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾، وهذا النهي. ﴿وذروا﴾: أتركوا. أتركوا من الذين يلحدون في أسمائه. الإسم الموصول مع صيلته في قوة المشتق، بمعنى: وذروا الملحدين. وذروا الملحدين، أي اتركوهم، لا تكون مثلهم. والملحد مأخوذ من الإلحاد، والإلحاد في لغة العرب مأخوذ من الميل. الإلحاد، كلمة الإلحاد وما تفرع منها بمعنى الميلان، بمعنى الميل. ولهذا الحفرة التي تكون في القبر في الجنب تسمى لحدًا، لأن فيها ميل، سميت لحدًا لأن حفرة جانبية. وهكذا الرجل الذي خرج عن التوحيد والفطر يقال عنه ملحد، يقال عنه ملحد. فقال ربنا جل وعلا: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾، أي وذروا الإلحاد في أسماء الله جل وعلا. والإلحاد في أسماء الله بشكل عام هو أن تخرج، تخرج عن الجادة التي تنبغي في أسماء الله. فأسماء الله تحتاج منك إلى تنزيه، تحتاج منك إلى إعظام، تحتاج منك إلى التوقير. فالخروج عن مقام التنزيه والتعظيم لأسماء الله هذا منك إلحاد. وقد قسم العلماء الإلحاد في أسماء الله إلى عدة أقسام. فنرجو الحديث عنها في درس غدٍ لكثرة أقسامها، ولا يسع الوقت لذكرها. فنرجو الحديث عن هذه القسمة الأخيرة في مسألة صور الإلحاد في أسماء الله وصفات إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.