شرح مختصر سيرة الرسول 89

شرح مختصر سيرة الرسول 89

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 89، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تجمع هوازن وثقيف ومشورة دريد بن الصمة

تجمع مالك بن عوف قبيلتي هوازن وثقيف مع أموالهم ونسائهم استعداداً لقتال المسلمين، فأشار عليه الشيخ دريد بن الصمة بعدم إحضار العيال لأن النصر بالرجال لا بالعدد. حذر دريد من عاقبة الهزيمة التي تذهب بالرجال والنساء والأموال معاً.

رفض مالك بن عوف مشورة دريد بن الصمة

عرض دريد خطة بتأخير النساء والأموال وعدم الزج بالأشراف في المقدمة، لكن مالك رفضها معتبراً إياها خرف كبر سن وأصر على المواجهة. بعث مالك عيوناً فعادوا مرعوبين من رؤية رجال بيض على خيل بلق، فلم يثن ذلك عزم الجيش.

استعداد النبي صلى الله عليه وسلم وابتلاء المسلمين في حنين

أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عيناً للاستطلاع واستعار السلاح من صفوان بن أمية، وسار بجيش اثني عشر ألفاً إلى وادي حنين. كمن المشركون وفاجأوا المسلمين فهزموهم أولاً، لكن النبي ثبت ورجع الصحابة فانتصروا، وكان الابتلاء بسبب إعجابهم بكثرتهم.

موقف صفوان بن أمية من هوازن ونهاية الدرس

أمر صفوان بن أمية أخاه بالصمت معبراً عن تفضيله سيادة رجل من قريش على هوازن بسبب العداوة التاريخية. ثم أعلن المتحدث انتهاء الدرس على أن يكمل بقية الغزوة لاحقاً.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بن نجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": غزوة حنين. وسميت هذه الغزوة بهذا الاسم لأنها وقعت في هذا الموضع الذي يقال له حنين، ويقال له أيضاً أوطاس كما سيأتي معنا. وكثير من الغزوات تسمى بالمواضع التي وقعت فيها، كبدر وأحد وغيرها من الغزوات. قال ابن إسحاق في السيرة: لما سمعت هوازن بالفتح، أي فتح مكة، جمعها مالك بن عوف النصري مع هوازن وثقيف كلها، يعني مع قبيلة هوازن وثقيف من قبائل الطائف، والطائف تبعد قليلاً من مكة. قال: فلما أجمع مالك المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وذراريهم. والمراد بالأموال يعني الأباعر وكذلك الفرسان وغيرها، والنساء الزوجات ونحوهن، والذراري أي الأطفال، وله في ذلك مغزى سيأتي ذكره. قال: فلما نزل بأوطاس، وهذا الموضع الذي يقال له حنين، اجتمعوا إليه، وفيهم دريد بن الصمة الجشمي، وهو شيخ كبير ليس فيه إلا رأيه، وكان شجاعاً مجرباً. ومعنى "ليس فيه إلا رأيه": يعني ليس هو بحق تال وكر وفر لكبر سنه، وإنما معه رأيه وخبرته التي اكتسبها من طول حياته، فهو مدبر وحكيم، وذو الرأي له أهمية في النوازل، فقد ينفع برأيه ومشورته وخبرته. قال: فقال، أي دريد: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل، يعني مكان طيب للحرب، لا حزن ضرس ولا سهل دهس، يعني ليس بوعر حتى لا يستطيع المجاهد أن يقاتل فيه، ولا سهل بحيث أن العدو يسهل عليه مواجهة عدوه والنيل منه، فهو وسط ليس بوعر وليس بسهل. ثم قال: ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء؟ البعير إذا أصدر صوتاً يقال له رغاء، اسم الصوت الذي يخرج من البعير، كما جاء في الحديث: «لا يأتيني يوم القيامة أحد وفي رقبته بعير له رغاء»، أي له صوت. والحمير إذا أخرجت صوتاً يقال له نهيق، وليعار صوت الشاء أو تيس ييعر، يعني يخرج صوتاً. قالوا: يعني قال لهم: لماذا أسمع هذا كله؟ أصوات الأباعر والحمير، وهناك أطفال يبكون، وشاء كذلك تيعر؟ قالوا: ساق مالك مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم. قال: أين مالك؟ فدعي له، فقال: إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم له ما بعده من الأيام، يعني إما نصر وإما خذلان وهزيمة، فلم فعلت هذا؟ لماذا أصحبت معك الأطفال والنساء؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل ذي رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، يعني فعلت هذا حتى يتجلد المقاتل في الحرب، فإن أراد أن يهرب ويولي الأدبار تذكر زوجته وأبناءه فقاتل دونهم، فصده ذلك عن الفرار، هذا مراده. قال: راعي ضأن، والله! قال: لو أنت ما أنت صاحب رأي، أنت بدوي صاحب رعي الضأن، لا تصلح أن تكون قائداً. ثم قال له: وَهَلْ يَرُدُّ الْمُنْهَزِمَ شيء؟ إذن هزم، هل يرده شيء إذا رأى الموت أمامه؟ هل سيضحي من أجل زوجته وأولاده أو يسلم بنفسه؟ هل يرد المنهزم شيء؟ فهو إما أن يقتل وإما أن يؤسر. قال: إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، يعني إن انتصرت ما ستنتصر بسبب هؤلاء النساء أو الأطفال، وإنما بسبب الرجال المجاهدين، الرجال المقاتلين بسيوفهم ورماحهم. وإن كانت عليك، يعني هزمت وسبيت النساء والذراري، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، فقدت نفسك وفقدت أهلك ومالك. ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ يعني هاتان الفخذان من القبائل، ماذا؟ هل هما معكم؟ هل شاركتا في الخروج والحرب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، ما شارك منهم أحد. قال: غاب الحد والجد، يعني هذه الحرب خاسرة، كيف لا يوجد فيها أمثال هؤلاء؟ قال: لو كان يوم علاء ورفعة لم يغيبوا، لو كان يوم نصر ورفع وعز وتمكين لهم لم يغِب أمثال هؤلاء، وهم أهل الحرب والخبرة ونحو ذلك. ثم قال: وددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، يعني أنكم لم تخرجوا ولم تقاتلوا. ثم قال: فمن شهدها من الآن معكم؟ قالوا: عمر بن عامر وعوف بن عامر. قال: ذانك الجذعان من عامر، ذا اسم إشارة، والجذعان المراد به الصغير الشاب، الجذع الصغير الشاب، والجذعان مثنى، يعني أنهما صغيران من الشباب الطائشين، نعم لا ينفعان ولا يضران، ما هم بحق حرب ومواجهة. ثم قال: يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم البيضة، والبيضة هي التي يحمى بها الرأس، ويطلق بها هذا الإطلاق، أي من أجل الحماية، حماية هذه القبيلة، بيضة هوازن، يعني حمايتهم. قال: إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئاً، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم، يعني ما كان يرى الخروج والحرب، بل يرى الرجوع، يرى الرجوع إلى البلاد. قال: وعلياً قومهم، يعني هؤلاء الوجهاء وهؤلاء الأهل، الخيل والشرف والرفعة، لا تجعلهم في المقدمة، وإنما ألقي الصباء على متون الخيل، يعني الذين ليس لهم شرف ولا رفعة، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذاك وقد أحرزت أهلك ومالك، يعني إن انتصر هؤلاء سلم لك هؤلاء الأشراف والوجهاء، وإن كانت عليك ألفاك ذاك، يعني هم من عامة الناس ليس لهم شرف ولا وجاهة، فلا يتأسف عليهم، فتكون بذلك قد أحرزت أهلك ومالك. قال: والله لا أفعل، يقول مالك لهذا الكبير دريد: لا أفعل، قد كبرت وكبر عقلك، يعني أنت تأتي بكلام بسبب كبر السن، وكبير السن ربما يبدأ يخلط ويبدأ كذلك ينسى وهكذا يخرف كما يقال. ثم قال: والله لتطيعنني يا معشر هوازن، أو لأطعنن بهذا السيف حتى يخرج من ظهري. قال لهم: لابد أن تتبعوني، وإلا قتلت نفسي، وهو شريف من شرفائهم أو من أشرافهم، وكبير من كبرائهم، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر، ما أراد أن يرجع فيقال: هذا بسبب رأي دريد أو رأيه. فقالوا: أطعناك، يعني اتبعوه. فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني. ثم أنشد، يعني أنه سيرجع: يا ليتني فيها جذع *** أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع *** كأنها شاة صدع قالوا: الزمع هو الرعشة التي تصيب الشخص إما لخوف أو لشدة فرح. ثم قال مالك: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم. يقول لقومه: إذا رأيتم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فاكسروا جفون سيوفكم، أي الغمد الذي يوضع فيه السيف. لماذا قال لهم ذلك؟ يعني قال لهم: إذا رأيتم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، اكسروا الموضع الذي يغمد فيه السيف، وقاتلوا بسيوفكم وأخرجوها. لماذا قال لهم: اكسروا جفون سيوفكم؟ نعم، تحريضاً على الاستمرار في القتال، وأن لا يرجعوا عن القتال ويستمروا فيه. قال: ثم شدوا شدة رجل واحد، أي هجموا هجمة رجل واحد. ثم بعث عيوناً من رجاله، عيوناً يعني جواسيس، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم من الرعب والهلع، يعني جاءوا خائفين. لماذا؟ فقال لهم: ويلكم، ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالاً بيضاً على خيل بلق، والخيل البلق هي التي فيها خلط بين السواد والبياض. قال: والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، يعني ما شعرنا إلا وقد هجم علينا هذا الخوف وهذا الهلع. فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سيرده شيء. قال: ولما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث إليهم عبد الله بن حدرد الأسلمي، وأمره أن يداخلهم حتى يعلم علمهم، يعني أرسله عينا له، وأن يدخل فيما بينهم دون أن يشعروا، ولا شك أن هذا سيكون ليلاً في الظلم. فانطلق فداخلهم حتى علم ما هم عليه، علم خبرهم وعددهم وعدتهم وعتادهم ونحو ذلك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر. قال: فلما أراد المسير، ذكر له، أي لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم المسير، ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعاً وسلاحاً، وهو يومئذ مشرك، يعني عنده سلاح وأدوات الحرب. فقال له، وكان مشركاً، هذا صفوان بن أمية: يا أبا أمية، أعرنا سلاحك هذا، يعني أعطنا إياه إعارة، ثم إذا انتهينا من القتال رددناه إليك، نلقى فيه عدونا غداً. فقال: أغصاباً يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة، يعني ليس غصباً وإلزاماً، وإنما هي عارية نضمنها لك ونردها لك كما أخذناها حتى نؤديها إليك. وأصله في الصحيح، هذا الحديث. فأعطاه مائة، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح. فخرج صلى الله عليه وسلم ومعه ألفان من أهل مكة، وعشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفاً، وهذا عدد كبير مقارنة مع الغزوات الأولى التي غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: واستعمل عتاب بن أسيد على مكة، لأنه قلنا هوازن وحنين هي بالقرب من مكة. قال: فلما استقبلوا وادي حنين، انحدروا في وادي من أودية تهامة أجوف، في غلس الصبح، يعني في أول الصبح وقت الغلس. قال جابر: وكانوا قد سبقونا إليه، أي هوازن، فكمنوا في شعابه، يعني اختبؤوا وغدروا، ومضايق في شعابه ومضايقه، قد تهيأوا يعني للقتال. فوالله ما راعنا إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، يعني هجموا على المسلمين، ولا شك أن المتحصن والمستعد يكون أقوى. فانكفأ الناس راجعين، لا يلوي أحد على أحد، يعني رجع الناس الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وصار بعضهم يفر. وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين، ثم قال: أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله. وقال ذلك حتى يجتمع الناس حوله، وبقي معه نفر من المهاجرين وأهل بيته. فاجتلد الناس، أي تحملوا وصمدوا. فوالله ما رجعت الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى عند رسول الله، بمعنى أن بعدما اجتمع الناس حول رسول الله وجمعوا أمرهم انقلب الأمر من هزيمة إلى نصر، ففي غزوة حنين كان في أول الأمر الغالبة للمشركين، ثم تحولت للمسلمين. قالوا: وكانوا حين رأوا كثرتهم، أي المسلمين، لأنهم اثنا عشر ألفاً، وهذا عدد كبير، فلما رأى بعض الناس من المسلمين هذه الكثرة، قالوا: لن نغلب اليوم من قلة، أو لن نغلب اليوم لقلة. فوقع بهم ما وقع في ابتلاء الله لقولهم ذلك، لأن فيه شيئاً من ماذا؟ فيه شيء من عدم التعلق بالله عز وجل والتعلق بالسبب. ولذلك عاتبهم الله عز وجل في القرآن، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا ﴾ الآية. فابتلاهم الله عز وجل في أول الأمر، ثم كان النصر للإسلام والمسلمين. قال ابن إسحاق: ولما وقعت الهزيمة، تكلم رجال من جفاة أهل مكة، لأنهم حديثو عهد بإسلام، بما في أنفسهم من الضغن. فقال أبو سفيان: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. وصرخ جبلة بن الحنبل: ألا بطل السحر اليوم؟ يعني ما كان من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يقولون إنه سحر. فقال له أخوه صفوان بن أمية، وكان بعد مشرك: اسكت، فض الله فاك، والله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن، يعني لأن يغلبني رجل من قريش أحب إلي من أن يغلبني رجل من هوازن، وكانت هناك عداوة بين أهل مكة وبين هوازن. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل بقية هذه الغزوة في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.