شرح كتاب التوحيد 256

شرح كتاب التوحيد 256

الدرس في شرح كتاب التوحيد 256، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الإلحاد في أسماء الله تعالى

الإلحاد في أسماء الله تعالى يشمل عدة صور منها التسمية بما لم يسم به الله نفسه وتأويل أسمائه للتشبيه والتمثيل. يُعد الإلحاد في أسماء الله مخالفة لما جاء في الكتاب والسنة.

صور الإلحاد في أسماء الله تعالى وتفسيرها

صور الإلحاد تشمل الاشتقاق من أسماء الله أسماء للأصنام، والإنكار والتكذيب باسم من أسمائه. أسماء الله توقيفية ومحددة بالكتاب والسنة، والإلحاد فيها قد يكون كفرًا أو بدعة وضلالة.

الدعاء والصلاة على النبي ختامًا

المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله السامعين ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذا الباب، والذي بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب قول الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾. وأشرنا أن هذه الآية العظيمة قد احتوت على إثبات وعلى أمر وعلى نهي. أما الإثبات فهو إثبات للأسماء الحسنى لله، وقد مضت معنا مسائلها. وأما الأمر فهو: ﴿فادعوه بها﴾، وقد مرت مسائلها. وها نحن في النهي، وهو: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾. أشرنا إخواني في الله أن الإلحاد في اللغة بمعنى الميل. فالإنسان لا يجوز أن يخرج عما يجب لله جل وعلا من الأسماء الحسنى. وقد ذكر العلماء صورًا للإلحاد في أسماء الله، وممن ذكر وبيّن ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «بدائع الفوائد». فأوصل الإلحاد في أسماء الله إلى أربعة صور. فمن هذه الصور أن يسمى الله سبحانه وتعالى بما لم يسم به نفسه. وقد ذكرنا ذلك في القواعد الأولى من أن أسماء الله توقيفية، فليست محلا للاجتهاد أو محلا للإحداث أو محلا للابتداع بأن يأتي باسم نضيفه لأسماء الله. فالله جل وعلا غني عنا وعن اجتهاداتنا، فهو أعلم بنفسه منا. فأثبت لنفسه أسماء حسنى، فنحن نثبتها فقط. وكان على خلاف هذا النمط ما عليه الكفار، ما عليه اليهود، ما عليه النصارى، ما عليه الفلاسفة، إذ أن هؤلاء سموا الله بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان. كفعل النصارى أن سموا الله بالأب، وهكذا ما قام به الفلاسفة من تسمية الله جل وعلا بالعقل الفعال أو بالجوهر. فهذه ليست من أسماء الله في شيء، وهذا إلحاد، أي ميل عما يجب لله جل وعلا. والصورة الثانية من صور الإلحاد في أسماء الله أن تجعل هذه الأسماء دالة على التشبيه والتمثيل. وهذا كفعل اليهود والنصارى والمشركين ممن زعموا أن لله صاحبة، أن لله ولدًا، تعالى الله عن هذا القول علوًا كبيرًا. فهذا من الإلحاد في أسمائه. وصورة ثالثة أن يشتق من هذه الأسماء أسماء للأصنام والأوثان. فلله الأسماء الحسنى، فهي إليه وله تعود، فلا يجوز لأحد أن يزاحم الله جل وعلا في أسمائه. وقد قام الكفار من كفار العرب قديمًا أنهم أخذوا من أسماء الله ما يكونوا اسمًا لآلهتهم. فاشتقوا مثلًا من اسم الله العزيز «العزى»، وأطلقوها للآلهة، ومن اسم الله المنان «المنات» وسموها للآلهة، ومن اسم الله «الله» «اللات» وأطلقوه على الآلهة. فهذا من الإلحاد في أسماء الله أن تشتق من أسماء الله ما يعود إلى أن تكون أسماء للآلهة والأصنام. والصورة الرابعة من صور الإلحاد في أسماء الله ما يكون من الإنكار. فمن صور الإلحاد في أسماء الله جل وعلا أن يتجرأ أحد على أن ينكر اسمًا من أسماء الله. فإن من صور الإلحاد التكذيب. وقد ثبت ذلك من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: الإلحاد التكذيب. فمن كذب باسم من أسماء الله فقد ألحد في أسماء الله. وهذا الذي عليه طائفة من الكفار وطائفة من اليهود ومن أهل الكتاب. وهكذا طائفة من أهل هذه الأمة المحمدية كأمثال الجهمية الذين أنكروا أن يكون لله اسمًا أو صفة. فهذه الصور التي أشار إليها ابن القيم رحمه الله تعالى أنها تعد من الإلحاد في أسماء الله جل وعلا، وكلها تدخل في هذا النهي في قول ربنا: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾. وأما حكم الإلحاد بعد ذلك، فإن الإلحاد يختلف، فإن حكمه لا يتفق. فإن الإلحاد له صور، له منازل. فمن الإلحاد ما يكون من الكفر المبين، ومن الإلحاد ما يكون بدعة وضلالة. فإذا كان الإلحاد في حق صاحبه في باب أسماء الله جل وعلا أنه أولها وأنه بدلها وغيرها، وادعى أنها مجازًا، فهذا من البدع. وأما إن كان إلحادًا في أسماء الله يصل إلى حد التكذيب، يصل إلى حد الاشتقاق من أسماء الله أسماء للأصنام، كفعل النصارى وكفعل اليهود وكفعل مشركي العرب، فإن هذا الإلحاد يصل بهم إلى حد الكفر. فالواجب على المسلم إذا ما أراد أن يقع في الإلحاد في أسماء الله أن يلتزم الجادة، والجادة في باب أسماء الله أنك تثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له نبيه من اسم من غير تحريف ولا تأويل ولا تعطيل ولا تكييف. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿يلحدون في أسمائه﴾، قال: يشركون. إلا أن هذا الأثر قد جاء من طريق العوفي، عطية العوفي عن ابن عباس، والعوفي ضعيف، زيادة على ذلك أنه لم يسمع من ابن عباس. فهذا الأثر لا يصح. وجاء كذلك هذا التفسير عن قتادة، لكنه من طريق معمر عن قتادة، ورواية معمر عن قتادة قد تكلم عليها العلماء بالضعف. فعلى كل حال، على صحة من يصحح ويحسن هذا التفسير عن ابن عباس، فمعنى: ﴿يلحدون في أسمائه﴾، يشركون، أي أن من صور الإلحاد في أسماء الله جل وعلا أن يشرك مع اسم الله ما يكون شريكًا له في الأصنام. قال: وعنه أيضًا عن ابن عباس أنه قال: سموا «اللات» من «الإله»، و«العزى» من «العزيز». أي أن هذا مما ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. إلا أن هذا الأثر المروي عن ابن عباس هو بنفس السياق الأول، عطية العوفي عن ابن عباس، وعطية العوفي كما أسلفنا هو ضعيف. أضف إلى ذلك أنه لم يسمع من ابن عباس. فهذا الأثر لم يثبت عن ابن عباس. لكن ثبت عن مجاهد رضي الله تعالى عنه أنه قال في تفسير هذه الآية: اشتقوا «العزة» من «العزيز»، واشتقوا «اللات» من «الله». اشتقوا «العزة» من «العزيز»، «العزة» صنم من أصنام كفار قريش. لكن من أين جاء هذا الاسم؟ «العزة» هو في الحقيقة اسم الله العزيز، لكن لشركهم أن زاحموا الأصنام مع الله فشاركوها في الاسم، فغيروا اسم الله العزيز وسموه «العزة». وهكذا قل «اللات»، وهو كذلك من الأصنام الشهيرة عند العرب. وكان من أسباب اختيار هذا الاسم «اللات» كما قال مجاهد: أنهم جاءوا عند اسم الله «الله» وأعطوه للصنم مع شيء من التغيير، قالوا: «اللات». فقال مجاهد رحمه الله: اشتقوا «العزة» من «العزيز»، واشتقوا «اللات» من «الله». وهذا الأثر رواه الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها. وهذا الأثر أخرجه ابن جرير في تفسيره. وقول الأعمش رحمه الله تعالى: أن معنى: ﴿يلحدون في أسمائه﴾، قال: يدخلون فيها ما ليس منها. وهذا قد مضى معنا. معنى هذا من صور الإلحاد أنك تبتكر لأسماء الله جل وعلا ما جعلها الله له اسمًا. فكيف تتجرأ من أنت حتى ترى أنك أعلم من الله فتعطي اسمًا لله؟ هذا مثل -ولله المثل الأعلى- أن فلانًا أتى إليك وأنت اسمك عبد الله، قال: أنت ما اسمك عبد الله، أنت اسمك سالم، وأنا سأسميك سالم. وأنا أنا عبد الله. أليست هذه جرأة؟ أليست هذه استخفافًا بعينه؟ نعم، هذا استخفاف. فكل إنسان أعلم باسمه. ولله الأسماء الحسنى، فالله جل وعلا أسماء سمى نفسه بأسماء تليق بجنابه، تليق بعظمته، مرتبط بصفاته. فكيف يأتي من يأتي من الناس ويعطي لله أسماء؟ هذا إلحاد، هذا إلحاد في أسماء الله. ولهذا قال الأعمش: يدخلون فيها -أي في أسماء الله- ما ليس منها. وقد أشرنا إلى القاعدة في أوائل الدروس أن أسماء الله توقيفية، أي موقوفة على الكتاب والسنة. فما جاء في الكتاب والسنة سمينا الله بها، وما لم يرد فلا نسمي الله غيرها. والشاهد إخواني في الله أن هذه الآثار التي أوردها لنا المؤلف رحمه الله تعالى: أن من الإلحاد التكذيب، أن من الإلحاد التشريك، أن من الإلحاد أن تدخل فيها ما ليس منها. هذا في الحقيقة كل ذلك التفسير بالتمثيل. كل إمام أراد أن يمثل بشيء من صور الإلحاد. فهي تدخل ماذا؟ كل هذه التفاسير تعطينا صورًا عديدة من صور الإلحاد في أسماء الله، كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.