شرح الأصول من علم الأصول 18

الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 18، ألقاها

تعريف الظاهر ودلالات الألفاظ في علم الأصول

يتناول هذا الفصل تعريف الظاهر لغة واصطلاحًا وتمييزه عن المفاهيم الأخرى مثل المجمل والمؤول والنص الصريح، مع تفصيل دلالات الألفاظ إلى خمسة أقسام. يُشرح ذلك بشكل مفصل لتوضيح الفروق بين هذه المفاهيم.

مفهوم التأويل والنسخ في الشريعة الإسلامية

يناقش هذا الفصل تعريف التأويل والنسخ في الشريعة، حيث يُعرَّف التأويل على أنه حمل لفظ على المعنى المرجوح بدليل، والنسخ هو رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب والسنة. يُفصّل أيضًا أنواع التأويل وشروط النسخ.

تفاصيل النسخ وحكمه وأمثلة على المستحب في العبادات

يتناول هذا الفصل تفاصيل مفهوم النسخ في الشريعة الإسلامية، ويشرح شروطه وأقسامه مع تقديم أمثلة، كما يتناول حكمة النسخ ومفهوم الخبر وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى أمثلة على المستحب في العبادات مثل ركعتين خلف مقام إبراهيم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن، قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه «الأصول من علم الأصول»: «قال: الظاهر والمؤول. قال: تعريف الظاهر: الظاهر لغة: الواضح والبين، واصطلاحًا: ما دل بنفسه على معنى راجح مع احتمال غيره، أي: مع احتمال مرجوح. هذا يسمى ظاهرا، أي: أن فيه احتمالا، ولكن الاحتمال مرجوح. فالظاهر ما كان الاحتمال فيه راجحًا. قال: مثاله قوله صلى الله عليه وسلم: «توضأ من لحوم الإبل». قال: فإن الظاهر من المراد بالوضوء غسل الأعضاء الأربعة على الصفة الشرعية، دون الوضوء الذي هو النظافة بمعنى غسل اليدين. ما هو الظاهر من النص؟ الظاهر من النص الأول. لماذا؟ لأنه حقيقة شرعية. لكن هل هو نص أم أنه يحتمل احتمالا آخر ولكنه مرجوح؟ الجواب: يحتمل احتمالا آخر ولكنه مرجوح. إذن دلالة النص على الوضوء بالظاهر، أي: ليست نصًا وإنما بالظاهر. فيقال: الظاهر بأن المراد الوضوء الشرعي لا غسل اليدين ولا معنى النظافة، وإنما المراد الوضوء الشرعي. ظاهر النص يدل على هذا. قال: فخرج بقولنا «ما دل بنفسه على معنى» المجمل؛ فدل. قال: فخرج بقول «ما دل بنفسه على معنى» المجمل. لماذا خرج المجمل؟ قال: لأنه لا يدل على المعنى بنفسه، بخلاف الظاهر. الظاهر يدل على المعنى المراد بنفسه، أما المجمل فيدل على المعنى المراد بغيره، أو يعرف المعنى المراد بماذا؟ بغيره، بالمبين. أما المجمل نفسه فلا يظهر المعنى المراد. واضحة جماعة. ففرق بين المجمل والظاهر: المجمل لا يتبين منه المراد إلا بدليل خارجي، أما الظاهر فإنه يتبين منه المراد مع وجود احتمال آخر مرجوح. فهذا فرق بينهما. قال: وخرج بقولنا «راجح» المؤول؛ لأنه يدل على معنى مرجوح لولا القرينة. وقوله «لولا القرينة» أي: أن القرينة تصير المرجوح راجحًا. واضح جماعة. ومعنى هذا: أنه من غير قرينة، من غير قرينة فإنه يدل على معنى مرجوح. فإذا المؤول كما ذكر الشيخ خرج من التعريف. لماذا؟ لأنه يدل على معنى مرجوح لولا القرينة الذي صيرته راجحًا. قال: وخرج بقولنا «مع احتمال غيره» النص الصريح؛ لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا. واضح جماعة. بمعنى أن الألفاظ دلالات الألفاظ إما أن تكون إما أن يكون اللفظ يدل على معنى ولا يدل على غير ذلك المعنى، يدل على معنى واحد لا يدل على سواه. فهذا يسمى ماذا؟ نصًا. واضح جماعة. نص. وإما أن يدل على معنى راجح. فهذا يسمى ماذا؟ ظاهرا. وإما أن يدل على معنى مرجوح. فهذا يسمى مؤولا. وإما أن يدل على معنى متساوي أو يدل على معنى يحتمل أكثر، إما أن يدل على أكثر من معنى ولا مرجحة لأحد تلك المعاني. فهذا يسمى ماذا؟ يسمى مجملا. وإما أن يدل على ماذا؟ يدل على معنى يبين ذلك الإجمال فيسمى ماذا؟ فيسمى مبينا. إذن دلالات الألفاظ خمسة: إما أن يكون نصًا في المسألة، وإما أن يكون ظاهرا، وإما أن يكون مؤولا، وإما أن يكون مجملا، وإما أن يكون مبينا. واضح جماعة. قال الشيخ: العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره؛ لأن هذه طريقة السلف، ولأنه أحوط وأبرأ للذمة، هو أقوى في التعبد والإنقياد. وفوق هذا وذاك أنه الأصل، أنه الأصل. فالعمل بالظاهر واجب؛ لأنه الأصل. لأن الأصل في الظاهر بقاؤه على ما هو عليه، الأصل في الظاهر بقاؤه على ما هو عليه، أي: على ظاهره. لذا قال الشيخ: إلا بدليل يصرفه عن ظاهره. قال: تعريف المؤول. قال: المؤول لغة: من الأول وهو الرجوع، أي: من آل يؤول أولا رجع يرجع رجوعًا. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سَاعَةً تَأْتِيهِم بَغْتَةً﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ أي: حقيقته. ومنه كذلك قول يوسف عليه السلام: «يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعله ربي حقًا». والتأويل كما مر معنا في دروس مضت في كتب العقيدة في «التدمرية» وغيرها: أنه يكون في الأوامر ويكون في الأخبار. قال: واصطلاحًا: ما حمل لفظه على المعنى المرجوح. أي: أن المؤول هو الذي حمل أو حمل لفظه على المعنى المرجوح. قال: فخرج بقولنا «على المعنى المرجوح» النص والظاهر؛ أما النص فلأنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا، وأما الظاهر فلأنه محمول على المعنى الراجح. قال: والتأويل قسمان: صحيح مقبول، وفاسد مردود. أي: من حيث الجملة، على قسمين: صحيح وفاسد. قال: فالصحيح ما دل عليه دليل صحيح، كتأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ إلى معنى «واسأل أهل القرية». لأن القرية نفسها لا يمكن توجيه السؤال إليها. وهذا يعني هذا دليل لهذه المسألة. قال: والفاسد ما ليس عليه دليل صحيح، كتأويل المعطلة قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي: قالوا إلى معنى «استولى». والصواب أن معناه العلو والاستقرار من غير تكييف ولا تمثيل. فهؤلاء المعطلة أولوا هذا النص، والصواب أن يقال: حرفوا هذا النص؛ لأنهم أخرجوه عن ظاهره المراد إلى معنى آخر من غير دليل صحيح. قال: النسخ تعريفه: النسخ لغة: الإزالة والنقل، واصطلاحًا: رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب والسنة. بعضهم يقول: بدليل متراخ من الكتاب والسنة. وذكر المتراخ قيد مهم؛ لأن مما يعرف به النسخ: أن يكون الناسخ متراخ عن المنسوخ، متراخ يعني ماذا؟ متأخر. متأخر أي: جاء بعده. قال: فالمراد بقولنا «رفع حكم» أي: تغييره من إيجاب إلى إباحة، أو من إباحة إلى تحريم. مثلا. يقول الشيخ: معنى رفع الحكم أي: تغييره أو تبديله من حكم إلى آخر. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ننسخ أين؟ ماذا؟ نمح الأولى أو نرفع حكمها أو نرفع لفظها، ونأتي بمثلها أو بخير منها. قال: فخرج بذلك تخلف الحكم لفوات شرط أو وجود مانع، مثل أن يرتفع وجوب الزكاة لنقص النصاب، أو وجوب الصلاة لوجود الحائل. فلا يسمى ذلك نسخًا. لماذا لا يسمى نسخًا؟ الأول لانتفاء شرط، والثاني لوجود مانع. لا لأن الحكم ارتفع. الحكم موجود، واضحة جماعة. الحكم موجود ولكنه ما وقع وما حصل. لماذا؟ لانتفاء شرطه في الأول، ولجود مانع في الثاني. قال: والمراد بقولنا «أو لفظه» لفظ الدليل الشرعي؛ لأن النسخ إما أن يكون للحكم دون اللفظ، أو بالعكس، أو لهما جميعًا. إذن النسخ إما أن يكون للحكم دون اللفظ، وإما أن يكون للفظ دون الحكم، وإما أن يكون للفظ مع الحكم. قال: وخرج بقولنا «بدليل من الكتاب والسنة» ما عداهما من الأدلة كالإجماع والقياس؛ فلا ينسخ بهما. لماذا لا ينسخ بهما؟ أما الإجماع: لأنه كما سيأتي معنا اجتماع مجتهدي هذه الأمة على أمر ما بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم. واضح جماعة. والنسخ تغيير حكم شرعي، ولا يجوز لأحد أن يغير حكمًا شرعيًا بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم كائنا من كان. واضح يا أخوة. قال: والنسخ جائز عقلا وواقع شرعًا. قال: أما جوازه عقلا فلأن الله بيده الحكم، لأنه الرب المالك. فله أن يشرع لعباده ما تقتضيه حكمته ورحمته. قال: وأما وقوعه شرعًا فلأدلة، منها قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ هذا دليل على النسخ. قال: ما يمتنع نسخه: قالوا: يمتنع النسخ فيما يأتي، أي: من الأمور ما لا تنسخ أبدًا. قال: واحد: الأخبار. فالأخبار لا يدخلها النسخ أبدًا. لماذا؟ قال: لأن النسخ محله الحكم. ولأن نسخ أحد الخبرين يستلزم أن يكون أحدهما كذبًا، والكذب مستحيل في أخبار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال: شروط النسخ: قال: يشترط للنسخ فيما يمكن نسخه شروط، منها: الأول: تعذر الجامع بين الدليلين. فإن أمكن الجمع فلا نسخ؛ لإمكان العمل بكل منهما. والقاعدة عند العلماء: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. قال: الثاني: العمل بتأخر الناسخ، العلم بتأخر الناسخ. ويعلم ذلك إما بالنص، أو بخبر الصحابي، أو بالتاريخ. قال: الثالث: ثبوت الناسخ. واشترط الجمهور أن يكون أقوى من المنسوخ أو مماثلا له. فلا ينسخ المتواتر عندهم بالآحاد وإن كان ثابتًا. والأرجح أنه لا يشترط أن يكون الناسخ أقوى أو مماثلا؛ لأن محل النسخ الحكم، ولا يشترط في ثبوته التواتر. قال: أقسام النسخ: ينقسم النسخ باعتبار المنسوخ إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما نسخ حكمه وبقي لفظه. وهذا هو الكثير في القرآن. مثاله آيتا المصابرة. قال: الثاني: ما نسخ لفظه وبقي حكمه، كآية الرجم. قال: الثالث: ما نسخ حكمه ولفظه، كنسخ عشر رضعات السابق في حديث عائشة رضي الله عنها. قال: وينقسم النسخ باعتبار الناسخ أربعة أقسام: الأول: نسخ القرآن بالقرآن. ومثاله آيتا المصابرة. قال: الثاني: نسخ القرآن بالسنة. قال: ولم أجد له مثال سليما. وهذا النوع وقع فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى. قال: الثالث: نسخ السنة بالقرآن. ومثاله نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. قال: الرابع: نسخ السنة بالسنة. ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». وكذلك منه المثال السابق: «كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وأن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة». قال: حكمة النسخ: للنسخ حكم متعدد، منها: أولا: مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم في دينهم ودنياهم. قال: تعريف الخبر: الخبر لغة: النبأ. والمراد به هنا: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف. قال: وأما الفعل: فإن فعله صلى الله عليه وسلم أنواع. قال: الأول: ما فعله بمقتضاء الجبلة، كالأكل والشرب والنوم. فلا حكم له في ذاته، ولكن قد يكون مأمورًا به أو منهيًا عنه لسبب. قال: الثاني: ما فعله بحسب العادة، كصفة اللباس. فمباح في حد ذاته، وقد يكون مأمورًا به أو منهيًا عنه لسبب. قال: الثالث: ما فعله على وجه الخصوصية، فيكون مختصًا به، كالوصال في الصوم، والنكاح بالهبة. ولا يحكم بالخصوصية إلا بدليل؛ لأن الأصل التأسي به. قال: الرابع: ما فعله تعبدًا. فواجب عليه حتى يحصل البلاغ لوجوب التبليغ عليه. ثم يكون مندوبًا في حقه وحقنا على أصح الأقوال. قال: خامس: ما فعله بيانًا لمجمل من نصوص الكتاب أو السنة. فواجب عليه حتى يحصل البيان لوجوب التبليغ عليه. ثم يكون له حكم ذلك النص المبين في حقه وحقنا. فإن كان واجبًا كان ذلك الفعل واجبًا، وإن كان مندوبًا كان ذلك الفعل مندوبًا. قال: مثال الواجب: فعل الصلاة الواجبة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بيانًا لمجمل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وأيضًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فأفعاله واجبة. قال: ومثال المستحب: ركعتين خلف المقام بعد أن طاف من الطواف؛ بيانًا لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. هذا ما نأخذه ونكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على