الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 88، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع هدم النبي صلى الله عليه وسلم للأصنام حول الكعبة بعد فتح مكة وإرساله البعوث لهدم الأصنام المحيطة بها كمناة وسواع. يبين منهج أهل السنة في إزالة ما يعبد من دون الله عند انتفاء المفسدة مع سرد قصة عمرو بن العاص مع صنم سواع ومقارنتها بواقع عباد القبور اليوم.
يروي المؤلف مشاهدته لمحاولة موحد إزالة قبر جد القبيلة من داخل مسجد في قرية رباط باعشا حيث رفض العمال الحفر خوفاً من ضرر الولي. تولى أهل التوحيد الحفر بأنفسهم ونقلوا العظام ليلاً إلى مقبرة المسلمين مما يوضح رسوخ عقيدة عبادة القبور وخوف الناس من انتقام الأولياء.
بعث النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد لهدم صنم مناة الذي تعبد الأوس والخزرج وغسان فهدمه رغم تهديد السادن. ظهرت امرأة عريانة سوداء تثير الرعب مما يدل على أن الشياطين تزين الشرك لعبادها ويربط المقطع بين هذا الحدث وجهود الشيخ محمد بن عبد الوهاب اللاحقة.
أمر السادن سعداً بهدم صنم مناة فضربه وقتله وهدم الصنم ولم يجدوا في خزانته شيئاً وهذه الحادثة مرسلة ذكرها ابن سعد. أشار المحاضر إلى غزوة حنين الطويلة التي سيذكرها في الدرس القادم إن شاء الله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فانتهينا بفضل الله من غزوة الفتح الأعظم، وعلمنا استقرار الإسلام في مكة وما حولها، وعلمنا أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء البيت ورأى حوله الأصنام، حتى ذكر أن عددها كم التي كانت حول البيت ثلاثمائة أو ستون وثلاثمائة صنم، فهدمها النبي صلى الله عليه وسلم وكسرها وهو يقول: ﴿ جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ﴾. وفي هذا فضل التوحيد، وأن الواجب على المسلمين والدعاة إلى الله الابتداء به في دعوتهم. ولذلك لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن فقال له: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإنهم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات» الحديث. ولا يزال نبينا عليه الصلاة والسلام يسعى في هدم كل صنم يعبد من دون الله عز وجل، فبعث عليه الصلاة والسلام البعوث بعد فتح مكة إلى الأصنام التي حول مكة كمناة، وهكذا سواع وغيرها من تلك الأصنام التي تعبد من دون الله. وهذا هو ديدن أهل الحق وأهل السنة في كل زمان ومكان، فإذا سنحت لهم فرصة ولم يكن هناك ضرر ولم تكن هناك مفسدة من هدم كل ما يعبد من دون الله، كالقبور والأضرحة والأحجار والأشجار، فعلوا ذلك وهدموها وأزالوا أثرها. أما إذا كان في هدمها مفسدة من الضرر، أو كذلك من إرجاع تلك القبور والأضرحة أفضل وأكمل مما كانت عليه، فأهل السنة هم أعلم بالمصلحة والمفسدة، فيحجمون عن ذلك إلى أن تتهيأ الأسباب وتتيسر الأمور فيقومون بهدمها. وذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجد رحمه الله في كتابه مختصر سيرة الرسول بعض الحوادث التي فيها إرسال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة في هدم بعض تلك الأصنام والأوثان، فقال رحمه الله: هدم عمر بن العاص صنم سواع. قال: وبعث، أي النبي صلى الله عليه وسلم، عمر بن العاص في شهر رمضان إلى سواع، إلى سواع وهو له ذيل، يعني كانت تعبده هذه القبيلة. ومن سخافة عقول هؤلاء المشركين أن لكل قبيلة منهم صنم ووثن، فحصروا الآلهة في تعبد لقبيلة معينة، وهل الإله يكون لقبيلة دون أخرى؟ هذا يكفي في بطلان ما هم عليه. فكان سواع له ذيل، قال: أي عمر بن العاص، فأتيته وعنده السادن، السادن يعني القيم على هذا الصنم، المشرف عليه، الآخذ للنذور. قال: فقال: ما تريد؟ السادن يقول لعمرو بن العاص: ما تريد؟ قلت: أهدمه. قال: لا تقدر على ذلك. قلت: لم؟ قال: تمنع. سبحان الله، انظر إلى ما وقر في قلوب المشركين من تعظيم هذه الأوثان، وهذا ما عليه عباد القبور اليوم. فإذا انبرى السني الموحد لهؤلاء وأبطل عبادتهم لهذه القبور والأضرحة، قالوا له: سيحوط بك هذا القبر. ما معنى سيحوط بك؟ يعني سينزل بك الضر من مرض أو من فقر أو غير ذلك. وهذه العقيدة لا تزال راسخة في قلوب هؤلاء إلى يومنا هذا، ولها شواهد ووقائع مشاهدها ونلاحظها في مجتمعات المسلمين. وأذكر مثالاً شاهدته بنفسي وعايشته بنفسي: كنت مدرساً في منطقة دوعن في قرية يقال لها الرباط، رباط باعشا. وكانت هذه القرية أنا بعيد منها في منطقة أخرى اسمها الرشيد، ولكن هذه القرية سخر الله رجلاً موحداً من هذه القبيلة، وكان يسكن خارج هذه القرية، وهو ذو شرف وذو منزلة، لأن هذه القرية تسمى بقبيلتهم، وفيها مسجد فيه قبر لجدهم باعشا. فلما علم التوحيد جاء وعزم على إخراج القبر من المسجد، لأن القبر في نفس المسجد، الناس يصلون هنا والقبر في مؤخرة المسجد في إطار المسجد تراه أمامك، وهو مجصص وكذلك مبخر ونحو ذلك. فجاء وعزم على إخراج هذا القبر، فاستنكر هؤلاء عباد القبور وهول الأمر. جاء هذا الرجل إلى أهل التوحيد في القرى الأخرى وبحث على عمال يخرجون هذا القبر من المسجد، فبحث وبحث ما وجد، كلهم يعتذرون خوفاً من أن ينالهم شيء من هذا أو من صاحب هذا القبر. المهم بعد بحث طويل وجد ثلاثة وأغراهم بالمال، قال لهم: الذي تريدونه من المال سأعطيكم، ما عليكم إلا أن تحفروا حتى خروج عظام هذا الميت. قال: ما عليكم، نحن سنخرجه، أنتم عليكم فقط أن تحفروا، لأن المسجد قديم وكلما جدد دفن فصار القبر في أعماق الأرض، فيحتاج إلى جهد وعمل كثير. المهم جاء هؤلاء الثلاثة وحفروا، حفروا، حفروا في اليوم الأول فما وجدوا شيئاً، فانتهى الوقت، قالوا: نأتي اليوم الثاني. جئنا اليوم الثاني نريد الثلاثة يأتون، لم يأت منهم أحد. أيش الخبر؟ ذهبنا عند الأول، قالوا: والله أنا طول الليل ما جاني النوم، ما أشي نوم، جاني ظهر أن الرجال حوط به هكذا. رحنا عند الثاني، قال: أنا أمي منعتني، قالت لي: والله ما تذهب وتحفر معهم. والثالث ما أذكر أيش عذره، المهم جاء بعذر آخر. ثم جاء أهل التوحيد وقالوا: نحن سنكمل، مع أنهم ليسوا بعمال ولكن تعاونوا على ذلك، فحفروا حتى وجدوا اللحد ووجدوا العظام، فأخذوها. وفي الليل ذهبوا بها إلى مقبرة المسلمين وحفروا لها ودفنوها، دون أن يعلم الناس بهذه العظام حتى لا يتعلق بهذا المكان أو هذا القبر، وأخرج هذا القبر من المسجد. الشاهد: انظر كيف أن هذه العقيدة موجودة في قلوب عباد القبور، وأن من ينكر عليهم يقولون: سيحوط بك هذا الولي وسيضرك. ونفس ما كان عليه أهل الجاهلية، نفس هذا الذي عليه أهل الجاهلية. هذا أمر واقع لا نفتري عليهم، رأينا وشاهدنا وسمعناه منهم، وسمعناه منهم. بل ربما إذا جاء الموحد وأنكر عليهم ثم قدر الله له شيء بعد يوم أو يومين، جاءته حمى أو مرض، قالوا: انظر حوط به صاحب القبر، ما جاءته هذه الحمى أو هذا المرض إلا لأنه تكلم على الولي الفلاني. انظروا كيف حوط به، بمعنى أوصل به الضرر. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ﴾، ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وإن تصبك سيئة فمن الله ﴾، أي أن تقدير هذه المصيبة إنما هي من الله لا من أحد من خلقه. فالشاهد من هذا أن هذا السادن قال لعمر بن العاص: قال له: لا تقدر على ذلك، أي أن هذا الصنم سيدافع عن نفسه وسيضره. قال: لما قال تمنع، قلت: حتى الآن أنت على الباطل، يعني على الشرك، ويحك، وهل يسمع أو يبصر؟ قال: فدنوت منه فكسرته، وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته، أي المكان الذي يوضع فيه المال، المال المنذور لهذا الصنم. قال: فلم نجد فيه شيئاً. قال: فقلت للسادن: كيف رأيت؟ نحن الآن هدمنا هذا الصنم، ماذا صار لي؟ هل أحد منعني؟ ماذا ترى؟ كيف رأيت؟ فقال هذا السادن: أسلمت لله. هذا الحديث أخرجه ابن سعد في الطبقات مرسل، لكن هذا الحديث قد اشتهر وجعل العلماء يتناقلونه، والله تعالى أعلم. وكما ذكرنا أن بعض حوادث السيرة أغلبها تنقل بالمراسيل ويتناقلها العلماء لشهرتها، وبعضها يكون لها من الشواهد ومن المعاني الصحيحة، والله تعالى أعلم. قال: بعث سعد بن زيد لهدم مناة. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم يستمر في هدم معالم الشرك وبث التوحيد في أصقاع المعمورة. قال: ثم بعث سعد بن زيد بن مالك بن عبد بن عبد بن كعب بن عبد الأشهل الأشهل الأنصاري في شهر رمضان إلى مناة، في قوله تعالى: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾. وكانت عند قديد بالمشل للأوس والخزرج وغسان وغيرهم. وهذا كما قلنا كان لكل قبيلة أو عدة قبائل صنم يعبدونه من دون الله، فكانت مناة للأوس والخزرج وغسان. قال: فخرج في عشرين فارس حتى انتهى إليها. وفي هذا أنه يجب على ولي الأمر أن يبعث البعوث لهدم كل معلم من معالم الشرك. وكان آخر ذلك ما حدث في عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى، فلما أسست تلك الدولة المباركة في أول الأمر بقوة الحجة والبيان وكذلك السيف والسنان، فكان الشيخ ومن معه من رجال التوحيد يجوبون البلاد ويهدمون كل معلم من معالم الشرك من الأضرحة والقبور ونحو ذلك، حتى وصلوا إلى اليمن، وصلوا إلى اليمن، وصلوا إلى بلاد أخرى من بلاد الإسلام. قال: فخرج في عشرين فارساً حتى انتهى إليها، أي لمناة، وعندها سادنها، أي القيم عليها. فقال: ما تريد؟ قال: هدمها. قال: أنت وذاك، اذهب هدمها. فأقبل سعد يمشي إليها، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء. وهذا فيه أن هذه المعالم وإن كانت جماداً من أحجار أو أتربة أو صخور أو كذلك نحو ذلك من الجماد، أشجار أو نحوها، ففي الحقيقة أن الشياطين هي التي تزين ذلك لعبادها. فهذه هي جنية، امرأة عريانة سوداء، هي جنية تزين وتخوف عباد هذا الصنم بإصدار الأصوات أو كذلك الأشياء الأخرى التي لربما يؤمن بها هؤلاء المشركون. وهذا قد وقع في أكثر من حادثة، في أكثر من حادثة. قال: وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها. فقال لها السادن: مناة دونك، بعض عصاتك، دونك بعض عصاتك. فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه، ولم يجدوا في خزانتها شيئاً. وهذا أيضاً مرسل، ذكره ابن سعد واشتهر بين العلماء، فتناقلوها، تناقلوا هذه الحادثة، الحادثة، الحادثة. ثم ذكر غزوة حنين وهي طويلة وفصل فيها، فلعل الله يسر بقراءتها ولو سريعاً في الدرس القادم إن شاء الله تعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.